عملية مزارع شبعا ..التفسيرات والدلالات

حجم الخط
3

دوافع وأسباب كثيرة جرى تقديمها لتفسير عملية مزارع شبعا التي نفّذتها المقاومة اللبنانية (حزب الله) وأدت إلى تدمير مدرّعة إسرائيلية وجرح اثنين من طاقمها:
قيل ان تنفيذ العملية باسم «مجموعة الشهيد حسن حيدر» (استشهد قبل نحو شهرين بتفجير العدو عبوة ناسفة مزروعة في جهاز تنصّت في بلدة عدلون الجنوبية) أكّد المنحى الثأري للعملية على قاعدة «دم بدم».
قيل انها نُفذت بغية لجم اعتداءات العدو التي تلاحقت في الفترة الأخيرة وكان آخرها قصف موقع للجيش اللبناني في جبل السدانة ما ادى إلى جرح أحد جنوده.
قيل انها ردٌ محسوب على عملية بريتال الأخيرة التي حاولت خلالها جبهة «النصرة» و»داعش» اجتياح مواقع عدّة لحزب الله على سلسلة الجبال الشرقية بين لبنان وسوريا بقصد الوصول إلى بلدات وقرى لبنانية لاتخاذها ملاذات آمنة للوقاية من ثلوج الجبال وصقيعها من جهة ومواقع لاستدارج حزب الله واستنزافه بعيداً عن العدو الإسرائيلي من جهة أخرى.
قيل انها عملية هادفة إلى تأكيد الوجهة الأصلية لسلاح حزب الله التي كانت وما زالت «إسرائيل»، وانه لن يضيّع البوصلة في صراعه مع العدو.
قيل انها ردٌ على وهم الاعتقاد بان المقاومة باتت عاجزة أو محشورة أو متدنية الجهوزية بفعل مواجهتها للمجموعات المسلحة في عمق سوريا كما على حدودها مع لبنان.
قيل انها نُفذت لتذكير العدو الطامع كما الصديق الغافل ( أو المتغافل) بأن مزارع شبعا أرضٌ لبنانية محتلة ينبغي تحريرها بكل الوسائل المشروعة.
الحقيقة ان العملية، التي فاجأت العدو الإسرائيلي كما الصديق اللبناني الغافل أو المتغافل، تحتمل كل التفسيرات السابقة الذكر كما تنطوي على الكثير من الدلالات في هذه الآونة. غير ان ذلك يجب ألاّ يحجب التداعيات التي يمكن ان تنجم عنها عاجلاً أو آجلاً.
ثمة حقيقة ساطعة لا يمكن إغفالها هي ان بلدان مشرق العرب تعاني منذ نحو ثلاث سنوات حرباً إقليمية يشارك فيها لاعبون إقليميون كما دول كبرى. صحيح ان الدول الكبرى المشاركة فيها والجهد الكبير الذي تبذله في مختلف ميادينها يجعل الحرب، بمعنى من المعاني ، حرباً عالمية، إلاّ ان مسارح العمليات العسكرية ومفاعيلها المباشرة على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية غلّبت عليها الصفة الإقليمية بالدرجة الأولى … حتى إشعار آخر.
اللاعبون الإقليميون يشاركون في الحرب بأشكال ووسائل مختلفة. بعضهم يشارك بالتمويل والتسليح ، وبعضهم الآخر يشارك بالدعم السياسي والإعلامي . غير ان تطورات الحرب ولاسيما بعد سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية – داعش» على الموصل وأجزاء واسعة من غرب العراق وشمال شرق سوريا، حملت أطرافاً في الفريق الأول على تطوير مشاركتها من حال التمويل والتسليح إلى حال الانخراط الفعلي في عمليات القصف الجوي لمواقع «داعش» في إطار غارات سلاح الجو الأمريكي عليها.
ثمة حقيقة إضافية هي ان اللاعبين الإقليميين المشاركين في الحرب ليسوا دولاً كلهم، ذلك ان بعضهم كيانات قوية لها بعض مواصفات الدول وفعاليتها. حزب الله ليس دولة إنما كيان قوي له فعالية إقليمية بدليل انه خاض حرباً ناجحة ضد إسرائيل العام 2006 وينخرط حالياً بفعالية ملحوظة ضد مجموعات المعارضة المسلحة في سوريا. كذلك حال تنظيم «داعش» فهو أيضاً كيان قوي له فعالية إقليمية بدليل انه يخوض الحرب ضد حكومتي العراق وسوريا ويقاتل الجيش اللبناني داخل بلاده (في منطقتي عرسال وبريتال) ويحاول مع مجموعات إرهابية حليفة نقل الحرب إلى مواقع أخرى داخل لبنان كوادي البقاع الشمالي ومنطقتي طرابلس وعكار.
إلى ذلـك تتعـاون «إسرائيل» مع «داعش» وتنظيمـات متحالفـة معـه
(كـ «النصرة» مثلاً) في المنطقة المحررة من الجولان السوري كما على طول الحدود اللبنانية – السورية. في الشهرين الماضيين تمكّنت هذه التنظيمات من إقامة منطقة «جدار طيب» بين سوريا والجولان المحتل يُراد لها ان تشكّل نواةً لمنطقة عازلة واسعة تمتد إلى سفوح جبل الشيخ ( حرمون ) بين الجولان المحتل ومنطقة شبعا في جنوب شرق لبنان. خطورة المسألة تكمن في تداعيات اندحار جبهة «النصرة» و«داعــــش» في معركتي بريتال وعسّال الورد الأخيرتين أمام مقاتلي حزب الله وردهما المحتمل عليه. بعض المراقبين يعتقد انهما سيردان في منطقة عرسال المجاورة . بعضهم الآخر يرجّح ان يكون الرد في منطقة شبعا حيث لا وجود ظاهراً لحزب الله.
تلاحظ أوساط قيادية في حزب الله ان ثمة تزامناً يخفي تواطئاً بين العملية النصراوية – الداعشية في جوار بريتال وعملية جبل السدانة الإسرائيلية في قلب مزارع شبعا. هل يؤشّر هذا التزامن (والتواطؤ) إلى أمر غير عادي ؟
نعم ، أرى ان من جملة الرسائل التي أراد حزب الله ان يبعث بها إلى «إسرائيل» من خلال عملية مزارع شبعا الأخيرة واحدة هي الآتية : إذا كنتم تفكرون بدعم «داعش» وأخواتها لتوسيع المنطقة العازلة في الجولان المحتل وصولاً إلى منطقة شبعا اللبنانية بقصد الالتفاف على وجود المقاومة فـي منطقـة لبنان الجنوبـي المواجهـة للكيان الصهيوني فاعلموا اننا مستعدون لمواجهتكم بفعالية، وان ما لدينا من قوة وقدرات كفيلة بدحركم وحلفائكم ونقل الحرب إلى عمقكم.
بكلام آخر: حزب الله يتوقع ان يتأتّى عن الحرب الإقليمية المحتدمة فتحُ جبهة داعشية ضده في جنوب شرق لبنان بدعم سافر من إسرائيل، وانه في هذه الحال لن يتوانى عن مواجهة العدو الأصلي كما العدو الفرعي بقوة وفعالية قد يتأتّى عنها نقل الحرب إلى عمق «إسرائيل» .
وثمة احتمال آخر أيضاً : ان يؤدي تفعيل جبهة لبنانية ضد «إسرائيل» في شمالها إلى تفجير جبهة فلسطينية ضدها في جنوبها (قطاع غزة) ما يؤدي إلى وقوعها بين فكي كماشة صاروخية مدمرة وقاتلة وصانعة لمصير قاتم للكيان الصهيوني بعد مرور 66 سنة على زرعه في أرضنا …

٭ سياسي وكاتب لبناني

د. عصام نعمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية