خوان ميرو في «صابنجي – اسطنبول»: اللوحة المسطحة جميلة أيضاً

حجم الخط
1

لم ندخل إلى مرسمه!
فقط، شاهدنا فيلماً عن الكيفية التي ينفذ بها مساعدوه الأشكال المصنعة غريبة الشكل والفكرة.
كان خوان ميرو يشرف على تنفيذ تعليماته، ويوجه مساعديه، وهو يلبس صدرية بيضاء كالأطباء، لكن الأدوات المحيطة به على الجدران توحي أننا في دكان حداد، أو في منجرة، وأيدي مساعديه الملوثة بالجبصين والأصباغ لا تدل على أن الجماعة في غرفة عمليات. يشير بيديه إلى مساعديه: إرفعوا قالب الحذاء قليلاً على غصن الشجرة.. إلى اليمين قليلاً.. إخفض يدك أنت، وأنت ثبت جذع الشجرة، وهو يتقي النور ليرى الزاوية بشكل مريح.
في زاوية أخرى من المشغل – المرسم يستخدم أحدهم ثمرة ملفوف يلفها بورق جرائد، ثم برقائق من الطين؛ يدهن الطين بمادة زيتية، ويصب عليها الجبصين لصنع قالب لأحد أشكاله التي لا يعرف مساعدوه، ربما، ما سيؤول إليه عملهم.
هو نفسه قال عن مراحل تنفيذ لوحته: «تُصور بنار في النفس، وتنفذ ببرودة سريرية».
هذا بعض ما شاهدناه من معرض الإسباني خوان ميرو، الاستعادي الجوال، في متحف صابنجي في اسطنبول. افتتح المعرض في 22 أيلول/ سبتمبر 2014، ويستمر حتى الأول من شباط/ فبراير 2015.

لا مركزية اللوحة

لا تدري كمشاهد للوحة ميرو من أين تبدأ، وأي نقطة مركزية في اللوحة ستقودك إلى تفسير المعنى الذي تخفيه. والنتيجة أن لا مركز للوحة. هو نفسه ربما لا يدرك ذلك، فالأشكال تتجاور، والخطوط تتقاطع، أو لا تتقاطع، لكن طيف عين هنا تقول إن هذا وجه إنسان، والأنف لحيوان تحاول كناظر أن تخمن ماهيته، وذلك الأزرق شاطئ بحر فوقه هلال أسود، لكن أين الليل! إرباك حلم، ولا منطق في حدث تتميز به الحكايات الخرافية، بوحوشها، وخيالاتها الطفلة. الزهرة سوداء، والشمس برتقالية، ورأس المرأة مدبب وعيناها مضيئتان في الظلام.
نساء، طيور، نجوم، هي معظم ما صورته لوحات المعرض، وهو العنوان الفرعي للتظاهرة الفريدة في متحف صابنجي الذي أنشئ ليضم كنوز مقتنيات رجل الأعمال التركي شكيب صابنجي. لكن ميرو كسر، بلوحاته ومنحوتاته وأشكاله المصنَّعة، الإيقاع الرصين لمخطوطات المتحف في القاعة المجاورة.

السيريالي المرتد

عندما سافر خوان ميرو عام 1934 إلى باريس، ووقع على البيان الأول للسيريالية في العام نفسه، كانت برشلونة، عاصمة مقاطعة كتالونيا الإسبانية، واحدة من بؤر الفوضوية في العالم التي نادت بنبذ الواقع من الفن، والجنوح نحو الحلم والخيال والتحليق في عالم اللاشعور.
هذا أحد مصادر جنون ميرو الفني، تضاف إليه زياراته لعدد من دول أمريكا الوسطى، التي أخذ منها الألوان الزاهية المشرقة في لوحاته الفنية، مازجاً إياها بأفكار كتالونيا الطليعية والفوضوية. كما أحب ميرو الفن الشعبي الإسباني، حتى قال عنه: «كان على الدوام يسحرني، إذ لا توجد فيه المساحيق التجميلية، ولا الخداع، والرياء، والانفعال المزيف. إنه يتجه مباشرة نحو القلب، وبمحبة كبيرة».
وفي عشرينيات وأوائل ثلاثينيات القرن الماضي، طور ميرو أسلوبه الخاص، لتصور أعماله الناضجة عالماً من الخيال المتميز بأشكال غريبة، وألوان زاهية، وخطوط طاغية التعبير ومفعمة بالحياة. كما أبدع في أشكال فنية أخرى تشمل الخزف، والنحت، والطباعة الحجرية. اكتسب شهرة عالمية، وفـُسرت أعماله على أنها سيريالية، وأنها عمل حثيث على تجارب العقل الباطن، ومحاولة لاستعادة الطفولة، وتظاهرة فخر مستمر بكتالونيا.

برجوازية التصوير

مبكراً، ومنذ ثلاثينيات القرن الماضي، نظر ميرو إلى طرق التصوير المتعارف عليها بازدراء، متهماً المشتغلين عليه بدعم المجتمع البورجوازي، وأطلق نداءه الشهير «اغتيال التصوير»، لتغيير العناصر المرئية في فن التصوير المعتاد.
يقول النقاد إن ميرو «تفرد عن غيره من فناني السيريالية بنزوعه نحو التبسيط والاختزال، ولذلك رسم لوحته وفق رؤية خاصة، فتخلى عن خط الأفق الذي اعتاد الكلاسيكيون استخدامه لتقسيم اللوحة إلى مستويين بصريين، كما تخلى عن الفراغ المحيط باللوحة، وتحولت عنده إلى فضاء مسطح، مما جعل عين الناظر إلى عمله تنحرف عن النقطة المركزية لتصبح مشدودة إلى الفضاء الكلي الذي ترتسم عليه التشكيلات الخيالية المبتعدة عن المناخات الواقعية.
وصولاً إلى ذلك، اتخذ ميرو من أحلام الطفولة وخيالاتها منابع واستلهامات لأشكاله البسيطة التي تهوم وتنطلق في ألعاب الفرح الإنساني، وتنفصل عن كل قوانين الاتصال بالواقع.

كاتب وصحافي سوري

ميرو

• خوان ميرو إي فـِرّا: مصور ونحات وخزاف كتالوني إسباني، وُلد في برشلونة في 20 أبريل/ نيسان 1893، وتوفي في بالما دي مايوركا في 25 كانون الأول/ ديسمبر 1983.
• اعتمد المدرسة التجريدية، لكنه طور أسلوبه الخاص منها، ملامساً من بعيد فن التصوير الذي انتقده بشدة، فأشكاله بالغة التجريد، لكنها تخفي أناساً، وحيوانات، ومخلوقات خيالية.
• وقف مع نظام فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية، ورسم جداريات تؤيد فرانكو، خلافاً لما فعله بابلو بيكاسو الذي ساند الشيوعيين في ثورتهم على الجنرال. وبذلك، كان ميرو بعيداً عن هم الشعب الإسباني وقضاياه المصيرية. وهذا ما عرضه لانتقادات الشيوعيين والمتعاطفين معهم من النقاد الفنيين الذين قالوا إن الرجعية سخرته ليكون في خدمتها.

متحف صابنجي

• في عام 2002 تبرع رجل الأعمال التركي شكيب صابنجي بمنزل العائلة، الواقع في حي أميرغان القديم المطل على مضيق البوسفور، لجامعة صابنجي لاستخدامه كمتحف يعرض مجموعة مقتنياته من فن الخط العربي الذي برع فيه الفنانون الأتراك، والتي جالت على كبرى المتاحف والمعارض الأوروبية والأمريكية منذ عام 1989.
• أُلحق المتحف بالجامعة، ليضم مجموعة مقتنيات شكيب صابنجي التي بدأ بجمعها في سبعينيات القرن العشرين، لتتسنى للجمهور فرصة رؤية مجموعته والاستمتاع بها.
• إضافة إلى نفائس فن الخط، يضم المتحف مصاحف مذهبة، ونماذج من فنون التجليد، ورسومات وزخارف إسلامية. كما يمتلك مجموعة نفيسة من المصاحف وكتب الأدعية التي يغطي تاريخها الفترة من بدايات القرن السادس عشر، وحتى نهايات القرن العشرين، والتي لا تضاهيها كقيمة تاريخية سوى مجموعة المصاحف في متحف توبكابيه في اسطنبول أيضاً.
• تضم المجموعة عدداً من الكتب النادرة، والمخطوطات، واللوحات التي تعود لكبار الخطاطين في الدولة العثمانية.
• يُعتبر المتحف الوحيد في تركيا الذي يمتلك مخطوطات مذهبة ضمن عروضه الدائمة.

علي العائد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية