وهران ـ من فاطمة عطفة: إعلاميون جزائريون غادروا وطنهم الأم حاملين هويتهم الجزائرية وكانوا كالشهب في الحياة الإعلامية رافعين رأس بلدهم بمنجزاتهم، شهب إعلامية أخرى أثبتت تميزها وجدارتها في الجزائر وخاضت أوقاتا صعبة وزودتها الظروف والأيام القاسية والمآسي التي مرت بها الجزائر ما لم تستطع أكبر الجامعات والكتب تزويدها به. إعلامي جزائري قال كلمة حق في أيام سوداء مرت على الجزائر فضل البقاء على مغادرة بلده الغالي ومناصرة أهله والدفاع عنه ولو بالكلمة، خاض في الإعلام المكتوب والمقروء والإذاعة والتلفاز وكان له اسمه وحضوره المتميز الإعلامي، إنه مراد سنوسي. * الإعلام مسؤولية كبيرة خاصة في مجتمعاتنا، كيف تعاملت كإعلامي مع هذه المسؤولية منذ البداية؟* ‘لقد اعتبرتها ومنذ البداية مسؤولية كبيرة ووجدت أن أفضل طريقة لمواجهة هذه المسؤولية هي الصدق في العمل والتواصل والانفتاح على تجارب الغير كالدول المتقدمة، بدون عقد. العمل الذي سنقوم به يجب أن نتعرف عليه وعلى وسائله ونتعامل معه بوعي واستيعاب، لكن يجب أن يكون هذا التعامل منبثقا ومتكيفا مع واقعنا الثقافي قبل أن يكون متكيفا مع واقعنا السياسي. أنا تخصصي في الدراسات الأدبية، وكنت من أوائل مستخدمي الإنترنت والفيسبوك، لأنني أظن أن العمل الصحافي وأدواته تتطور بسرعة كبيرة، وإذا لم نسر مع التطور التكنولوجي سنزداد تخلفا على تخلف آخر. بالتالي عملي في الإعلام هو في المجال الثقافي، فقد تخصصت بهذا المجال منذ البداية، وبالتالي استطعت تحقيق الكثير من الأحلام الخاصة بي من خلاله. 90% من أعمالي كانت في المجال الثقافي والفني بخلاف الفترة التي كانت فيها الجزائر تعاني من الإرهاب، وقتها كنت أنزل للميدان وأعمل من هناك، فبرأيي أن هذه كانت مهمة يجب على الإعلامي أن يقوم بها، خاصة أن الجزائر عانت كثيرا في تلك الفترة من تشويه ومن أخبار كاذبة. كنت كالأشخاص الذين ضحوا بحياتهم واستبسلوا في تلك الفترة، حيث كنت من بين المئات الذين تقدموا وخاضوا المعركة والدليل على ذلك أني بقيت أعمل هنا فقد توفرت لي فرص الذهاب للعمل في دول أخرى، ولكني فضلت البقاء في بلدي’.* لقد عملت في الإعلام المقروء والمكتوب وعملت في الإذاعة وفي الإعلام المرئي، كيف استطعت الربط بينها؟ * ‘بصراحة كنا نختار، وبالنسبة لي كانت أجمل وسيلة إعلامية هي الإذاعة لأنها تضعنا في علاقة سحرية مع المستمعين، كذلك وعلى الرغم من التطور والتقنيات الحديثة التي وصلت لها البشرية أسهل وسيلة إعلامية هي الإذاعة، فيكفي وجود هاتف ونقوم بالبث بشكل مباشر من أي مكان. العمل الصحافي المكتوب جعلني مرتبطا بالكتابة، لأن الإذاعة تقلل الاهتمام بالكتابة والتلفاز ينقصها أكثر وأنا أخاف أن أفقد الاهتمام بالكتابة. أنا أظن أنها وسائل مختلفة بشكل كبير عن بعضها، ولكنها متكاملة في ذات الوقت، إن الإعلامي الذي يعيش هذه التجارب الإعلامية المختلفة يستفيد بشكل كبير، وأنا أظن أني محظوظ كثيرا لأني تعاملت مع ثلاث وسائل إعلامية مما أغنى تجربتي وعملي وقدراتي. الإذاعة كان لها دور، والتلفزة لها دور، والعمل في التلفاز أسهل وأصعب في ذات الوقت، أسهل في الإنجاز ولكن أصعب في المسؤولية لأن الصورة أخطر من الصوت ومن القلم’.* باعتبارك كنت تعمل في تلفزيون وهران ومديرا لمحطة جهوية، هل يتوجب عليك الاطلاع على ما تبثه المحطات الأخرى؟ وهل تتطلع على ما يبثه الإعلام العربي والغربي؟ أم أنك تبقى ضمن اختصاصك مديرا لمحطتك؟ *’كان هناك في الجزائر أربع محطات جهوية، محطة في قسنطينة تغطي الشرق الجزائري، ومحطة في بيشاور تغطي الجنوب الغربي للجزائر، ومحطة جنوب شرق وهران تغطي الجهة الغربية تقريبا حوالي 14 محافظة. أنا لا أؤمن بأن يكون الشخص منغلقا على نفسه، بل أؤمن بمبدأ هو أن أفكر بشكل عالمي وإنساني وأتدخل محليا، فبقدر ما نتحكم بتفاصيل محيطنا الصغير بقدر ما نستطيع الذهاب بعيدا عالميا، وبقدر ما نتعلم عن طريق المحطات الإعلامية الأخرى في جميع أنحاء العالم. أنا في كل يوم وحتى الساعة 11 ليلا أتصفح الصحافة الجزائرية، ثم أدخل إلى موقع الجرائد والصحافة العربية، ولكني أتصفح حسب نوع الأحداث، ثم أطلع على أخبار الفضائيات، لي اهتمام كبير بالبرامج الثقافية والسياسية فمن خلالها أستطيع أن أتلمس علاقة الصحافة بالبلد وكيفية تداول هذه الصحافة للأخبار. هذا ليس اختيارا، بل إن الاطلاع الإعلامي مهم جدا إن رغب الشخص بالتطور فيجب أن يكون منفتحا’.* البرامج والحوارات الثقافية دوما تحتاج لمقدم أو مقدمة مثقفة وعلى درجة عالية من المعرفة والثقة بالنفس، كيف تختار مقدمي البرامج؟ وكيف تنظر لهذه البرامج وللجدال الحاصل أثناء الحوارات في برامج المحطات السائدة حاليا؟* ‘نحن على مستوى محطة وهران ليست لدينا برامج ثقافية كثيرة، فمثلا لدي برنامج موجه للطفل، وبنظري هي برامج أكثر خطورة من البرامج الموجهة للكبار، وبالتالي الزميلة المكلفة بالبرنامج تحضر جيدا وأنا أساعدها بالتحضير. وعندما تكون هناك نشاطات ثقافية مقامة في المدينة أطلب منها أن تحضر هذه الأنشطة لتكون على اطلاع مباشر بما يجري في تلك النشاطات، لأنني لا أؤمن بالصحافي والمقدم الذي يعتمد على (الشطارة) فيأتي ليقدم البرنامج بدون تحضير وإلمام بجوانب الموضوع فيطرح السؤال الأول على المحاور وانطلاقا من إجابة السؤال يطرح السؤال الثاني وهكذا. ما زال لدينا نقص في هذا المجال، فنحن بحاجة لأشخاص متخصصين يملكون مرجعية ثقافية وفنية عالية، فهذه أمور لا تتم بسهولة وأظن أن المنافسة تفرض أن يعود الناس للمقاييس الحقيقية. فالبرامج الثقافية يجب أن يكون مقدمها صاحب مشروع ثقافي ولديه قضية وطنية وثقافية ذات بعد حضاري، وأن يكون ذا مستوى ثقافي عال، بالإضافة لمعرفته بتقنيات العمل الصحافي والحوار وكيفيته، ولكن هذه التقنيات وحدها من دون ثقافة لا تؤدي إلى النجاح والتميز’.* الإعلاميون الجزائريون الذين يعملون في بعض المحطات العربية يعتبرون من النخبة في الحياة الإعلامية، هذه النخبة كيف استغنت عنها الجزائر؟ وهل من الممكن أن يكون هناك استقطاب لهذه الكفاءات الإعلامية لتغني بعودتها واقع البلد؟* ‘هذا دليل على أن المنظومة التربوية في الجزائر استطاعت أن تخرج صحافيين بهذا المستوى الرفيع ومنهم زملاء لي. أنا منذ سنة 88 أعمل في الإذاعة التلفزيون، وقبلها بسنوات في الصحافة المكتوبة. أظن أن عمل هؤلاء الزملاء المتميزون في محطات ودول أخرى هي خياراتهم الخاصة، لأنه في فترة ما وهي الفترة الصعبة التي مرت بها الجزائر، الصحافيون كانت لديهم اختيارات. هناك من لم يقدر على العيش هنا فذهبوا لأماكن أخرى وهم لا يلامون على هذا، فعندما تكون حياة الشخص بخطر ليس هناك حق لأي كان أن يأتي ويقول له: ‘من الخطأ خروجك من الجزائر أو من الخطأ أن تبقى’. هناك زملاء لي غادروا الجزائر وآخرون بقوا بالنسبة لي في 98 عرض علي العمل في قناة (آر. تي.) كانت في بروكسل، ولكني اخترت أن أبقى في الجزائر. إن الزملاء الذين غادروا من المؤكد أنهم استفادوا أكثر من ناحية التكوين، ونحن استفدنا أيضا من الظروف الصعبة التي مررنا بها. أنا أظن أن الجزائر تحتاج للاثنين معا، فهي محتاجة للزملاء الذين غادروا وأصبح لديهم تجارب غنية، وهي أيضا محتاجة لنا نحن الذين عشنا هنا وتعلمنا من الظروف الصعبة التي مررنا بها، لأن هذه الظروف علمتنا أشياء كثيرة وذات قيمة كبيرة. أظن أن أفضل جامعة لم تكن قادرة على تعليمنا ما تعلمناه من خلال هذه التجربة المريرة. لقد قمت بتغطية مآس يقال إن الروائيين يغطون بالخيال أمورا غير واقعية، أنا غطيت أمورا تفوق وتتجاوز الخيال، وتعلمت من الواقع وقسوته ومن خلال تجربتي هذه ما لم تستطع الجامعات والكتب ولا الاغتراب تعليمي إياه’.* هل يحتاج المسؤول الإعلامي إلى رقابة ومقص؟ أم هو يعرف ما الذي يتوجب عليه بخبرته وحسه السليم؟ * ‘بالنسبة للرقابة، أنا أظن أنه بخصوص الأمور التي تتعلق بوحدة الوطن وقداسة الدين وقداسة اللغة، فيجب أن تكون هناك مسؤولية ورقابة دقيقة على هذه الأمور. أما بالنسبة للأمور الأخرى، ومنها السياسية والاجتماعية، فإن التكنولوجيا قد تفوقت على الرقابة المقامة على البرامج، حيث غدا بالإمكان نشر الحقائق التي لا يراد قولها ومعرفتها من قبل الناس على المواقع الالكترونية. يجب ألا نكون متأخرين بالحريات عن غيرنا، ولكن لا أن يتعرض الشخص للدين بشكل مهين ولا أن يمس بوحدة الوطن وما شابه. كل دول العالم حسب خبرتي وما رأيته لدى الغير، الكل يتصرف على هذا الأساس. الحرية ضرورية ومهمة ومطلوبة ولكن بما يليق، لا أن نكون مسفين وغير عارفين أين نستخدم حرية التعبير عن الرأي. أظن أن المستمع هو الذي يجب أن يفصل بين الأمور ويترك لعقله مجالا لمعرفة الحقيقة، وليست هي مهمة المراقب. في الجزائر، المؤسسات الحكومية لا نستطيع التعامل معها بصورة مغلقة إلى الأبد. الانفتاح شيء مهم، والمنافسة هي التي تقوي القطاع العمومي، لأن القطاع العمومي لديه تجربة، وربما لم يستغلها بشكل كامل، فعن طريق المنافسة يتم استغلالها بالكامل وبالشكل الصحيح’.