القاهرة ــ «القدس العربي»: صدر مؤخراً عن (منتدى أخبار اليوم للسياسات العامة) تقرير يناقش الحالة المصرية في عام 2019، متناولاً عدة موضوعات، تمس المجتمع المصري وتحولاته في السنوات الأخيرة مثل، الصحافة، الصحة، الإعلام، القيم الثقافية والخطاب الديني. ورغم أن هذا التقرير صادر عن مؤسسة حكومية ــ رسمية ــ إلا أن بعض محاوره جدير بالمناقشة، يأتي على رأسها الدراسة التي قدمها أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع في كلية الآداب جامعة القاهرة، التي جاءت تحت عنوان «تغير القيم الثقافية»، وتناولت المتغيرات الثقافية والاقتصادية، التي شهدها المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة، وكانت لها انعكاساتها العميقة على منظومة القيم في المجتمع المصري، وتحوله من التسامح المعهود إلى التعصب المزمن.
التحول الاقتصادي
جاء حكم السادات ليمثل الانهيار الأول للطبقة الوسطى المصرية، التي حققت إنجازاتها خلال حكم عبد الناصر. بدأ السادات في رفع سياسات الدعم، امتثالاً لشروط صندوق النقد الدولي، بدون توفير قوانين متوافقة وآمنة لعملية الانتقال هذه، فأجرى سياسات أكثر تقشفية ضد المصريين، فبدأت في عصره الخصخصة التي التهمت ما تبقى من دولة الاشتراكية، وانقضّ على الحركة العمالية عن طريق تفتيتهم، وتم تسريح آلاف من العمالة التي لم تجد لها الدولة بديلاً سوى انضمامهم إلى صفوف أصحاب المعاشات، مجهِزة على آخر ما تبقى للمصريين من أحلام الإنتاج الأساسي، وانهار الجنيه مقابل الدولار، حتى بدأت سياسات التعويم، التي قضت على العملة المحلية، وسمحت بمزيد من الفجوة بين الطبقات، فلم يستفد من هذه السياسات سوى الطبقات العليا ورجال الأعمال. وجاء مبارك بسياسات أعنف، مستجيباً لسياسات الرأسمالية العالمية، فكانت الضربة القاتلة للطبقة الوسطى المصرية، في ظل تطبيق الخصخصة، وبيع القطاع العام الذي أهلك الملايين من الأسر المصرية، لتعيش حالة من الفقر، قضت على هذه الطبقة بالكامل، ومن هنا جاءت التوابع المفزعة، رافقت كل ذلك زيادة سكانية هائلة، نقلت سكان مصر من نحو 36 مليون نسمة عام 1976 إلى أكثر من 100 مليون نسمة حالياً.
التفكك وعدم التجانس
ويرى أحمد زايد، أن هذه الزيادة السكانية لم تتوازن مع النمو الاقتصادي، أو زيادة الإنتاج المحلي الإجمالي، ما أدى إلى امتصاص مستمر لعوائد التنمية، وتدهور الخصائص الاجتماعية للسكان، وهو ما تجلى في زيادة معدلات الأمية، ونقص جودة التعليم، وانخفاض مستوى الخدمة الصحية ونوعيه الحياة، وكثافة الهجرة إلى الخارج، خاصة الهجرة إلى مجتمعات الخليج لأفراد من أبناء الطبقة الوسطى من أصحاب المهن المتخصصة، وقطاعات من الشرائح العاملة في مختلف المجالات، وكذلك الهجرة غير المنظمة إلى مجتمعات عربية ظلت مفتوحة للهجرة بدون تأشيرة، كالعراق وليبيا، فضلاً عن تزايد معدلات الهجرة غير المشروعة إلى أوروبا. هذه التغيرات السابقة أدت بدورها إلى تغييرات اجتماعية مهمة، تمثلت في التغيرات، التي طرأت على التركيب الطبقي للمصريين، خاصة تركيبة الطبقة الوسطى، حيث أصاب هذه الطبقة قدر كبير من التفكك الداخلي، فلم تعد طبقة متجانسة، كما في السابق.
الزيادة السكانية لم تتوازن مع النمو الاقتصادي، أو زيادة الإنتاج المحلي الإجمالي، ما أدى إلى امتصاص مستمر لعوائد التنمية، وتدهور الخصائص الاجتماعية للسكان، وهو ما تجلى في زيادة معدلات الأمية، ونقص جودة التعليم، وانخفاض مستوى الخدمة الصحية ونوعيه الحياة
النزعات الدينية
ويرى زايد أن هذه التحولات الاقتصادية الحادة التي شهدتها مصر خلال تلك الفترة، أدت إلى تصاعد ميول وأفكار ارتبطت بنزعات دينية، التي يمكن تقسيمها إلى خمسة أشكال.. أولى النزعات ارتبطت بالتنظيم السياسي للإخوان المسلمين، الذي استعاد قوته بعد تولى السادات حكم مصر، وبعد أن منحه خلفه حسني مبارك فسحة من ممارسة سياسية أوسع. أما النزعة الثانية فارتبطت بالتيار السلفي الذي تمدد ليحتل مساحات من المجتمع عبر تقديم خدمات عجزت الدولة عن تقديمها. والثالثة ارتبطت بانتشار الممارسات الدينية الشكلية التي انعكست في مظاهر جسدية ومبالغات طقسية، في حين تجلت النزعة الرابعة في أنماط من التدين الحداثي الذي انتشر بين قطاعات من الشباب، بتأثير من نمط جديد من الدعاة (كان عمرو خالد وأشباهه). أما النزعة الأخيرة فارتبطت بالتنظيمات السرية لجماعات الجهاد على اختلاف مساراتها وأهدافها، والتي اتخذت منحى متطرفا، وانخرطت في صور من العنف الإرهابي والتمدد الإقليمي والدولي. وقد ساعد تعدد هذه النزاعات في دخول الدين إلى حلبة الصراع السياسي، بل وانتقال هذا الصراع إلى الحقل الديني نفسه. وقد حدثت تلك التغيرات في خضم تطورات إقليمية وعالمية، منها سقوط الاتحاد السوفييتي، ودخول العالم عصر العولمة.
الخطر
ويحدد زايد في دراسته سبعة مظاهر للخطر الذي يواجه المجتمع المصري الآن، ويرى ضرورة التعامل بعمق وجدية مع هذه المظاهر، وهي.. ضعف الاهتمام بالشأن العام، نمو الفردية، إهدار القيم العامة النابعة من مبدأ المساواة العامة في الحقوق والواجبات، التي يتعين بناء عليها منح الفرص في ضوء الكفاءة وتطبيق معايير عامة على الجميع في التعاملات العامة. كذلك التباعد الاجتماعي، الذي يأخذ صورا متعددة، منها التباعد الطبقي الناتج عن زيادة معدلات الفقر، التباعد النفسي المتمثل في صور عديدة منها الاغتراب والانفصال، التباعد المكاني كانتقال أبناء الطبقة الوسطى للعيش في مناطق غير التي اعتادوا عليها، وهذا يؤدي إلى ظهور أفكار جامدة، وتزايد عديمي الأخلاق والفاسدين، إضافة إلى انتشار الميول المتطرفة، والمبالغة في التفسيرات الدينية، والتقوقع خلف كهنوت الدين، الذي يترتب عليه رفض الآخر، الذي يمكن تصنيفه على أسس الدين أو الطبقة أو الجغرافيا (المكان). وأخيراً ضعف الثقة العامة في كل ما هو رسمي أو حكومي، ويرى زايد في الأخير أنه يجب التأكيد على قيم ومبادئ العدل والحرية والمساواة والشفافية واحترام القانون وحقوق المواطنين، وهناك جهات عليها دور أساسي في تحقيق ذلك، مثل الأسرة والمؤسسات التعليمية والسياسية والدينية. هذا عرض سريع لهذه الدراسة، التي تمت من خلال مؤسسة صحافية رسمية، وكم من الدراسات البحثية المتخصصة صدرت عن مؤسسات مشابهة وأكثر ثقلاً كمؤسسة الأهرام على سبيل المثال، لكن السؤال هنا يدور حول المؤسسة السياسية صاحبة القرار، فهل تلتفت مجرد التفاته إلى مثل هذه الدراسات والأبحاث والمؤلفات، أم أنها من قبيل تحصيل الحاصل ــ لا نشكك في مقاصد الباحثين ــ فقط حتى يكتمل الشو الإعلامي للرأي والرأي الآخر، وضمان أن هذه المؤلفات لا يقربها أحد سوى المتخصص أو المهتم على أقل تقدير.