علي ديوب لعل الفارق الرئيسي الذي يميز نظام الدولة الديمقراطية الحديثة، عن نظام الدولة الشمولية أو الاستبدادية أو الطغيانية، أو المافيوزية.. وما إلى هذه النماذج المفوّتة تاريخيا من التنوع والتعدد؛ هو فارق يتحدد في درجة ثقة المواطن بالنموذج الذي يحكمه، أو يتحكم به. نقطة القناعة العميقة هذه، قد تبدو خادعة في الأنظمة ما قبل المدنية، التي هي- على تنوعها- أقرب إلى عصابات قرصنة، تأسر المجتمع والدولة، وتترك لهم حرية العيش في قفص كبير، لا فضل لأي من أفراده على الآخر، إلا بدرجة رضا القرصان عنه. وهذا ينمّي ثقافة إفساد للذمم، رأسمالها المهارة في النفاق، والتحمّس في الكذب، والتسابق في تجميل المفاهيم التي تتصل بالرضوخ والتبعية، وترذيل المفاهيم المناقضة، وخاصة تلك التي تتصل بالحرية، واستقلال الشخصية، والروح النقدية، والتطاول على المقدس (وهو هنا الزعيم، وقد حلّت فيه روح الوطن والأجداد وحاز على صفات الخالق الرازق الحليم الحامي..). هي استراتيجية يحرص النظام الشمولي على ضبطها لدى قطيع الرعية، منذ مرحلة الطفولة المبكرة (الحضانة والابتدائية)، مرورا بالمراهقة وانتهاء بمرحلة البلوغ أو الرشد، عبر اتحادات الشبيبة والاتحاد الوطني للطلبة. قام النظام السوري الحاكم، في نسخته الأولى، على مبدأ لم يحد عنه البتة، ولم يجد النظام الوارث بدا من اعتماده بكليته، فالبديل هو تركه بكليته، وهو ما يعني تضحيته بالوراثة مرة واحدة. والمبدأ المقصود يمكن اختصاره على النحو التالي: إن الحرية هي عدوة السلطة. ولكي تستتب لك هذه الأخيرة، لا بد لك من حجب الحرية بكل أشكالها عن المجتمع. هذه ضمانة جوهرية، أولية، وبسيطة. وهي الأهم لاستمرار سياسة احتكاره للحقيقة، بمصادرها وصناعتها، وتحويرها، وفرضها على النحو الذي يلبي غايته في استمرار قبضه على السلطة بلا منافس. وقد سخر النظام لهذه الغاية- خاصة في نسخته الأولى- جهودا متكاملة تبدأ بضرب الثقة بين الناس، ونشر ثقافة الريبة، وبث الشكوك بين الجميع، وحتى الشك في الذات، مرورا بـ’إفساد من وما لم يفسد بعد، وجعل الجميع مدانا تحت الطلب’، بتعبير الطيب تيزيني. وانتهاء بتركيع المجتمع وتعقيم أية إمكانية لنهوضه على مدى عقود قادمة. إنها استراتيجية الدولة الحضارية معكوسة. فالدولة الحضارية، بمدلولها الديمقراطي، تعتمد خططا وسياسات تضع في اعتبارها حماية كل من المجتمع والبنى التي تؤسس لخدمته ورقيّه، وتشكل في مجموعها تعبير الدولة، وتضم الخدمات وسياسات تصميم المدن، ورسم الخطط الأمنية، وتحديد الأولوي من الصناعات في كل فترة، على ضوء الوقائع المستجدة.. وتوفير المستلزمات والإمكانيات والشروط الكفيلة بمنافسة الدول الأخرى على سلّم القيم المعيارية لمعنى التطور والتقدم. بدأ حربه النظام ضد المجتمع، ولم تهدأ بعد، منذ سيطرة حافظ الأسد على السلطة بانقلاب 16-11-1970؛ وإن لم تأخذ شكل العنف المنفلت والبطش السافر إلا في مرات محددة، انتهت في مجملها إلى انتصارات أصابته بنفخة أسست للفتوق والتشققات المؤذنة اليوم بانفجاره وزواله. لقد بلغ به الإعجاب الأبله بالنفس لأن علّق أوسمة النصر بيده على صدره. والعدو هو الشعب البائس، الذي راح يتلقى وخزات الإهانة صباح مساء، ليس أقلها عبر التماثيل والصور التي وزعها المنتصر في كل مكان، من العملة الوطنية إلى دفاتر التلاميذ، إلى وسائل الإعلام والساحات والجدران والطرقات الدولية.. وفرضت عبادتها على الأجيال المتعاقبة والمعاقبة بالتجهيل والاستتباع الجبري، وتجازى اليوم على إعلانها شق عصا الطاعة، وتمسكها بروح الحياة (الكرامة الإنسانية)، وقد انتعشت فيها من جديد مع هبوب رياح الحرية العربية، ودفعتها لانتزاع مطالبها بيديها اللتين راحتا تحطما أصنام الوعود الرابصة على العقول والقلوب، لكي تصطم مسامّ تنسم الحرية. تحدوها رغبة وضع نظام بديل تختاره هي بكل تنوع طيوفها. وتختاره بالتنافس الحر المحمي بالقانون العصري، الذي يجعل من الدولة أداة في خدمة المجتمع، تحميه من الاحتراب، وتنفّذ خياراته. أما لماذا لا تختار تغيير عقلية النظام، فالجواب لديها، يتردد بكل الأساليب ليصوغ معنى واحد: أن النظام القائم لا يحمل عقلية حتى تتغير. النظام نفسه يصادق على هذا، إذ اختار لنفسه دور المحارب للمجتمع. وهو خيار قديم، لم يعتمد سواه طريقة للتعامل مع صاحب العقلية المطلبية؛ بأن يلقّنه درساً يجعله يكفر في اللحظة التي طالب فيها بحقه. بل ويروح ينوح متحسرا على زمن ما فرط من فتات كان يعتاش عليها، فاستبدلها الطاغية بحصى تطحن أسنانه بدل العكس. مثال على ذلك قانون العاملين الأساسي، هدية للسنة الجديدة(2-1- 1985)، والقانون ولد على هيئة النظام، غامضا مليئا بالفخاخ، مما جعل المتعيشين عليه من جنود التابعية القانونيين يتبعونه بمئات الملحقات التفسيرية. لكن الشيء الواضح فيه كانت تلك المادة رقم 137 التي كانت من قبل (التعديل على طريقة رواية جورج أورويل عين السلطة)، تحمل الرقم 138، تسمح لرئيس الحكومة بـ’صرف العامل من الخدمة دون ذكر الأسباب التي دعت لهذا الصرف.. وقرارات هذه المادة غير قابلة لأي طريق من طرق المراجعة أو الطعن أمام أية جهة أو مرجع وترد الدعاوى التي تقام ضد هذا النوع من القرارات أياً كان سببها ولا يسمح باستخدام العامل المصروف من الخدمة بموجب هذه المادة، وذلك مهما كانت صفة هذا الاستخدام (أنظروا منذ متى يتبع النظام مع شعبه سياسة الأرض المحروقة)، إلا بقرار من رئيس مجلس الوزراء يجيز ذلك’. وهي المادة التي اعتمدت في صُرف الدكتور عارف دليلة، من عمله مدرّسا في الجامعة، على سبيل الذكر. هذا يعني أنه لم يكن يوما، ولا يستطيع أن يكون- بسبب من طبيعة بنيته المتجانسة مع الفساد- نظاما يؤمن بالحقوق والحريات. وإنما بالقوة كمبدأ للحكم، وفرض الولاء. هذا ما دأب عليه، في نشأته وخطواته التالية. وقد كان واضحا مع نفسه خاصة في تعامله مع من ركب قارب الحداثة بتعبيراتها التحررية، من المثقفين والمفكرين والكتاب والمعلمين والصحفيين، تهميشا وخنقاً وفصلا من العمل أو نقلا إلى أعمال ليست من اختصاصهم، ليساهمون بالتخريب- عن غير قصد- ويتعرضون للتدمير النفسي والذوقي والخلقي البطيء؛ إلا من حصّن نفسه بطاقات روحية جبّارة.. وفي مرات محددة سجن بعض العصاة منهم بتهم كاذبة أقسى من السجن ذاته. وبالمقابل تقريبه لمن يشاطره منهم عقيدة القوة، ويصفق لانتصاراته على مجتمعه، وحتى على نفسه المسحوقة الخاضعة. ولم يكن يعوز هؤلاء التابعين شواهد تخدّر الضمير، يمكن متحها من التراث الغني، والمعبّر عنها بمفاهيم ومصطلحات مثل ‘العنف ملح الأرض’. أو ‘المستبد العادل’. مثلما أعانهم كتاب مكيافلي (الأمير)، وسواه من الكتّاب الشوفينيين شواهد تطمئنهم بأنهم على صلة حية بالحداثة. لما كانت الحرية هي أعدى أعداء النظام الاستبدادي الشمولي الطغياني. ولما كان النظام السوري بنسختيه، الأولى الآفلة والثانية الآيلة للأفول، من أعتى المستحوزين على صفات الاستبداد والشمولية والطغيان، ضمانا للبقاء، وتطلعا للخلود؛ فقد كان على ثقة بأن التاريخ إنما هو سلسلة متصلة من التلبيات لإرادته، وسيرورة من التصديقات لآرائه، والاكتشافات المتأخرة لرؤاه، والافتتان بعبقريته. وقد أتى عليه حين من الدهر تطابق لديه الوهم مع الحقيقة، فصار في نظر نفسه هو سيد الزمان. فراح يسدي النصح، بشيء من الشماتة والتقريع، للولايات المتحدة الأمريكية التي عليها أن تتعلم من دروسه، وتفيد من خبراته في محاربة الإرهاب. وبدت له نسخ من الأنظمة الضعيفة، وغير المخلصة في معاداة الحرية- مثل النظامين التونسي والمصري- هي نسخ مكتوب عليها السقوط، فقط لأنها لم تكن تضبط ثغرات تنسيم هواء الحرية إلى مجتمعاتها. وأن سقوطها بالتالي ما هو إلا من نتائج التراخي في القمع الاستباقي. القمع الشديد، وغير الرحيم أو المتراخي. وذلك في اللحظة المناسبة، من دون إبطاء. لا شك أن النظام كان سبّاقا في قمع شعبه، وأسبق منه حتى في احتجاجاته. كما كان سباقا في بلوغ القمع مستوى يؤهله لكي يكون واحدا من قلة من علامات السواد، التي جلبت العار للتاريخ البشري، ولوّثت معاني وقيم الإنسانية. وهو إلى اليوم، وحتى النهاية ضد التنازل عن حقوق الناس التي يصادرها، وأولها حقهم في الحرية، والتحرر من كل أشكال الإجبار، واختيار من يرونه مناسبا لحكمهم، وشكل الحكم الذي يعبر عنهم. وهو يفعل كل شيء لكي يفهم من لم يفهمه بعد، أنه لا يلتفت لصوت العقل، ولا يكترث بما يسمى آلام الناس. فهو ينام على الوسادة نفسها التي ورثها (القمع)، والتي ورث معها ما أسماه باتريك سيل (خزانا من البارود أورثه الأسد الأب)، كما يتغذى على مصل الأوهام بأنه سينتصر على شعبه، ويعيد ما بدأه المورّث منذ عقود، في فرض الهيبة والولاء بالحذاء! لكن العين البصيرة ترى أن النظام إنما يتخبّط في شبكة الجريمة التي اقترفتها يداه ونفخ فمه (إعلامه) فيها، ويستمر في النفخ؛ وسيزداد تخبطه طردا مع تنامي جنونه في تعميقها ونشرها على أكبر مساحة من الوطن. ولكن شعبنا العظيم، أثبت واقعيا، وبتضحياته وصموده الأسطوريين، مع تنامي أعداد طلاب الحرية، وتوسع دائرة التظاهرات السلمية، أن عملة القمع والحجب والمصادرة التي يفرضها دون سواها للتداول، لم تعد عملة صالحة بعد اليوم. لقد أفلس النظام الذي لم ينوع في مصادر سلطته، فاكتفى بالخوف دينا للموالي قبل المعارض. ولقد ولّى زمان الخوف ومروجيه، من إعلاميين شُلّت أدمغتهم، وأصيبوا بإعاقات دائمة، حرمتهم من إمكانية الكلام المتوازن. فباتت وسائلهم- خاصة المرئية- مصادر للتندّر والسخرية والإضحاك. ‘ صحفي سوري مقيم في المملكة المتحدة