المواجهة الفلسطينية – الإسرائيلية تنتقل إلى الحلبة الدولية الواسعة

محمد الأحمد
حجم الخط
1

رام الله-“القدس العربي”: تحولت أروقة الأمم المتحدة في الأيام الأخيرة إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الفلسطينيين والإسرائيليين ومن خلفهم آلة الضغط الأمريكية، السياسية والاقتصادية.

وقدم الفلسطينيون إلى الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، وعددها 15 دولة، مشروع قرار يرفض مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المسماة “صفقة القرن” ويدعو إلى التمسك بحل الدولتين على أساس حدود الرابع من حزيران/يونيو عام 1967 وهي الصيغة التي اعترفت بموجبها الجمعية العامة للأمم المتحدة بدولة فلسطين عام 2012 ومنحتها مكانة عضو مراقب في الجمعية.

واستند مشروع القرار إلى قرارات سابقة للأمم المتحدة تقوم على حماية حل الدولتين وتطالب بوقف الاستيطان في أراضي دولة فلسطين المحتلة.

ورغم استخدام صيغة مخففة لمشروع القرار إلا أن الجانب الأمريكي ليس فقط رفضه بل لجأ إلى استخدام أدواته العملاقة في الضغط الاقتصادي والسياسي على الدول الأعضاء من أجل رفضه.

وقال مسؤول فلسطيني لـ”القدس العربي” إن عددا من الدول الأعضاء في المجلس أبلغت رئيس بعثة فلسطين في المنظمة الدولية أنها غير قادرة على دعم مشروع القرار بسبب الضغط الأمريكي.

ولجأ الوفد الفلسطيني إلى تعديل وتخفيف صيغة مشروع القرار مرات عدة في محاولة لمواجهة الضغط الأمريكي على الدول الأعضاء وإقناعها بالتصويت له، لكن محاولاته لم تحقق الكثير من النجاح بسبب حجم الضغط الأمريكي، ما حدا به إلى تأجيل تقديمه من أجل إجراء مزيد من المشاورات والجهود مع تلك الدول.

وقال مسؤول فلسطيني إن الإدارة الأمريكية تستخدم المساعدات الاقتصادية المقدمة إلى العديد من دول العالم الأعضاء في المجلس إلى جانب علاقاتها السياسية مع عدد من الدول الأوروبية مثل بريطانيا وألمانيا من أجل إحباط مشروع القرار.

وألقى الرئيس محمود عباس كلمة في مجلس الأمن الدولي أكد فيها التزامه بخيار الحل السياسي ورفضه لأي شكل من أشكال العنف، ومع ذلك لم يحظ موقفه بأي قبول إسرائيلي أو أمريكي، حيث ألقى مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة كلمة عقب فيها على كلمه الرئيس عباس، معتبرا أن السلام ممكن فقط في حال غياب الأخير.

ويعتزم الرئيس الفلسطيني محمود عباس التوجه إلى العديد من دول العالم من أجل الحصول على دعمها في مواجهة خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتداعياتها. وقال مسؤولون فلسطينيون إن الرئيس عباس سيتوجه إلى عدد من الدول الأوروبية المركزية وحثها على الاعتراف بدولة فلسطين على حدود عام 67 وتبني مبادرات سلام تقوم على إعادة إطلاق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية على أساس حل الدولتين.

وقال المسؤولون إن عباس سيتوجه أيضا إلى عدد من الدول الفاعلة على الساحة الدولية من أجل الغرض ذاته مشيرين إلى سعيه لتشكيل جبهة دولة تقف ضد ضم أي جزء من أراضي دولة فلسطين في المرحلة المقبلة.

ورغم الصعوبات الكبيرة التي يواجهها الفلسطينيون على الساحة الدولية جراء الدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل وسياساتها من استيطان وقتل وتهويد، إلا أن بعض المساحات الدولية فتحت أمامهم ومنها قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، نشر قائمة الشركات الـ 112 التي تمارس أنشطة تجارية في المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وخلت القائمة المنشورة من أي تعابير أخرى سوى كونها قاعدة بيانات بالشركات والكيانات التجارية التي لها أنشطة في المستوطنات، إلا أن الفلسطينيين ابتهجوا لصدورها معتبرين أن ذلك يعبد الطريق أمامهم لفتح معركة واسعة على الساحة الدولية حول لا قانونية المستوطنات، وتاليا مواجهة الخطة الأمريكية التي تسمح لإسرائيل بضم هذه المستوطنات ومعها أجزاء من أرض الدولة الفلسطينية التي تعترف بها المنظمة الدولية وأغلبية دول العالم.

وعلى المستوى الشعبي اعتبرت حركة المقاطعة والعقوبات وسحب الاستثمارات الشهيرة باسم ” BDS” القرار أداة مهمة في حربها الموجهة ضد السياسية الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية على الحلبة الدولية.

وقال مسؤولون في الحملة إن القرار يعبد الطريق أمامهم للعمل على وضع الشركات التي تواصل التعامل التجاري مع المستوطنات على القائمة السوداء.

واعتمد قرار مجلس حقوق الإنسان على مخرجات لجنة تقصي الحقائق شكلتها الأمم المتحدة عام 2013 للنظر في تأثير الاستيطان الإسرائيلي على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للشعب الفلسطيني.

وقال مدير منظمات الأمم المتحدة في وزارة الخارجية عمر عوض الله أن هناك شركات أخرى لها نشاط في المستوطنات، بشكل مباشر أو غير مباشر، وأن الجانب الفلسطيني سيعمل على إضافتها إلى القائمة من خلال المتابعة الدبلوماسية والعمل الحثيث مع مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان لتحديث القائمة بشكل دوري في كل عام.

وأشار إلى أن الجانب الفلسطيني سيتواصل أيضا مع الشركات نفسها لحثها على التوقف عن انتهاك القانون الدولي والانسحاب من المستوطنات. وأضاف: “الشركات التي لا تلتزم ستواجه إجراءات قانونية، أما الشركات التي ستلتزم فسترفع من القائمة”.

وقال أيضا إنه سيجري العمل مع دول العالم على تنفيذ المبادئ التوجيهية للأعمال التجارية وحقوق الإنسان، لضمان التزام الشركات بعدم انتهاك تلك الحقوق وعدم العمل مع كيانات غير شرعية بموجب القانون الدولي كالمستوطنات الاسرائيلية.

وجاء قرار مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بعيد إصدار المدعية العامة لمحكمة الجنايات الدولية فاتي بن سودا قراراها قبول الشكوى الفلسطينية المقدمة بشأن جرائم الحرب الإسرائيلية خاصة الاستيطان وعمليات استهداف المدنيين في الحرب على قطاع غزة عام 2014.

ويرى الفلسطينيون أن قرار المدعية العامة الذي جاء بعد دراسة متأنية معمقة استمرت سنوات عدة، سيشكل أساسا مهما في مواجهة الخطة الأمريكية التي تسمح لإسرائيل بالاستيطان في الأرض الفلسطينية المحتلة وضمها إلى الدولة العبرية المحتلة.

وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الدكتور أحمد مجدلاني لـ”القدس العربي” إن محكمة الجنايات الدولية ستشكل ساحة مهمة لمواجهة الخطة الأمريكية. وأضاف: “محكمة الجنايات الدولية ستقف ضد قيام إسرائيل بضم المستوطنات أو أي أجزاء من أرض فلسطين المحتلة، وفي حال قيامها بذلك فإن المحكمة ستلاحق المسؤولين عن القرار في أي منطقة يتواجدون فيها في العالم”.

وقال: “سيكون المسؤولون الإسرائيليون مطلوبين للمحكمة في أي دولة يدخلون إليها”.

وسيعمل المسؤولون الفلسطينيون على ملاحقة الشركات العاملة في المستوطنات في محكمة الجنايات الدولية أيضا.

وقال أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات إن الجانب الفلسطيني سيوجه في الأيام المقبلة رسائل رسمية إلى الدول التي تنتمي إليها هذه الشركات الواردة في قائمة مجلس حقوق الإنسان لمطالبتها بإغلاق مقارها وفروعها وإنهاء أنشطتها التجارية والاستثمارية في المستوطنات.

وأضاف: “في حال عدم استجابة هذه الشركات لمطالبنا سنلاحقها قضائيا في المحاكم الدولية، وسنطالبها بتعويضات على خلفية استغلالها للموارد والأرض الفلسطينية”.

واعتبر عريقات قرار مجلس حقوق الإنسان انتصارا كبيرا لفلسطين لأنه يأتي رغم الضغوط الأمريكية والإسرائيلية. وقال إن هذا الانتصار يحمل مغزى كبيرا لأنه يأتي بعد صدور خطة الرئيس الأمريكي ترامب التي تشكل دعما لسياسة الاحتلال الإسرائيلي في الاستيطان وفي ضم المستوطنات.

وقال مندوب فلسطين في مجلس حقوق الإنسان إبراهيم خريشة إن أي شركة تصر على العمل في المستوطنات سيتم تصنيفها ضمن الشركات المخالفة للقانون وإن الجانب الفلسطيني سيعمل على متابعة جميع الشركات المخالفة بشكل مدروس من قبل مجموعة من الخبراء والفنيين المختصين.

وإلى جانب آثاره السياسية الخطيرة يخلف الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية آثارا اقتصادية كبيرة.

وأشار تقرير أخير لصندوق النقد الدولي إلى أن خسائر الاقتصاد الفلسطيني جراء الاستيطان اليهودي تبلغ أكثر من ثلاثة مليارات دولار سنويا، موضحا أن الفلسطينيين لن يكونوا في حاجة إلى أي مساعدات خارجية في حال  انتهاء الاحتلال والاستيطان.

وجاء قرار مجلس حقوق الإنسان بعد أشهر من قرار للمحكمة الأوروبية بوسم منتجات المستوطنات المستوردة إلى دول الاتحاد الأوروبي.

وقال وزير الاقتصاد خالد عسيلي: “سنتوجه إلى المحكمة الأوروبية لاستصدار قرار بمنع منتجات المستوطنات من دخول الأسواق الأوروبية بشكل تام، وعدم الاكتفاء بوسمها، كما يفتح المجال لأي مواطن في إحدى الدول الأوروبية لرفع دعاوى أمام محاكم بلاده لمنع منتجات المستوطنات”.

وقال وزير العدل محمد شلالدة إن وزارتي العدل والخارجية تعملان على إعداد تصور من أجل ملاحقة ومساءلة الشركات العاملة في المستوطنات، والعاملين فيها من مختلف الجنسيات باعتبارهم مرتكبي جرائم بحق الشعب الفلسطيني، مطالبا الأمم المتحدة بالإسراع في وضع اتفاقية دولية تحرّم مشاركة الشركات من كل دول العالم في دعم ومساعدة الاستيطان بجميع أشكاله.

ويعد الفلسطينيون أيضا للعمل مع عدد من الدول العربية لرفض التعاطي مع تطبيقات المشروع الأمريكي. وقال مسؤولون لـ”القدس العربي” إن الرئيس محمود عباس سيجري زيارات واتصالات مع عدد من الدول العربية الفاعلة في المنطقة من أجل حثها على رفض التعاطي مع أي تطبيقات إسرائيلية للخطة الأمريكية مشيرا إلى أنها تستهدف الأرض والمقدسات.

ويرى الفلسطينيون أن الانفتاح المتزايد الذي تبديه بعض الدول العربية مع إسرائيل يشكل رصيدا سياسيا مهما لدولة الاحتلال في سعيها لضم وتهويد الأرض الفلسطينية والمقدسات. وأشار غير مسؤول إلى أن الرئيس عباس سيعمل في المرحلة المقبلة على وضع الدول العربية أمام مسؤولياتها تجاه القدس والمقدسات لمواجهة إجراءات الضم والتهويد الإسرائيلية الجارية بغطاء ودعم أمريكيين مفتوحين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية