هوية المكان في اللوحة: إسماعيل شموط.. بائع الحلوى الذي اصبح رسام فلسطين

حجم الخط
0

نضال القاسمعن ‘ منشورات أمانة عمان الكبرى’ للعام 2010 صدر حديثاًً عن ‘ دار البيروني للنشر والتوزيع’ في عمان كتاب بعنوان ‘ إسماعيل شموط: سيرة الحياة واللوحة’ لمؤلفه الشاعر والإعلامي والفنان التشكيلي حسين نشوان. واحتوى الكتاب، الذي يقع في 116 صفحة من القطع المتوسط على عدد من الموضوعات المهمة في حياة شموط. ويشكل الكتاب إضافة نوعية للمكتبة العربية. وفي هذا الكتاب ينبري الشاعر والفنان حسين نشوان ليلقي الضوء على مسيرة الفنان الراحل إسماعيل شموط الفنية والذي يعتبر أحد أبرز رواد الفن التشكيلي الفلسطيني، وأحد شخصياته الهامة، ويراه البعض مؤسس حركة الفن التشكيلي الفلسطيني بل إن بعض النقاد كانوا يذهبون الى أنه إذا ذكرت فلسطين فلا بد ان يذكر معها شموط ومحمود درويش وغسان كنفاني ( ثلاثي التشكيل والشعر والرواية). وجديرٌ بالذكر أن الفنان حسين نشوان، مؤلف الكتاب، هو مدير تحرير الدائرة الثقافية في صحيفة ‘ الرأي’ ومدير تحرير ‘ ملحق الرأي الثقافي’ الأسبوعي، وهو شاعر وفنان تشكيلي بارز، وعضو في رابطة الكتاب الأردنيين، ونقابة الصحافيين الأردنيين، ورابطة التشكيليين الأردنيين، وقد صدرت له عدة أبحاث ودراسات إبداعية ونقدية، وأقام تسعة معارض شخصية، وشارك في عدد من المعارض الجماعية.

وقد قسم المؤلف الكتاب إلى أقسام وذلك على النحو التالي: إسماعيل شموط.. رائد التصوير الفلسطيني، تحديد المصطلحات والمفاهيم، مقدمة تاريخية، التشكيل الفلسطيني المعاصر، الجمال المسلوب، اللوحة.. تسطير العلاقة بين المكان والإنسان، موثقات الفلسطيني المعاصر، مراحل تطور الحركة التشكيلية الفلسطينية، سيرة الحياة.. سيرة اللوحة، تحولات تجربة الفنان، ريادة زمنية وإبداعية، خلاصة. وقد اشتمل الكتاب على مقدمة حول الفنون في فلسطين تاريخياًً، وتجلياتها في الحياة اليومية منذ الكنعانيين، وحتى الفتح العربي الإسلامي. ثم ألقى المؤلف الضوء على دخول الفن الحديث إلى فلسطين، مستعرضاًً الدراسات التي تناولت تطور التشكيل الفلسطيني وبعد ذلك التمييز بين المصطلحات، ثم ريادات الفنان إسماعيل شموط في اللوحة ( الرسم والتصوير)، ملقياًً الضوء على نشاطه الثقافي والتربوي لخدمة التجربة.

ويرى حسين نشوان أن تجربة الفنان الفلسطيني إسماعيل شموط قد اكتسبت خلال العقود الخمسة الأخيرة من القرن العشرين حضوراًً لافتاًً منقطع النظير وتميزاًًً ملحوظاًً سواء على المستوى العربي أو الدولي لأسباب عديدة ربما من أهمها ارتباط الفنان الوثيق والمتواصل مع إرثه الحضاري وقضيته الوطنية.

وفي الفصل الذي يحمل عنوان ( سيرة الحياة.. سيرة اللوحة) استعرض نشوان سيرة الفنان إسماعيل شموط المولود في مدينة ‘ اللد’ الفلسطينية في عام 1930م لعائلة متوسطة الحال مكونة من عشرة أنفار يعمل والدهم ببيع الخضار، شـــــردتهم النكبة عام 1948 من مسقط رأسهم إلى مخيم للاجئين في ‘ خان يونس’ في قطاع غزة، وأثناء رحيل العائلة من اللد إلى غزة توفي توفيق، الشقيق الأصغر لإسماعيل عطشاًً أثناء الهجرة مما جعل إسماعيل يرسم لوحة ( العطش) في الخمسينيات ليعبر من خلالها عن حادثة موت شقيقه الأصغر توفيق، وليستعيد من خلال ذلك صورة واقعية لأخيه الصغير الذي توفي أثناء الهجرة عطشاًً، في لوحةٍ غلبت عليها الألوان الصفراء، فيما تحمل من دلالات وتأويلات للجفاف والموت الذي ينتشر في كل مساحة من العمل. وقد قال إسماعيل شموط في إحدى المقابلات أنه كان للنكبة التأثير الأكبر على مجرى حياته وعلى توجهه الفني.

وأما عن نشأته فيرى نشوان أن إسماعيل شموط المولود في مدينة اللد الساحلية قد تلقى تعليمه الابتدائي في مسقط رأسه، وهو لم يرث الفن عن أحد من والديه، فقد كان والده بائعاًً للخضار، وكان قبل أن يدخل إلى المدرسة يرافق والده إلى السوق، الذي أحب فيه ألوانه وتشكيلاته العفوية، وأصوات الباعة التي كان يطرب لها، وقد أشبعت الأصوات والألوان والطقوس الغامضة بالنسبة للفتى ذاكرته وزادت دائرة الخيال لديه وأغنته بالمفردات البصرية التي تشتمل عليها الطبيعة الخضراء لبساتين البرتقال والحمضيات والزيتون واللوز، ولم يكن البحر الذي يمتد بزرقته العميقة بعيداًً عن ناظري الفتى الذي كان يرى الأمواج وهي تتكسر على شواطئ مدينته وصخورها، وكان الفتى ـ كما يرى حسين نشوان ـ يحول الأصوات والمرئيات إلى مدونات في الذاكرة، وينتظر من يستطيع أن يعلمه كيفية تظهير الخيالات إلى صور وألوان وخطوط.. وفي الرابع الابتدائي تحقق له ذلك الحلم على يد أستاذه داوود زلاطيمو الذي كان يعلم الفن والأشغال اليدوية. وأما عن علاقة إسماعيل شموط بأستاذه داوود زلاطيمو وعن ظروف نشأته الفنية، فيقول شموط عن هذه العلاقة: ( أحببت الرسم منذ نشأتي وطفولتي أواسط الثلاثينيات، تعلمت الرسم والأشغال اليدوية… وكنت أنتظر هذا الدرس بفارغ الصبر وكان أستاذي داوود زلاطيمو عاشقاًً للفن، وكانت موهبتي في الصغر بارزة بحيث جعلته يخصني برعاية، وراح يشجعني ويمدني بالمواد الفنية المتيسرة في ذلك الحين)… وأما حول تأثير الطبيعة على أعماله فيقول ( مدينة اللد، محاطة بالبساتين والحقول والسهول الزاخرة بالأزهار الجميلة متعددة الألوان والأشكال. وكان لها أكبر الأثر عليَّ، وعلى إنتاجي الفني، فقد حملت لوحاتي مواضيع الجمال والطبيعة قبيل 1948). وبكل تأكيد فإنه اليوم يمكننا القول أن ( داوود زلاطيمو) كان له الفضل الكبير على تجربة إسماعيل شموط الفنية، فقد لاقى إسماعيل منه التشجيع والتوجيه وتعلّم منه أصول الرسم بأقلام الرصاص والأحبار الصينية والألوان المائية والطباشير ومزاولة هواية النحت على أحجار الحوّار الكلسي وهو ما يزال طفلاًً صغيراًً في الصف الرابع الابتدائي.

وأما بخصوص أول مشاركة فنية له فقد كانت من خلال المعرض المدرسي السنوي وهو في سن الرابعة عشرة من عمره في لوحات فنية مثيرة للجدل والإعجاب والحيرة، والتي لاقت اهتماماًً لافتاًً من مفتش الفنون الإنكليزي ‘ ستيوارت’ ومدير دائرة المعارف الإنكليزي في سلطة الانتداب البريطاني ‘ بومان’ والذي أوصى حينذاك بإيفاده للدراسة في مدرسة الصناعة المتخصصة بميادين الرسم الصناعي والأشغال الفنية بمدينة حيفا.

وبالنظر إلى صعوبة الحياة في ‘ خان يونس’ في تلك الفترة فقد كان على الفتى أن يحمل عبء الحياة مبكراًً، فلجأ إلى بيع الحلوى ليتمكن من شراء الألوان وأدوات الرسم، وساعده حسّه الفني على تزيين البضاعة التي كان يبيعها.. ثم عمل مدرّسا متطوعاًً للاجئين في مخيم خان يونس، وخلال ذلك كان يوفر ما يمكنه من شراء الألوان وأدوات الرسم… ويقول شموط عن هذه الفترة من عمره: ‘ كنتُ في الصباح معلماًً وفي المساء بائع حلاوة، ثم نظمت في العام 1950، معرضاًً على ( طاولة تنس)، رعاه مسؤول التعليم المصري في غزة أحمد إسماعيل وكان عسكرياًً والمفتش الفلسطيني بشير الريس، وبعت لوحة بعشرة جنيهات كانت عدتي للسفر إلى القاهرة، التحقت في القسم الحر بعد اختبار جدارة لأكون أول طالب فلسطيني يدرس الفن.. هنا قررت مصير حياتي، الفن هو وسيلتي في الحياة.. وقضيتي هي الموضوع’. وأثناء تعليمه في كلية الفنون الجميلة في القاهرة عمل إسماعيل في رسم الإعلانات السينمائية.

وفي عام 1953 أقام أول معارضه الفنية في غزة بمشاركة أخيه جميل، وكان ذلك أول معرض لفنان فلسطيني على أرض فلسطين. وأما عام 1954 فقد أقام إسماعيل معرضاًً في القاهرة بمشاركة زميلته تمام الأكحل والفنان الفلسطيني ‘ نهاد سباسي’ وكان ذلك المعرض بعنوان: ‘ اللاجئ الفلسطيني’ وكان تحت رعاية الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر وبحضور القيادة الفلسطينية. وبعد المعرض حصل شموط على منحة دراسية مقدمة من الحكومة الايطالية فانتقل في تلك السنة إلى إيطاليا ليدرس في أكاديمية الفنون الجميلة في روما حيث قضى فيها عامين انتقل بعدهما إلى العيش في بيروت حيث أقام مع شقيقه مرسماًًً للرسم والإعلان التجاري وتصميم أغلفة الكتب والرسوم الداخلية التوضيحية فاعتاش من رسم أغلفة الكتب، والصحف والمجلات وذلك بين الأعوام 1957- 1964. وفي بيروت، قضى شمّوط سنوات إنتاجه الأساسية، فكان في قلب الحدث الفلسطيني والعربي، وفي قلب الحركة الثقافية العربية الحديثة، وقد أنتج في هذه المرحلة مئات اللوحات الغرافيكية باستخدام الكمبيوتر وعرض بعضها في بيروت.

وأما في عام 1957 فقد أقام إسماعيل معرضاًً مُشتركاً مع الفنان توفيق عبد العال وزميلته الفنانة تمام الأكحل والتي تزوجها في عام 1959، لتصبح شريكة حياته وشريكة حلمه ومشروعه الفني الكبير والشاهدة الأمينة على تجربته. وفي أواسط الستينيات، وهي مرحلة المقاومة الفلسطينية المسلحة، المرحلة المليئة بالأمل والفرح والحركة، على حد تعبير نشوان، رسم إسماعيل شموط لوحات تجلت فيها الحركة والتناغم اللوني والخطي، ومن لوحات هذه المرحلة: ‘ مغناة فلسطين’ و ‘ اليد الخضراء’ و ‘ الحياة المستمرة’ و ‘ الربيع’. وفي هذه المرحلة أيضاًً أسس إسماعيل شموط مع بعض الفنانين الفلسطينيين من رفاق دربه قسم الفنون في منظمة التحرير الفلسطينية، وقد انتخب في عام 1969 كأول أمين عام لاتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين، وشغل لسنوات طويلة موقع الأمين العام لاتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين، وترأس أول اتحاد للفنانين التشكيليين العرب في عام 1971. ولإسماعيل شموط العديد من المؤلفات والكتابات الفنية والثقافية والتراثية كما وأنه أقام بمشاركة زوجته تمام الأكحل في العديد من المعارض الشخصية في معظم البلاد العربية وفي عدد كبير من بلاد العالم. وهو حاصل على: درع الثورة للفنون والآداب / وعلى وسام القدس/ وعلى جائزة فلسطين للفنون / وجوائز عربية ودولية عديدة، ومن أشهر عباراته:.. نحن الفلسطينيين الجدار الأبقى. وقد أرّخ إسماعيل للفن التشكيلي الفلسطيني ونشر عدة كتب في هذا المجال منها:

ـ الفنان الشاب، بيروت 1957 ـ فلسطين صور تأريخ وسياسة، بيروت 1972 ـ فن وطني فلسطيني، بيروت 1978 ـ فلسطين في المنظور، بيروت 1978 ـ الفن التشكيلي في فلسطين، الكويت 1989 / ويعتبر أهم كتبه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية