السخرية السوداء بوصفها استراتيجية نقدية في رواية «عشيقات النذل»

تشكل السخرية بوصفها اختيارا فنيا متخللا لكل الأجناس الأدبية، ملاذا خصبا لبث روح النقد المُفارق لقيم مجتمعية أو فنية مزيفة، غير قادرة على تأجيج الإبدالات الجديرة بتحرير الإنسان. وهي رهان استندت إليه الكتابة السردية في رواية «عشيقات النذل» من أجل تعميق الإحساس بالجراح لدى القارئ، وتمفصل دلالة التشخيص المقوض لدعامات وأسس انهيار شخصية المثقف، وعدم قدرته على الفعل الإيجابي في المجتمع، وفشله الذريع في المساهمة الفعالة في خلق حراك سياسي تقوده الثقافة. لقد اتخذت الرواية هنا، خطاب السخرية نوعا من السلاح، لمجابهة القيم البراقة التي لا تعبر عن الجوهر- والتي صارت، للأسف، هي الجوهر في العالم المصور نصياً، المماثل لما يعرفه الواقع المعيش- والزراية بالخصوم والمناوئين، وتقويض الفكر النقيض. ويدخل هذا الاختيار في جوهر نظرية الكتابة بالهزل، التي تعتبر التعبير الساخر ضربا من ضروب تحرير الذات من التوتر، والقلق، وإعتاق الفرد من المكبوتات والأعراف والقوانين المكبلة لطاقاته.
ترمي الخطابات الساخرة في «عشيقات النذل»، تأسيسا على وعي مفارق، بما يختلج في المعيش اليومي من قيم متفاوتة وهجينة، إلى بث روح التهكم من الممارسات والسلوكيات المجتمعية، والتقليل من قدرها، وتحقيرها في أعين القراء، أو حتى جعلها مقرفة ومثيرة للضحك، أو غير ذلك من الأساليب التي يكون من ورائها محاولة التخلص من بعض الصفات والخصال والخصائص السلبية، ذلك أنها، في الغالب، تتضمن حُكما قيميا وهدفا تصحيحيا. وبتأمل المتن الروائي، وتشريحه موضوعا ولسانيا، وفنيا، نلفي الرؤية الساخرة المفارقة، اعتمدت أدوات واختيارات أسلوبية متعددة، أغنت التشييد المعماري لمكون الشخصيات، بالأسلوب الذي يخدم النص الروائي وفلسفته ورؤيته الفكرية الناظمة. ومن هذه الأدوات الفنية والدلالية:
الأسماء: تشكل أسماء الشخصيات في العمل الروائي دالا سيمائيا مؤسسا للدلالة للعامة؛ ومساهما استراتيجيا فيها، بحيث إن الروائي يصمم عوالمه، وفق اختيارات واعية، تصب كلها في خدمة المدلول العام للمتن الروائي. ومن غير اللائق أن تكون الأسماء منتقاة بشكل عشوائي اعتباطي، علما بأن كثيرا من الجوانب المعمارية والدلالية ترجح الاشتغال الواعي بالسيولة المضمونية وَفقَ ما يعزز الرؤية الفكرية للكتابة، حيث الميلُ إلى تشييد عوالمَ بديلة بقيم مختلفة، تناقض ما تنص عليه المنظومة المجتمعية من أعراف وتقاليد، وتتجاوز حدود المتفق عليه، مكسرة بذلك الخطية المعتادة، والتابوهات المغلفة بالتحريم، في سعي إلى انتقام مسعُور من الزيف المغلف للسلوكيات المقنعة بالتعددية.
وفي انسجام مع السمات والصفات، التي تحملها الشخصيات الروائية ذات الطبيعة الإنسانية المنتهكة، استعان الرياحي، في رفد البنية الدلالية للشخصية، على أسماء ذات مرجعية تونسية، تحفل مدلولاتها بالكثير من الدفق الساخر الذي ليس الغاية من ورائه القدح أو الإضحاك، بقدر ما يروم الإفصاح عن دواخل هذه الشخصيات، وإبراز صُورها الاجتماعية، المتوافقة مع تجلياتها السيكولوجية، ووقعها لدى الآخرين، الذين ترتبط معهم بصلات وعلاقات اجتماعية وإنسانية. وذلك ما يترسخ لدينا من انطباع لما نتأمل مقولات الأسامي المؤثثة للمتن الروائي «عشيقات النذل» (ستيلا- بوخا- إيفو- هند السينما…) حيث تصر المسارات التصورية للرواية، على استدماج ألقاب وكُنى مستعارة من الخطابات الشعبية التي يتنابز بها الناس، في أفضية القاع، من أجل التسلية والتحقير، إلى جانب الأسماء الأصلية (كمال- حسن- لطفي- حياة- هند…)، وغالبا ما يصبح الاسم التداولي هو الأصل ترسيخا لمبدأ الزيف، إذ لا أحد في الأخير جدير بما يظهر عليه في الواقع، حسب النص الروائي.

اجتهد السرد في إقحام المتلقي في صميم هذه العلاقات، وفي سياقها السري، وتفنن في تصوير المشاهد الخليعة، الفاحشة، حد التعريض.

التمييع: يلجأُ كمال الرياحي في هذه الرواية، بخصوص بناء الشخصية وعوالمها، إلى تمييع الصورة وتهجينها وتشويهها، انطلاقا من تخير الألفاظ المهيجة للصور القذرة المثيرة للاشمئزاز في ذات المتلقي، استنفارا لحالة التعفن الفكري والجسدي، وصعودا به إلى أعلى مستويات البشاعة، حرصا من المتن الروائي على إيصال الرسالة التشخيصية الواضحة المتبناة، من أول مقطع إلى آخر مقطع، وهي نقد الصورة المهيمنة للقيم المزيفة المكرسة .
ويستند «تمْييع الصورة» في نص «عشيقات النذل» إلى التهويل في تصْوير مظاهر البشاعة في الشخصية، والعالم الذي يحفها من كل الجوانب من جهة، مثلما يرتكز على الاجتهاد في رفع حالة القبح في العوالم التي يصورها، ارتهانا إلى اللغة الواصفة، توقاً إلى إشراك المتلقي في الأحاسيس المتأججة في نفس باث الرسالة النصية.
الانتهاك: من الآليات التي اعتمدها النص في تشييد الدلالة المُفارقة، نلفي اللغة الانتهاكية التي تخترق الحدود، وتقتحم الخطابات، وتُسفر عما ينبغي استتاره من صور، بل وتكشف التابوهات التي اعتادت المنظومة القيمية المجتمعية اعتبارها في نطاق المحرم، خاصة على مستوى العلاقات الجسدية الملتبسة بين الرجل والمرأة، والحميميات التي تعود الناس إبقاءها في إطار ما هو شخصي.
لقد اجتهد السرد في إقحام المتلقي في صميم هذه العلاقات، وفي سياقها السري، وتفنن في تصوير المشاهد الخليعة، الفاحشة، حد التعريض. والواضح أن الغرض من هذا الأسلوب ليس هو عكس التابوه الجنسي على المرآة اللغوية من أجل توريط القارئ في جو الفاحشة السردية، لكونها أصلا تنزاح عن الخط التصويري المتوخي الإثارة، بل القصد منه فضح المسكوت عنه، ورفع الغطاء عن النذالة الإنسانية، بصورة بليغة، ورفع الحجب عما يجري تحت الأغطية من جرائر تحت ذريعة «العيب والحشمة»، وخلق نوع من القلق والتشويش في ذات القارئ، ومشاركة الكاتب جزءا من همه، ولو عبر رحلة القراءة.
الكاريكاتير اللغوي: يستلهم الروائي، من جملة ما يستند إليه، في تشييد الصورة العامة التي يريد إيصالها للقارئ حول العوالم والفضاءات والشخصيات، أسلوب التصوير الكاريكاتيري، خاصة على مستوى الرصد الساخر للدلالة، والأثر التعبيري المفارق. وهنا تبرز براعة الروائي كمال الرياحي، ومهارته في الرسم بالكلمات، وتخير المعجم الجدير بتحقيق هذا الغرض الصعب.
وقد برز هذا الأسلوب في عدد من المحطات السردية، خاصة لما يجنح السارد إلى رسم صورة بعض الشخصيات مثل بوخا، ستيلا، وإيفو… تقول الرواية واصفة شخصية بوخا: «كان هناك في مقهى تونس كما العادة. يحفر بين أسنانه بموسه الصغيرة متخلصا من بقايا الطعام. قميئا كما عرفته منذ سنوات. مواظبا على طاولته. عينه على مبنى وزارة الداخلية التي تنهض أمام المقهى كغول. يدفع بالموس الصغيرة أكثر بين ضرسيه ويبصق. كان دم الأسنان مقززا على البلاط بجانب كرسيه. يبدو أنه قضى ساعات هناك».
التهجم اللفظي: تتميز الكتابة السردية في «عشيقات النذل» باستثمارها مقولا لفظيا حادا يخرج عن المعجم اللغوي المقبول، كواجهة نقدية قلقة، تقابل القيم الأشد استبطانا في الثقافة المجتمعية. فالفرد، يفقد قدرته على تخير ألفاظ معجمه لما يصاب بالحنق أو الجنون، وبما أن بطل الرواية قد وصل إلى هذا الحد من النكوص، فانعكس ذلك على العالم الروائي كله، فإن الخطاب اللغوي المتخير بعناية ينسجم مع السياق العام النصي، الذي يحتفل بالقبح في أشد صوره بشاعة، دلالة على ما وصل إليه الواقع من هشاشة وتراجع للمعنويات والقيم الأصيلة في الاحتفاء بالإنسان. يقول السارد في «عشيقات النذل» متهجما على تقاليد اللياقة والحياء باعتبارهما من ثوابت المجموعة البشرية التي ينتمي إليها الكاتب، ومنظومتها الأخلاقية والقيمية: «هي عاهرة (يقصد بالكلام سارة ابنة كمال) مثل أمها وابنة نذل قواد رخيص، مهما علا شأنك، لا يخرج من ظهر الكلب إلا كلب مثله، ولن تغير لكماتك هذه الحقيقة».

ليس هناك موضوع محدد تعالجه الرواية، بل هناك موضوعات تتناسل وتتوالد، وفق إيقاع غير منتظم، حتى أن المتلقي يتصور، كما لو أن المتن ينسكب لحظيا، وفق اعتباطية مفكر فيها

ويتجاوز المتن الروائي ذلك إلى التهجم على الهيئات والمؤسسات بشراسة؛ يقول السارد: «السينما عاهرة، الصحافة أيضا، كذلك، مشكلة الصحافيين أنهم يفسقون ويفسدون، ويزنون ويكذبون ويرتشون، ويشربون المخدرات والكحول، وتجدهم يكتبون عن الفساق والزناة والمرتشين والمدمنين كما لو كانوا رهبانا».
الانشطار النصي: أقصد بالانشطار النصي هنا، تخلخل البنية السردية، وتزحزحها عن الخط الأفقي المعتاد. فقد قُدمت المادة الحكائية للنص الروائي مضطربة، لا تخضع لإيقاع معين، وإن جاءت موزعة في شكل فصول قصيرة مستقلة بعناوين فرعية، يمكن تناولها بوصفها قصصا قصيرة. وينسجم هذا التنظيم المعماري للسرد، مع أطروحة الرواية، التي تنصرف إلى تشخيص الصورة الانشطارية للشخصية الرئيسة، العامل- الذات في «عشيقات النذل» في تمزقها النفسي، وقلقها الفكري، وعنائها الاجتماعي في توافق مع التجلي الروائي للعالم المنخور بكثير من القبح والبشاعة والتخلف.
إرباك فعل التلقي: ليس هناك موضوع محدد تعالجه الرواية، بل هناك موضوعات تتناسل وتتوالد، وفق إيقاع غير منتظم، حتى أن المتلقي يتصور، كما لو أن المتن ينسكب لحظيا، وفق اعتباطية مفكر فيها، إذ أحيانا تظهر فجوة حكائية جديدة يولدها ظهور مكان أو شخصية أو وقوع حادثة تتزامن مع فعل الكتابة (حدث وفاة ماركيز مثلا) أو تذكر فكرة أوحى بها كتاب (الأدب في خطر مثلا)… والأكثر من ذلك؛ يصير كل من ماركيز وتودروف شخصيتين تتحركان في المحكي الروائي على سبيل التهكم والتعجيب والاستخفاف بخطية السرد.
يحتاج المتلقي إلى إعادة ترتيب فقرات المحكي، ومفاصله وفق نظام جديد، حتى يتفاعل مع النص، وهي حيلة لجأ اليها السارد لإشراك المتلقي في تشييد العوالم الحكائية للنص الروائي. وأصبح المحكي بناء على التفتت الذي يعتريها متاهة سردية تقتضي ذهنية ذكية لتقبل المتن الروائي، حيث يدخل المتلقي مجاري موسعة للحكي، يطبعها التوالد والتناسل والتناسخ والانمساخ، فتصير الشخصية الواحدة شخصيات متعددة بأقنعة مختلفة وأسماء متبدلة، دليلها في ذلك الالتباس والتقابل والتحول.
التداخل بين الترهينات السردية: تقترب الرواية من الكتابة الأوتوبيوغرافية، بقدر ما تبتعد عنها، حيث إن هناك مدا وجزرا في الاقتراب من الذات، والابتعاد عنها، وكأن الكاتب كلما أحس أن شخصية السارد أو الراوي تكاد تتداخل أو تتطابق مع شخصيته، وتتقاطع معها في عدد من العلامات والسمات، اجتهد ليخلق تمويها فنيا، يخلخل الصورة التي تركبت أو كادت، في ذهن متلقيه حول العلاقة الملتبسة بين الراوي والشخصية الرئيسة.
في سياق السرد الأوتوبيوغرافي الذي يسم جوانب متعددة من مناخ النص، تنسلخ من خيال الروائي الواعي بأدواته الفنية وحدودها، شخصيتان متشابهتان حد التطابق في الوعي، لكنهما غريمتان متنافستان، تنصب الواحدة منهما للأخرى فخاخا لا تكاد تنتهي: شخصيتان كلتاهما مرآة للأخرى، لا وجود للواحدة في غنى عن الأخرى. ويتعلق الأمر بالسارد الشخصية كمال اليحياوي الروائي والسينمائي والصحافي، وكمال الريحاني الناقد الحقود الذي نبت في مسار كمال اليحياوي مثل شوكة في الحلق، ليثبط كثيرا من أهدافه، ويلجم الكثير من أحلامه في الكتابة والحياة الاجتماعية؛ وقد ابتدأ هذا الصراع منذ فترات الجامعة الأولى، حين أجهز الناقد الطالب كمال صديقه في الصف الجامعي، على محاولته الروائية الأولى «الشلاط» التي تقترب في بنيتها اللفظية من مقولة «المشرط»، بمقالة نقدية ساخرة، جعلت الروائي الشاب كمال يسُوخ في الأرض من الذلة والندم، خاصة وأن الناقد الشاب طلى بالمقال كل جدران وسبورات الإعلان في الجامعة. وتتالت العداوات تكبر، رويدا رويدا، خاصة من جانب الناقد الذي راح ينافس الروائي كمال في كل خطواته، مستعينا بكل الأدوات الكيدية لانتزاع حبيبة أو شرب بيرة، أو اقتراف نزوة من النزوات، إلى درجة أنه سبقه إلى معشوقته نادية ليتزوجها قبله، مورطا غريمه الروائي في مسلسل من الإخفاقات النفسية والاجتماعية المريرة.

٭ ناقد وروائي مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية