تأييد إسرائيل الكاسح أمس لمشروع المستوطنات في أعقاب نشر قائمة الشركات التي تعمل فيها من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أثبت مرة أخرى كيف أن الضم الذي يتحدث عنه الجميع الآن قد حدث بالفعل منذ زمن بعيد. ودون أي تصويت دراماتيكي في الكنيست أو إجراء استفتاء عام، ودون أي هدايا من إدارة ترامب، وقفت المؤسسة الرسمية في دولة إسرائيل بشكل واضح إلى جانب المستوطنات في الضفة الغربية.
رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ضبط نفسه هذه المرة بشكل مفاجئ من اتهام المجلس باللاسامية، لكنه أعلن -مثلما هي العادة في الدول الآخذة نحو العزلة من الناحية الدولية- بأن “من سيقاطعنا سيقاطَع”. فإسرائيل تقاطع محكمة الجنايات الدولية في لاهاي ومؤسسات دولية أخرى، وما الضير إذا أضيف إليها مجلس آخر. الوزراء في حزبه، ومنهم ياريف لفين وجلعاد أردان، كانوا أقل ضبطاً للنفس وقفزوا مباشرة إلى عالم الشعارات الثابتة لاستغلال الكارثة ورخصها. وقد أحسن الصنع رئيس الدولة رؤوبين ريفلين الذي حاول جاهداً طرح صورة رسمية، أكثر تسامحاً وتوازناً، وقام بتسمية قاعدة البيانات عن الشركات التي تعمل في المستوطنات بـ”القائمة السوداء للشركات الإسرائيلية التي تعمل في البلدات”، وأضاف: “هذه مبادرة مخجلة تذكرنا بفترة ظلامية في تاريخنا”.
حسب ريفلين، فإن لنشر قاعدة البيانات الدولية عن الشركات التي تعمل في المستوطنات –غير القانونية، حسب القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة – أهميته لا تقل عن أهمية الكارثة. ومن الجدير التوضيح بأن هذه القائمة لا تشمل عقوبات أو مقاطعة فعلية. ولا يوجد فيها أي غرف للغاز. هذا هو الرئيس نفسه الذي استضاف مؤخراً قطاراً جوياً مثيراً للانطباع لعشرات الزعماء في مؤتمر ضد اللاسامية في القدس، وطلب منهم الدفاع عن الديمقراطية وأشار إلى “القدرة التي كانت للمجتمع في حينه على الاتحاد والعمل من أجل هدف مشترك، وإلى واجب وضرورة أن يعمل المجتمع الدولي الآن على مواصلة العمل معاً على أساس القيم المشتركة”. يبدو أن القانون الدولي والمؤسسات الدولية غير ديمقراطية بما فيه الكفاية حسب رأي ريفلين. أو ربما يتعلق الأمر بحماية انتقائية للديمقراطية المريحة له.
إن تأييد ضم المستوطنات بالفعل كان واضحاً أيضاً في أوساط المعارضة في إسرائيل. رئيس “أزرق أبيض” بني غانتس قال إن “هذا يوم أسود لحقوق الإنسان. ممثلية حقوق الإنسان في الأمم المتحدة مقطوعة عن الواقع”، أما وشريكه في القائمة، يئير لبيد، فذهب أبعد من ذلك، ووصف المندوبة السامية، تلك المرأة النشيطة جداً وتحظى بالتقدير الدولي، “المندوبة السامية” لحقوق الإرهابيين في الأمم المتحدة. وحتى أنه أضاف وهدد: “عندما نشكل الحكومة سنعمل ضدهم بكل القوة وبلا تردد”. وعندما نتذكر كيف تعمل إسرائيل ضد الإرهابيين فإن هذا الاقتباس يقلقنا أكثر.
ولكن بيان الإدانة الأكثر مفاجأة كان بيان رئيس قائمة اليسار، ظاهرياً، العمل – غيشر وميرتس، عمير بيرتس: “نحن نعارض المقاطعات، وقرار الأمم المتحدة هو قرار زائد ويثير الغضب”، قال رئيس القائمة التي تشمل ميرتس، والتي أيدت حتى الآن مقاطعة منتوجات المستوطنات. “سنعمل في جميع الساحات من أجل إلغاء القرار والحفاظ على اقتصاد إسرائيلي قوي وعلى أماكن العمل للإسرائيليين”، أضاف بيرتس في بيان أثار عدم رضى، على الأقل في أوساط المصوتين الذين ما زالوا يصوتون لميرتس. كانت هذه شهادة الوفاة الرسمية لليسار الصهيوني أمام الضم الذي حدث في الوقت الذي ما زال يدين فيه باليد الأخرى الضم الذي لم يحدث.
من وراء الكواليس، فإن مؤسسات الدولة الرسمية، وعلى رأسها وزارة الخارجية، أعطت توجيهاتها أيضاً ضد قرار نشر القائمة. في هذه التوجيهات أطلقت الحروف “بي.دي.اس” (حركة المقاطعة). ومن لا يزال يعتقد بالخطأ أن حرب إسرائيل ضد حركة المقاطعة هي ضد مقاطعة كل إسرائيل في حدود 1948 من الأفضل له أن يستيقظ. نية إسرائيل، بلغة القانون ونشاطاتها، هي أمر حاسم: الدفاع عن المستوطنات من المقاطعة. إن التمييز بين حق إسرائيل في الوجود كدولة، والخلاف على المستوطنات، ليس هو الأمر الذي يهم الدولة، بل خلط الحدود. هكذا أيضاً أوضح أمس الموظفون الإسرائيليون المجندون لمهاجمة القانون الدولي الآن باسم الضم. وبابتسامة غير مريحة، فإن أحد الأشخاص الذين أعطوا التوجيهات من صفحة الرسائل الثابتة في إسرائيل 2020 ضمن نفس الاتهامات باللاسامية، فإن اللاسامية والـ بي.دي.اس هما كلمتان مترادفتان، حسب أقوال المصادر الرسمية في حملة الدفاع عن مشروع الاستيطان.
في الأسابيع الأخيرة، وفي أعقاب نشر خطة ترامب، بدأت حملات صاخبة لنشطاء من اليمين واليسار مع وضد الضم الرسمي للمستوطنات. أحداث أمس أثبتت أن هذا نقاش فارغ على رموز فقط. فالضم الفعلي حدث بالفعل وهو يحدث كل يوم. ولكنهم ما زالوا يتصارعون عليه قانونياً. إسرائيل تتعامل فعلياً مع المستوطنات وكأنه جزء لا ينفصل عن دولة إسرائيل منذ فترة طويلة. ومعنى الضم في القانون لن يغير بصورة قاطعة أي شيء على الأرض. ومن دون دونالد ترامب وسفيره دافيد فريدمان، سبق وقمنا بضم كل شيء بأنفسنا، تماماً وحدنا. الاعتراف الرسمي هو نكهة فقط.
بقلم: نوعا لنداو
هآرتس 13/2/2020