رسامو الكاريكاتير في المغرب يجددون الثقة في الدهدوه رئيسا لجمعيتهم

الطاهر الطويل
حجم الخط
0

الرباط ـ “القدس العربي”: جدد رسامو الكاريكاتير في المغرب، أخيرا، ثقتهم في عبد الغني الدهدوه رئيسا “للجمعية المغربية لرسامي الكاريكاتير”. وهذا الفنان هو مؤسس ومنسق عام مهرجان “شفشاون” للكاريكاتير، وحائز على درع الشرف لـ”جائزة الكاريكاتير العربي” في قطر (2012) وكذا الجائزة الثانية لمسابقة “شيرينغول” الدولية في الصين (2017) وترأس في السنة نفسها لجنة تحكيم “جائزة الكاريكاتير للمواهب في المغرب” المقامة من طرف “المنظمة المغربية للبحث عن أرضية مشتركة” كما يواظب على نشر رسوماته في بعض الصحف المغربية.

“القدس العربي” التقت الفنان الدهدوه، وسألته عن الرهانات التي تطمح جمعيته إلى تحقيقها خلال المرحلة المقبلة، فأجاب قائلا: “من الواضح أن المغرب يعرف ـ منذ بضع سنوات ـ حركة دؤوبة على مستوى رسم الكاريكاتير الاجتماعي والسياسي، ويواكب هذا الفن كل الأحداث والوقائع التي يعج بها المجتمع، بحيث تنعكس فورا على شكل رسومات ساخرة تنشر على صفحات الجرائد أو منصات التواصل الاجتماعي. وعليه، فقد كان لزاما ظهور إطار يعضّد صوت الفنان المغربي الساخر، وينظّم صفوفه، ويسمع صوته من جهة، ثم أيضا هناك حاجة لتأصيل هذا الفن ودعم انتشاره وترسيخ ثقافته التي تخدم قيما عليا، يرتكز عليها المسار الديمقراطي لأي بلد. وقد لاحظنا أن عدة أشياء تحققت بفعل جهود الفنانين، إذ أضحى فنان الكاريكاتير يحمل صفة صحافي، واعترف بمهنته أيضا ضمن المهن الفنية، ثم أنه ألحق كصنف إعلامي في الجائزة الوطنية للصحافة المغربية، وإذ نشيد بهذه المكتسبات، نطمح إلى أن يصبح المغرب من بين البلدان المهتمة ليس بالكاريكاتير وحده ولكن أيضا بفن أشمل هو الفن التاسع، سيما وأنه قد أشرك ـ قبل سنوات ـ مادة القصة المصورة ضمن مناهج الدراسة بمعهدي الفنون الجميلة بتطوان والدار البيضاء”.

صحافة وتشكيل

اعتُبِر الكاريكاتير في المغرب فنا غير مُكتفٍ بذاته، وإنما هو تكميلي لشيء آخر، للمقال، للخبر. وفي هذا الصدد، يوضح الدهدوه أن الكاريكاتير “لغة صحافية، وهو عمل تشكيلي، وبهذه الخصائص تحول إلى فن مرن، يمنح للصحافة أشياء كثيرة لا تجدها في الصورة الفوتوغرافية، وإرفاق الرسوم التوضيحية للمقالة هو عمل صحافي يهدف إلى الاستعانة بالجانب التشكيلي الجمالي والتعبيري للرسم، وبالتالي منح المقالة أبعادا أخرى من شأنها آن تبعد بعض الملل عن القارئ. إن الرسم التوضيحي اليوم أصبح صنفا قائم الذات، وله فنانوه المتخصصون، ويتمايز عن رسم الرأي مثلا، الذي يغني في الأصل عن المقالة، لأنه يتضمنها بين زواياه”.

أما عن درجة التأثير السياسي للكاريكاتير في المغرب، فيقول: “الدليل على تأثير الكاريكاتير هو هذا الاهتمام المتزايد عليه من طرف الجمهور الواسع، والنخب ذات التوجهات المعارضة للحكومة، فلولا دوره الفعال لما التفت إليه أحد، ولا يكاد يغيب الكاريكاتير المغربي عن أي محطة نضالية شعبية كانت أم  حزبية أو احتجاجات فئوية، أو مطالب حقوقية، فالكاريكاتير موجود دائما، وترفع لوحاته على اللافتات في الشوارع، ويستعمل بقوة على منصات التواصل الاجتماعي، بحيث يغني أكثره عن التعليقات. الكاريكاتير مادة إعلامية قوية ونفاذة وتأثيرها مضمون، حتى وإن لم نر ردود أفعال تعبّر عن ذلك بشكل مباشر”.

غير مرحب به

في الآونة الأخيرة، اشتكى رسامو الكاريكاتير في المغرب من عدم حصول أي “كاريكاتيريست” مغربي على بطاقة الفنان. سألت “القدس العربي” عبد الغني الدهدوه: هل بذلتم جهودا ما لتصحيح هذا الخطأ؟ وأي تفسير تقدّمونه لهذا الموقف؟ فأجاب بالقول: “بعد أن تم الاعتراف رسميا بمهنة كاريكاتيريست ضمن المهن الفنية، تقدّم العديد من رسامي الكاريكاتير بطلب لمديرية الفنون في وزارة الثقافة، وكنت واحدا منهم، لأجل أخذ هذه البطاقة التي تُعتبر اعترافا رمزيا بصفة فنان ليس إلا. حدث هذا قبل عام، وأصدرت الوزارة الدفعة الأولى من هذه البطاقة بدون أن تضمّ لوائح المستفيدين أي اسم لفنان كاريكاتير، ثم وبعد شهور طويلة من الانتظار الممل، أصدرت الوزارة الدفعة الثانية، وجاءت خالية، أيضا، من أسماء رسامي الكاريكاتير. والغريب هو أنه توجد لدى الجهات المعنية أرقام هواتفنا وعناويننا الإلكترونية، مع ذلك لا وجود لأي توضيح أو تبرير لما جرى، الأمر الذي جعل الزملاء الفنانين يقومون بحملة كاريكاتورية هدفها إثارة الموضوع، ووضع الرأي العام في الصورة ثم أصدرنا بلاغا حول الموضوع في الجمعية المغربية لرسامي الكاريكاتير.

نعلم جيدا أن الكاريكاتير فن غير مرحب به دائما، لأنه يجمع بين صفتين منفرتين بالنسبة لأي مسؤول: السخرية والانتقاد، ونتمنى أن يكون ما جرى في هذه الواقعة مجرد خطأ ـ كما وصفته ـ وسحابة صيف، وأن يتم تدارك الأمر. وإلا سيصبح للواقعة تأويل آخر لا نريده أن يكون موجودا في مغرب اليوم، وهو التضييق والتهميش والتعتيم على هذا الفن وإن بطريقة غير مباشرة!”.

وجوابا على سؤال حول إمكانية الاستفادة من شبكات التواصل الحديثة في ترويج الأعمال الكاريكاتورية، عوض اقتصارها إما على المعارض أو على صفحات الجرائد والمجلات، يقول الدهدوه: “تغيرت وضعية رسام الكاريكاتير كثيرا مع بروز تقنية الإنترنت، ذلك أنه وجد منفذا للنشر لم يكن متاحا من قبل، بل وجعل مجال التنافس وتحقيق الذات بين الفنانين عالميا، لا تحده حدود، جغرافية كانت أم ثقافية، ولذلك أقول دائما، لكي يحقق الفنان تواجده في الساحة الفنية اليوم فإنه لا محالة يجب أن يتصرف كفنان عالمي، لأن التنافسية أضحت عالمية، إضافة إلى هذا، هناك شيء آخر على قدر كبير من الأهمية، ويتمثل في تفاعل الجمهور المباشر مع العمل الفني، ولقد أصبح هذا الجمهور الواسع على منصات التواصل الاجتماعي خصوصا، يقوم بدور الناقد، فيرجح كفة فنان على حساب فنان آخر، كل ذلك يجري وفق وتيرة من الصعب التحكم فيها، تتجاوز الفنان والناقد الفني معا.

ويمكن لي أن أقول بدون مواربة إن الإنترنت قد التهم الأدوار التي كانت تقوم بها المعارض التقليدية أيضا، وسرق منها وهجها، ولم يعد لهذه الأخيرة سوى دور هامشي توثيقي، ومناسبة يلتقي فيها الفنانون على أرض الواقع، ويأخذون بعض صور السلفيات لعرضها من جديد على منصات التواصل.

وإذا كان فضاء الإنترنت قد سهل عملية نشر الأعمال الفنية بدون رقابة نسبيا، فإنه قد أثر على وضعية الفنان المهنية، لأنه أثر بالسلب على الصحافة الورقية، المشغل والمحتضن الرئيس لرسام الكاريكاتير منذ مئات السنين، الأمر الذي جعل بعض الفنانين يعيشون العطالة الفنية”.

تشجيعات

تسأل “القدس العربي” الدهدوه: إلامَ أنت مدين في تجربتك الفنية الكاريكاتورية؟ فيجيب: “هناك عاملان لعبا دورا أساسيا في مسيرتي الفنية: الأول تمثل في تواجد بعض الصحافيين الذين وضعهم القدر في طريقي، وأتذكر في هذا الصدد، وبكثير من الاعتزاز أحمد إفزارن الذي شجعني على نشر أعمالي الأولى البسيطة والمبتدئة على صفحات جريدته (الخضراء الجديدة) ثم بعد ذلك شجعني خالد مشبال على النشر في جريدته |(الشمال). وحين ظهرت جريدة (المساء) وأرسلت بعض أعمالي للنشر فيها، بادر رشيد نيني لإشراكي فيها كرسام يومي، في صفحة الرأي، بعد عملية تأهيل دامت شهورا، لأصبح بتشجيع ودعم خاص منه، رساما يوميا في صفحة الرأي بهذه الجريدة، في تجربة تمتد إلى يوم الناس هذا.

أما العامل الثاني فيتمثل في وجود فنانين كبار تعلمنا منهم ماهية فن الكاريكاتير في زمن كانت فيه المراجع المهتمة بفن الكاريكاتير نادرة جدا إن لم أقل منعدمة، منهم: الفنان العربي الصبان وحمودة وعبد السلام المريني والفنان السوري علي فرزات، والفنان اللبناني محمود كحيل، والفنان الفلسطيني ناجي العلي. وإذا كان قراء الجريدة ينظرون إلى الرسم مرة واحدة، فقد كنت أنظر إلى تلك الرسومات نظرات طويلة وبعناية خاصة، وأحيانا كنت أقتطع الرسم من الجريدة وأضعه في جيبي كي أشاهده في لحظات العزلة والتأمل. هكذا كانت البداية قبل ظهور هذه الثورة المعلوماتية التي أتاحت لفنان اليوم التعرف على ثقافة فن الكاريكاتير على أوسع نطاق بكبسة زر”.

وبخصوص التساؤل عما إذا كانت الدراسات الأكاديمية والكتابات النقدية قد أنصفت الكاريكاتير في المغرب، يرى الدهدوه أن ما يدوّن حول فن الكاريكاتير في المغرب على أهميته يبقى شحيحا من ناحية الكم، وينوه بهذا الخصوص بصدور كتاب الناقد إبراهيم الحيسن: “الكاريكاتير، سخرية على محك الممنوع” الذي يوثق لمسيرة فن الكاريكاتير المغربي منذ بداياتها الأولى إلى اليوم. ولعل هذا الكتاب يبقى من أهم ما صدر في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة. ثم أن هناك العديد من الطلبة الجامعيين من بدأ يهتم في بحوثه بهذا الفن. ويتمنى تنامي المواكبة النقدية للكاريكاتير، باعتباره صورة مضاعفة، خصوصا وأننا نعيش عصر الصورة بامتياز.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية