المسلمون، والعرب بشكل أدق، بحسب برنار لويس من الصنف الذي لا يملك القابلية للتطور لانشداده التاريخي والمرضي أحيانا،للنظم التقليدية الهرمة كالأسرة والقبيلة والعشيرة، والطائفة والعرق واللون، التي يحميها وينضدها الدين، بل ويحركها في الاتجاهات التي يريدها.
هناك مكونات داخلية فيه تكاد تكون جينية، تاريخية، تمنع العربي من تحقيق أية نقلة نوعية. العرب يعيشون تحت ضغط نظام قبلي شديد التصلب والرجعية زكّاه دين جُفف منذ انهيار الإمبراطورية الإسلامية، وأصبح غير قابل لأي تطور على العكس من حضارات وديانات أخرى. قد يبدو الكلام في ظاهره صحيحا لأن الإسلام المخبري الذي يهيمن على الساحة اليوم والذي فُرضَ بواسطة الجهلة والإعلام المتحيز، هو إسلام بلا محتوى حضاري أو إنساني.
إسلام العصر الحجري، والقتلة، ومهربي المخدرات والأسلحة والأعضاء البشرية، ولا علاقة له مطلقا بالإسلام الذي غير وجه العالم، وقدم خيرا كبيرا للعالم وأمده بصورة حضارية أخرى للاستمرار. لكن، أليس للعرب الحق في الانتساب إلى الحداثة كما جرى ذلك في اليابان التي اخترقت كل تقاليدها البالية وأنشأت مجتمعا جديدا؟ والصين غيرت نظامها السّلالي الإقطاعي لتتحول إلى واحدة من أكبر القوى العالمية؟ وإندونيسيا، وغيرها من الدول والكيانات؟ هل قدر المجتمع العربي أن يوضع داخل نظام ولا حق له في الخروج منه؟ عندما نقرأ التاريخ، وبرنار لويس قرأه بعمق ولكن بنظارات المخابر التي تنتظر منه شيئا محددا بعينه، سنرى ببساطة أن هذا النظام الذي يسمه بالقداسة عند العرب، كسره الإسلام الحضاري، على الأقل وكوّن دولة بالمعنى المؤسساتي مستفيدا من المكاسب الإنسانية اليونانية والرومانية والهندية والفارسية والصينية، في التسيير والتبادل والقانون. وانصاعت القبيلة للنظام الجديد. تسيير الدولة ظل قائما على أساس الوسائط الحضارية المتوفرة الشبيهة بنظم اليوم إلى حد بعيد من حقوق وواجبات وبرلمان وقضاء ينطبق على الجميع.
حتى تشكلت إمبراطورية لها ما لها، وعليها ما عليها، ككل الإمبراطوريات في العالم. يحتاج المرء العادي، وليس الباحث، إلى كم من العمى لينفي كل ما قدمته هذه الحضارة التي قدمت في شخص ابن رشد جهدا إنسانيا أخرج البشرية من عمى الكنيسة ومحاكم التفتيش المقدس في تصوراته التي نتج عنها فصل الدين عن الدولة. الخروج من النظم القاهرة والتخلف هو جهد بشري وليس قدرا من الأقدار التي لا يمكن تغييرها، لأنها ملتصقة بالدين واللحم والعظم والدم. بحسب برنار لويس العرب لا يمكنهم أن يبنوا دولة، والمسألة ليست خيارية، لكنها تاريخية وبنيوية. مجبرون على العودة إلى الأصول الأولى. في الظاهر، وضعية العالم العربي الحالية تعطي لأطروحاته نوعا من المصداقية. نحن أمام عالم عربي يتفتت ويعود إلى لحظاته الأولى، ما قبل الدولة. قاطعا في الوقت نفسه علاقته بالتنمية والتطور وكل رصيده المالي يذهب هباء في الحروب الخاسرة وفي الممارسات التي لا قيمة إستراتيجية لها أبدا. لكن أليست العملية عكسية. أي أنها تنطلق من العالم العربي كما وصّفته الأبحاث المخبرية، وتنشيط كل تناقضاته الداخلية وإشعالها ليصبح العرب بالفعل في الصورة التي حللها برنار لويس؟ من كان يقول أن العراق ستشتعل بهذا الشكل وستتمزق على أساس طائفي وعرقي؟ لأجل هذا كان لابد من تفتيت الدولة الناظمة، بغض النظر عما كانت تمثله الدكتاتورية. وتم ذلك وفق مسبقات نظرية وأبحاث كانت تعرف ماذا تريد. من تصور أن مجتمعا سوريا متعددا ومتنوعا سيضيق به الأمر حتى يصبح اقتتالا بشراسة على أساس ديني أو طائفي أو عرقي؟ الأنظمة تزول اليوم أو بعد قرن، لكن عندما تنهار الدولة تنهار معها كل سبل التنظيم والتطور. أما المصالح الكبرى النفطية، وتوفير ضمانة لإسرائيل في وقت هي فيه الدولة النووية الوحيدة في المنطقة، فهذا يمر ويترسخ. القوى التي تمنح الغلبة لإسرائيل هي نفسها التي تغرق العرب في المزيد من التخلف الدائم والحروب البينية الخاسرة بما فيها الأنظمة القبلية والطائفية التي تلوح في الأفق. وبحسب برنار لويس، المشكل بين الإسلام والغرب ليس شيئا آخر إلا الديمقراطية. العالم العربي الإسلامي تحالف مع الشيوعية لخوض حرب مقدسة من أجل الديمقراطية. الإسلام الضعيف والمفكك منذ قرنين، أصبح يبحث باستماتة عن حلفاء لمقاومة الديمقراطية. الديمقراطية هنا ليست كممارسة ولكن كإيديولوجية. وكأن المسألة ليست مسألة إذلال واستعمار شعوب بكاملها، وأنه منذ سقوط الباب العالي عوض الغرب الحامي والاستعماري القوة العثمانية بقوة أكثر إذلالا هي القوة الاستعمارية الناهبة والمدمرة. والذين يسميهم برنار لويس بالمضادين للديمقراطية، هذا الغرب نفسه هو من وضعهم لحماية مصالحه. العالم لا تحكمه المصالح المادية فقط ولكنه يحتاج إلى قوة فكرية مبررة في شكل مظلة. هناك تيار فكري أو لنقل جيش مجند لأداء وظائف فكرية، متخصص في الشرق تاريخيا، يرتكز على أنثروبولوجية استعمارية لا تختلف مطلقا عن تلك التي سادت في القرن التاسع عشر، ومهدت للإستعمار، بعد أن قرأت بدقة عقلية الشعوب وأنماط تفكيرها. الأمر إذا لا يأتي هكذا، أو بمجرد ردة فعل آنية، ولكن بعد قراءة نقاط الارتكاز القوية والضعيفة في منطقة من المناطق، مثلما هو موجود في الجسور. إذا أردتَ أن تحطم جسرا، لست مضطرا لتدميرالبنية بكاملها، قد يكون ذلك تضييعا للوقت. يكفي التركيز على نقاط الارتكاز الضعيفة، ليسقط كل شيء. طبعا، منحت الأنظمة العربية الفاسدة كل مبررات هذه الأطروحات لكي تبدو كحقائق. وهذا لتبرير ما يحدث اليوم من تمزقات تستهدف الكسر الكلي لنواة الدول العربية التي تكونت في المئة سنة الأخيرة، وإرجاعها إلى تخلفها بإغراقها في حروب داخلية تبدو طبيعية ولكنها مدمرة لأنها طويلة وبلا جدوى. ما يعيشه العالم العربي ليس بعيدا عن هذه الدراسات المخبرية التي أنفق عليها المال الكثير، ما هو المال الذي يخسره العرب في مراكز أبحاثهم، إذا وُجدت، للرد فقط على عمليات التهديم المنظم؟
واسيني الأعرج