في محاولة يائسة: عباس أمام الاختبار الأخير في الأمم المتحدة

حجم الخط
2

“لسنا ضد اليهود. نحن مسلمون. والمسلم الذي يقول بأنه ضد اليهود أو ضد التوراة هو كافر”. قال هذا ليس مفتياً مسلماً، بل محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية. كان هذا جزءاً من الخطاب الذي ألقاه في مجلس الأمن في الأسبوع الماضي. هذه جملة شجاعة وبعيدة المدى ولم تُسمع من قبل من أي زعيم فلسطيني، ولا حتى من ياسر عرفات الذي وقع على اتفاق أوسلو.

 هذه كانت أقوالاً تلقائية، ويبدو أنها لم تكن في خطابه المكتوب. وليس مؤكداً أن من صاغوا الخطاب قد فرحوا لسماعها. هذه الجملة يمكن أن تثير انتقاداً شديداً ضد عباس من قبل تنظيمات المعارضة الفلسطينية، وعلى رأسها حماس، التي تعتبر “خطة القرن” فرصة لتوحيد الصفوف وجر السلطة الفلسطينية إلى تحطيم الأدوات مع إسرائيل.

 ولكن أبو مازن غير قلق مما تفكر فيه المعارضة، والأكثر أهمية بالنسبة له هو إقناع أعضاء مجلس الأمن ودول الرباعية بأن السلطة الفلسطينية، لا حماس التي ما زال عدد من قادتها مأسورين بكراهية اليهود، هي العنوان الوحيد لقيادة التسوية السياسية. يفضل أبو مازن إدارة صراع دبلوماسي وسياسي ضد خطة القرن بدل ضبطه بعناق الدب الذي تقترحه تنظيمات المعارضة الفلسطينية من اليسار واليمين، والانجرار إلى مواجهة عنيفة مع إسرائيل. وجملة “ليكن ما يكون.. لن نتوجه للأعمال الإرهابية. فنحن لسنا إرهابيين”، تلك دوت في خطابه مرة تلو الأخرى إضافة إلى أقواله عن السلام والشراكة والجيرة الحسنة، في محاولة يائسة لإقناع مجلس الأمن بأن الوقت قد حان لمكافأته ومكافأة السلطة الفلسطينية على هذا الموقف.

 من الصعب عدم التأثر من استمرار هذا الشخص الذي يطرق منذ أكثر من عقد باب الأمم المتحدة من أجل إقناع الدول الأعضاء فيها بمنحه أملاً للشعب الفلسطيني والاعتراف بحقه في إقامة دولته على حدود حزيران 1967 إلى جانب دولة إسرائيل. وفي خطابه الذي ألقاه في أيلول 2014 في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، اقتبس محمود عباس من قصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش: “نحن مصابون بمرض لا شفاء منه، الأمل”. وفي هذه المرة، أراد التوسل: “لا تقتلوا أمل الشعب الفلسطيني”.

 الجمعية العمومية للأمم المتحدة تحولت إلى حائط مبكى الفلسطينيين، ومحمود عباس يواصل القدوم إلى هذا الحائط مرة تلو الأخرى، رغم معرفته بأنه لا يوجد أي احتمال للحصول على أي شيء طالما هناك حق فيتو أمريكي. عباس خائب الأمل من الأمريكيين، لكنه حافظ في هذا الخطاب على ضبط النفس. وقد عاد وقال “لا لخطة القرن”، لكنه حرص على القول بأنها ليست فعل ترامب، بل نتيجة نصائح سيئة قدمت له. “ترامب ليس شخصاً كهذا. فأنا أعرفه. كانت بيننا محادثات جيدة جداً”، قال محمود عباس، وأوضح أن هناك أعضاء في الكونغرس وفي مجلس الشيوخ، و300 ضابط كبير خدموا في الجيش الإسرائيلي يقفون إلى جانبه في النضال ضد الخطة.

 محمود عباس يريد الإقناع بأن خطة أحادية الجانب تفرض على الفلسطينيين لن تصنع السلام. وإذا فقد الشعب الفلسطيني أمله، فكل شيء سيتفجر. ومن أجل التخلص من التأثير السيئ للمستشارين الأمريكيين، ربما بدأ يفهم بأن عليه أن يقنع الإسرائيليين ودول الرباعية بأن الطريقة الأفضل من أجل التقدم نحو السلام والأمن هي إجراء المفاوضات المباشرة أو من خلال مؤتمر دولي.

 يذكّر محمود عباس أعضاء مجلس الأمن بمحاولة إسرائيل والفلسطينيين الناجحة في المفاوضات المباشرة التي أدت إلى اتفاق أوسلو، الذي يطلق عليه “الاتفاق الانتقالي” الأفضل. وقد التقى أيضاً رئيس الحكومة الأسبق إيهود أولمرت، وتوصل معه إلى تفاهمات ربما كانت ستؤدي إلى اتفاق لولا المحاكمة وعقوبة السجن التي فرضت على أولمرت. اللقاء الحالي يمكن أن يعطي إشارات للجمهور الإسرائيلي بأن محمود عباس يريد العودة إلى تلك التفاهمات.

 في نهاية حياته السياسية، يفهم عباس بأنه قد فوت عدداً من الفرص لتحقيق حل سياسي، ولا يجدر به أن يضع نفسه في صف واحد مع الحاج أمين الحسيني، الذي أنزل رفضه لخطة التقسيم النكبة على الفلسطينيين. وهو بالتأكيد يسمع نصائح السياسيين الفلسطينيين المخضرمين مثل زياد أبو زياد، بألا يرفض خطة القرن حتى لا يكون هذا خطأ مثل رفض خطة التقسيم.

لـ”أبو زياد” الكثير من الانتقاد للخطة، ولكنه يعتقد بأن الطريقة الأفضل والناجعة لمواجهتها هي الموافقة على الأجزاء الجيدة فيها والنضال من أجل تحسين الأجزاء السيئة من خلال مؤتمر قمة دولي. عباس الذي يعتبر في أوساط الكثيرين زعيماً رمادياً ووريثاً غير ناجح لعرفات، حيث حدث الانقسام الوطني الأشد والأكثر إيلاماً للشعب الفلسطيني في ولايته، يقف الآن أمام الاختبار الأخير، وربما الأهم في حياته السياسية.

أظهر عرفات شجاعة كبيرة عندما وقع على اتفاق أوسلو (بل وسماه “سلام الشجعان”). أما عباس فسيحتاج إلى واقعية سياسية وذكاء سياسي – ما يسمونه بالعربية “شطارة”. وهذا الاتفاق إذا تم التوقيع عليه يمكن أن نسميه “سلام الحكماء”.

بقلم: رونيت مرزان 

 هآرتس 16/2/2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية