الاتجاهات الطائفية تغذي الإرهاب وتشجع إسرائيل

حجم الخط
0

صدرت مؤخرا عن دار الفارابي النسخة العربية لأحدث كتب الدكتور جورج قرم، الأكاديمي البارز ووزير المال اللبناني السابق الذي تناول فيه النزاعات الطائفية الدموية في الشرق الأوسط والإرهاب. عنوان الكتاب بالعربية: «نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشرق الأوسط: تحليل ظاهرة توظيف الدين في السياسة الدولية».
تعود أهمية هذا الكتاب لكون ما ورد فيه من تحليلات ينطبق على ما يجري حاليا في العالم العربي وخصوصا هيمنة الممارسات والمقاربات التي تعتبر ان الأديان والطوائف وتصرفات المنتمين اليها هي العوامل الرئيسية في الصراعات الدائرة حاليا، وتغض الطرف (عن قصد أو غير قصد) عن دور العوامل السياسية والاقتصادية التي تكمن وراء النزاعات الطائفية الدموية في المنطقة، وبالتالي تشجع إستمرار الإرهاب الطائفي.
ويقول قرم في مقدمة الطبعة العربية لكتابه ان «هذا المؤلَّف الأخير يهدف الى قراءة جديدة لنزاعات الشرق الأوسط خارج إطار التحاليل المبنية على الظواهر الدينية والمذهبية التي تقف حاجزا أمام الفهم السليم لما يجري في منطقتنا العربية. فالصراعات هي صراعات مصالح وهيمنة وتناقضات في الرؤى الدنيوية وليست صراعات دينية ومذهبية أو بين أغلبية وأقليات». ويدعو الكاتب في هذه المقدمة الى «الخروج من القوقعة النفسية المبنية على العصبيات الدينية والمذهبية والمناطقية والعشائرية التي تشجعها القوى الدولية وبعض القوى الإقليمية في صراعها للهيمنة على المنطقة».
ويوضح ان أمله هو ان يساهم ولو بشكل متواضع في البدء في إعادة السلام الى ربوعنا العربية بفك سطوة تلك القوى على مصير مجتمعاتنا.
ويعتبر ان إستمرار اسرائيل حتى اليوم في محاولة استعباد الشعب الفلسطيني، صاحب الأرض، دون ان تكون موضع عقوبات على شاكلة ما خضعت له في الماضي جنوب أفريقيا في زمن العنصرية، مرتبط ببيئة إعلامية وأكاديمية واقعة تحت تأثير الايديولوجيات الطائفية والأثنية في المنطقة والعالم الى درجة ان الضمير الجمعي العالمي قد تخدَّر بالاجمال وانطلق غطاء ايديولوجي يضع الحكومات المسؤولة عن تأجيج العنف أو خلقه في مأمن من الانتقادات والجدالات، ففي كل صراع إقليمي أو دولي يتم اختيار ضحية تكفيرية لمعاقبتها باسم «المجتمع الدولي» وفق المصالح الجيوسياسية فيما يجري تطبيق انتقائي للقانون الدولي وتنفذ سياسات الكيل بمكيالين وتنتشر التحليلات الايديولوجية التافهة التي تعتمد أحادية أسباب النزاعات وتقسيم أطراف النزاع ما بين «أحرار» و»أشرار» ويتزايد معها ما يسميه «التعصب الحضاري».
ويشير قرم الى ان هذه الفوضى وهذا التشوش المنتشران في عقول السياسيين والمحلّلين أديا الى التحدث عن حرب «باردةً» وحرب «ساخنة» وعن صراع «وقائي» وصراع «هجومي» ولم نعد نتحدث عن أعمال مقاومة مشروعة للاحتلال، بل عن «إرهاب» يمارسه الخصوم. وهكذا وصفت أعمال حركتي المقاومة للاحتلال الاسرائيلي وهما حركة حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني بالمنظمات التي تمارس الأعمال «الإرهابية». كما ان المصطلحات الواضحة والدقيقة لتعابير مثل «الامبريالية» أو «الإستعمار» لوصف السبب المادي لبعض الصراعات قد اختفت تماما من الخطابات والتحليلات الخاصة بنشأة هذه الصراعات.
ويعتبر ان هذه «الثنائية» باختيار مذنب واحد مسؤول حصري عن النزاع تستبعد كل تحليل متعدد العوامل كما حدث لسلوبودان ميلوسيفيتش في يوغوسلافيا وصدام حسين في العراق وحزب الله في لبنان وحماس وياسر عرفات في فلسطين وغيرهم.
ويدعو الى تجدد شعلة الديمقراطية في الأنظمة الديمقراطية العالمية الكبرى لوضع حد للمغامرات العسكرية الخارجية التي تقوم بها حكوماتها باسم الديمقراطية وقيمها. كما يُندّد بتجنب بعض حكام بلدان الشرق الأوسط معالجة مشاكل بلدانهم السياسية والاقتصادية عبر إرسال محاربين من هذه البلدان سمّتهم «جهاديين» ليقاتلوا في بلدان أخرى كافغانستان والبوسنة وكوسوفو والصومال وحاليا في العراق وسوريا ولبنان وليبيا.
ويفسر قرم الأسباب الاقتصادية وراء صراعات الشرق الأوسط بارتباطها بوجود النفط والغاز في هذه المنطقة. كما يقول ان تزايد العداء الدولي تجاه الصين يعود الى الخوف من استيلاء هذا العملاق الديمغرافي والاقتصادي وحلفائه على الموارد الطبيعية المتوافرة في دول الشرق الأوسط.
ويشير الى ان سيطرة بريطانيا على البحر المتوسط والمحيط الهندي في العقود الماضية سكتت عنها كتب التاريخ برغم ارتباطها بمحاولة الهيمنة على الخيرات الطبيعية للمنطقة والأمر كذلك عندما تحاول روسيا حاليا، وفي الماضي، اقتطاع حصة من هذه الخيرات، والأمر عينه اليوم حيث تتصرف الولايات المتحدة الواقعة على بعد 15 ألف كيلومتر من الشرق الأوسط وكأنها صاحبة الأمر والنهي فتغزو العراق وتحتله لمدة ثماني سنوات من دون ان يثير ذلك السخط والإستنكار فيما تُعتبر محاولة دول إقليمية ان يكون لها دور وتأثير في اقتصاد وسياسة المنطقة مواقف عدائية للنظام العالمي وتتهم بكونها تضع المنطقة على حافة الحرب.
ويهاجم قرم خريطة المستوطنات الاسرائيلية المتزايدة في الأراضي الفلسطينية قائلا ان هذا التزايد يجري أمام عيون العالم مما يجعل ولادة الدولة الفلسطينية شبه مستحيلة جغرافيا. وبرغم ذلك، يرى الكاتب ان الدول الكبرى تتجاهل ادراك خطورة الموضوع وتعالجه بتلكؤ. ويعتبر ان تفتيت المجتمعات والأنظمة العربية الى عدد من الدول المعادية عموما بعضها لبعض، ساهم في الإنتشار الامبريالي والعسكري الامريكي في المنطقة وخصوصا بعد تقلص مبدأ القومية العربية الذي كان حيا ويجسده الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وكل ذلك سمح لدولة اسرائيل بالحفاظ على مكاسبها من حرب 1967 والاستمرار في مضاعفة مستوطناتها وتوسيعها على الأراضي الفلسطينية المحتلّة.
ويصف قرم اسرائيل بدولة نشأت في ظروف نزاع ورفضت القبول بالتعايش الديني التعددي، وبالتالي هي غير قادرة على البقاء إلاّ في ظل استمرار النزاعات وآلياتها في المنطقة.
ويتحدث عن عودة الى المواقف المتشددة في الأديان عمومًا والى مواقف لا تقبل التفكير النقدي، ويتم استثمار هذه المواقف من قبل السياسيين. وهذه الأزمة (كما يسميها) هي أزمة سياسية بامتياز إذ أنها ليست بالفعل عودة الى الدين والتديّن بل الى «اللجوء الى الدين» لاهداف سياسية.
وهذا أمر منتشر، حسب قوله في العالم وليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، وهو يشكل خطورة على الأديان نفسها وعلى التقدم والنمو والسلام في دول العالم. وينتقد الكاتب عدم تردّد الولايات المتحدة في عمليات تدريب الحركات الأصولية الإسلامية التابعة لمشاريع دول في المنطقة على القتال وتزويدها بالسلاح والتمويل لممارسة «الجهاد ضد الكفار» في وقت يتم احياء المسيحية بشكلها المبسّط والمتشدّد المتعصب في أمريكا (المسيحيون المولودون مجددًا) لمناهضة ما سُمّي «محور الشر» الذي يتشكل بمجمله من دول وشعوب إسلامية. وادّى هذا التوجه في رأيه الى تشكيك المجتمعات الغربية في إرث فلسفة الأنوار ومبادىء الثورة الفرنسية والديمقراطية الغربية وبروز ثورة ايديولوجية متخلّفة ومضادة، فاختفت عبارة «الجذور الفكرية اليونانية -الرومانية» لقيم الغرب وحلت مكانها عبارة «الجذور اليهودية – المسيحية».
وهذه الحضارة «اليهودية -المسيحية» حسب الكاتب، خلقت هوية غربية جديدة تحمي وتدافع عن غزوات دولة اسرائيل للأراضي الفلسطينية ضد قرارات الأمم المتحدة، وتصور «اعدائها» على إنهم يشكلون كتلة «عربية -إسلامية» تتمسك بحقوق الفلسطينيين عامة وحقهّم في المقاومة، فيما تُشَّن حملات صليبية جديدة تحت ستار الدفاع عن هذه الهوية «اليهودية -المسيحية».
وهكذا يتم تقسيم العالم أيديولوجيًا عبر استخدام العنصر الديني كأداة لكلّ أشكال الإستبداد الحديث، حسب قرم. وفي بعض الأحيان تستخدم هذه الجهات «الأمم المتحدة» أو «حلف الناتو» أو المحاكم الدولية للدفاع عن تلك الحضارة أو تخلق تحالفات بين حكومات في العالم نصيرة لسياسة الولايات المتحدة لشن حروب جديدة في المنطقة والعالم تدعي الأخلاقية بينما هدفها هو عكس ذلك، في كثير من الأحيان.
ويأسف قرم على ما جرى من استبدال القومية العربية بسهولة كبيرة بايديولوجيات اصولية ذات صبغة راديكالية تحت اشراف بعض الدول العربية المرتبطة بالأنظمة الغربية حوّلت الصراع مع اسرائيل الى صراعات إسلامية -إسلامية.
وينبّه في خاتمة كتابه الى ان هذه السياسات المنتشرة حاليا في العالم قد تؤذن بنشوب حرب عالمية ثالثة.
ويتساءل في المقاطع الأخيرة من الكتاب قائلاً: «هل من المعقول ان تستطيع الجماعات الارهابية في العالم، على تنوع طبيعتها وسياقاتها، ان تجنّد قوى عسكرية قادرة على احتلال اوروبا أو الولايات المتحدة؟… ان المحافظة على البنى العسكرية القائمة ابان الحرب الباردة (كحلف شمال الاطلسي «الناتو») وتعزيز دوره وتطوير تسليحه لا يمكن تفسيرهما إلا بإرادة واشنطن الحفاظ على أداة أسياسية للهيمنة الأمريكية على العالم. أليست اوروبا قادرة حقًا على الدفاع عن نفسها ضد غزو «إسلامي»؟ اليست الجيوش الاوروبية منتشرة في افريقيا والبلقان والشرق الأوسط، تحت ستار مكافحة الارهاب؟ اليس من الأفضل لاوروبا ان تركز وسائلها العسكرية في القارة الاوروبية بدلاً من ان تبعثرها في أعقاب السياسة الأمريكية في جميع أنحاء العالم؟
ويعتقد قرم انه يبدو أن العالم الغربي يرحب بالجهات الدينية التي اختطفت الثورات العربية المندلعة منذ عام 2011، وأن الولايات المتحدة وبعض حلفائها في المنطقة يدعمون إخفاق هذه الثورات، كما نجحوا سابقا في دحر موجة القومية العربية المعادية للامبريالية ولاسرائيل من الستينيات الى الثمانينيات..
جورج قرم: «نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشرق الأوسط». دار الفارابي، بيروت 2014. 384 ص.

سمير ناصيف

اشترك في قائمتنا البريدية