أنطاكيا – «القدس العربي»: منذ سيطرة قوات المعارضة السورية الموالية لتركيا على مناطق عدة في شرق الفرات، ضمن ما يُعرف بعملية «نبع السلام» التي اطلقتها تركيا ضد قوات سوريا الديمقراطية («قسد»)، ظل اختلال الامن مسيطراً على المشهد في مدن تل أبيض ورأس العين وأريافهما.
فالتفجيرات لازالت تشكل الخوف الأكبر للسكان، فلا تكاد تمر أيام، حتى يحصل في المنطقة تفجير بسيارة مفخخة وآخرها التفجير الذي تم في بلدة «سلوك» يوم الخميس الماضي، وقبلها انفجار مفخخات في مدينتي رأس العين ومدينة تل أبيض.
الناشط محمد الشامي يعلق «أن السيارات المفخخة باتت تشكل رعباً للمدنيين في مناطق «نبع السلام» حيث أغلق عدد كبير من المدنيين محلاتهم التجارية، ومن كان يسكن بالقرب من مقرات فصائل «الجيش الوطني» ترك منزله. التفجير الأخير في رأس العين في شهر كانون الثاني/يناير الماضي راح ضحيته أربعة عناصر من الجيش التركي، حيث انفجرت سيارة مفخخة في قرية الأربعين جنوبي رأس العين، وفي السادس عشر من الشهر نفسه انفجرت سيارة مفخخة قرب أحد مقرات فصيل «أحرار الشرقية» في بلدة سلوك شمال الرقة، وأسفر عن مقتل ستة عناصر من الفصيل المذكور بينهم قياديون، إضافة لضابطين من الجيش التركي، وعقب التفجير اندلعت اشتباكات بين «احرار الشرقية» وفصيل الفرقة 20 التابع لفيلق الشام، والمنضوي تحت راية الجيش الوطني، بعدما اتهم الفصيل الثاني بالضلوع بعملية التفجير، لتقوم قوى أمنية تابعة لفصيل أحرار الشرقية بمداهمة مقرات الفرقة 20 في مناطق متفرقة في عفرين والباب وجرابلس ورأس العين وسلوك، وتم خلال المداهمة اعتقال عدد من عناصر الفرقة 20 في الشمال السوري ومصادرة أسلحتهم، لتنتهي المشكلة بتدخل الجيش التركي وإحالة المتهمين للقضاء العسكري وفتح تحقيق بالحادثة.
ويضيف معلقاً على الانفلات الأمني: «لازالت انتهاكات الفصائل في الشمال مستمرة بحق المدنيين من سرقات وخطف «وتشليح»، بل وصل الأمر ببعض الفصائل أنها قامت بفرض اتاوات على الأهالي اثناء مرورهم بحواجز تلك الفصائل أسوة بأفعال حواجز النظام السوري، فمثلاً قامت تلك الفصائل بوضع تسعيرة مرور على سكان رأس العين وريفها تضمنت التسعيرات التالية:
1- وضع مخالفة قيمتها تتراوح من 500 – 1000 ليرة سورية على السيارات التي تدخل لسوق الحيوانات قرب صوامع تل حلف.
2- ضريبة 1000 ليرة على زراعة الأراضي الزراعية الواقعة جنوب منطقة المناجير.
3- أخذ نسبة من ثمن القطن المُباع للتجار في قرية علوك غربي.
4- وضع إتاوة قدرها 3000 ليرة على المرور بحاجز أم عشبة.
5- إتاوة حسب الحمولة وحجم السيارة تتراوح من 500 – 5000 على كل السيارات التي تمر بحاجز الصناعة.
وبخصوص السرقات، يقول الناشط الشامي ان العديد من أهالي قرى ريف رأس العين اشتكوا من ﺗﺠﺎﻭﺯﺍﺕ عناصر ﺍﻟﺠﻴﺶ الوطنيﺍﻟﻤﺘﻮﺍﺟﺪﻳﻦ ﻓﻲ ﻗﺮى ﺍﻟﻌﺎﻣﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﺤﻤﺪﺍﻧﻴﺔ ﻭﺍلأﺭﺑﻌﻴﻦ ﻭﻟﻴﻼﻥ ومن هذه التجاوزات كانت ﺳﺮﻗﺔ كابلات ﺍﻟﻜﻬﺮﺑﺎﺀ، وﺳﺮﻗﺔ اطنان من الحبوب «ﺷﻌﻴﺮوالقمح» تعود ملكيتها للأهالي ﻣﻦ ﻗﺮﻳﺔ ﺍﻟﺤﻤﺪﺍﻧﻴﺔ، كما قاموا بسرقة العشرات من ﺑﻴﻮﺕ ومنازل ﺍﻟﻤدنيين وفي تلك القرى وقاموا باﻻﻋﺘﺪﺍﺀ عليهم ﺑﺎﻟﻀﺮﺏ ﻭﺍﻟﺸﺘﺎﺋﻢ وسرقة كل ما يجدونه في المنزل من أدوات كهربائية ودرجات نارية ومولدات كهرباء وغيرها.
وتشير المصادر المحلية، إلى ان معظم الأهالي لا يستطيعون تقديم الشكاوى بحق هؤلاء العناصر خشية الانتقام منهم، وإلى اليوم لم تسمح فصائل المعارضة لأهالي قرى ليلان والعامرية بالعودة إلى بيوتهم كون أعمال السرقة لازالت جارية هناك، كما ان الأمر لا يتوقف عند السرقات فحسب، فأحياناً يصل للقتل بهدف السرقة، ففي الثاني من شهر يناير المنصرم احتشد المئات من أهالي مدينة تل أبيض أمام المقرات الأمنية والعسكرية لفصائل المعارضة، مطالبين بالقصاص من أحد عناصر الجيش الوطني بعد إدانته بقتل شاب من أهالي المنطقة.
ومن الفوضى وانتهاكات فصائل المعارضة إلى الفساد المستشري في المنطقة، حيث تحفل مناطق نبع السلام بعمليات فساد علنية طالت جميع المؤسسات والقطاعات الخدمية حسب الناشط زين العابدين العكيدي الذي يوضح أن الفساد في المنطقة طال جميع المؤسسات وحتى المنظمات الاغاثية، «فمنذ سيطرة قوات المعارضة الموالية لتركيا على مدينة تل أبيض أي منذ حوالي اربعة شهور، لم يتم توزيع أي شيء على أهالي المدينة من قبل المنظمات الإنسانية العاملة هناك، والتوزيع فقط لأقارب مسؤولي وموظفي المنظمات هناك، وبات عمل منظمة «أفاد» في المنطقة اشبه بالتمثيلية، حيث يقوم موظفو المنظمة المذكورة بجلب كمية معينة من اللباس لمدرسة او مدرستين في تل ابيض ورأس العين ويقومون بجمع الأهالي وأخذ الصور معهم، ثم يرحلون، وبالنسبة لخدمات البلدية في المنطقة فهي متواضعة جداً، ولليوم ومنذ أربعة اشهر لم يستلم عمال النظافة في بلدية تل ابيض رواتبهم، بينما أعضاء البلدية يستلمونها باستمرار وبدون انقطاع». ويضيف الناشط زين العابدين بأن افران الخبز لا تعمل باستمرار، فلجنة المطاحن في تل ابيض تطلب الطحين من الجانب التركي.
الناشط أحمد الوافد يعلق قائلاً أنه من المفترض ان تكون المنطقة الآمنة التي وعدت بها تركيا أفضل حالاً، ولكنها مأساوية، حيث تفتقر المنطقة للخضار والخبز والمحروقات بأسعار مقبولة، فقد باتت أسعار هذه السلع باهضة جداً، إن وجدت، فلا شيء يأتي من تركيا الا البسكويت، وقليلاً ما تأتي خضار وفواكه ولحوم من الجانب التركي.
مصاعب الحياة في مناطق «نبع السلام»، تشمل ايضاً البطالة، فالوظائف في مجال التعليم والمجال الصحي تتم بالواسطات حصراً، وحسب مصادر محلية فإن اللجنة التركية في مناطق نبع السلام قامت بتعيين عدد من المعلمين، ليتفاجأ هؤلاء لاحقاً، بانه قد تم فصلهم.
هذه الأوضاع من فوضى وانفلات أمني وفساد إداري، والبطالة، دفع بالعشرات من أهالي المنطقة للنزوح عنها باتجاه مناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» في محافظتي الحسكة والرقة، وعدد كبير منهم دخل الأراضي التركية، حسب العكيدي الذي يضيف «أن أعداداً كبيرة من سكان تل ابيض وسلوك ورأس العين هاجروا نحو الحسكة والرقة وتركيا».