لندن – ماونغ زاني: مثّل قرار محكمة العدل الدولية في 23 يناير/ كانون الثاني الماضي، القاضي بحماية الروهينجا والتحفظ على مواقع الجرائم، أملا للملايين من الروهينجا في الشتات وداخل ميانمار، وفي مخيمات اللجوء ببنغلاديش.
وكان هذا القرار الذي اتخذ في القضية التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار في “العدل الدولية”، أبرز موقف للمجتمع الدولي تجاه الروهينجا، منذ بدء تعرضهم للتمييز العنصري، والحرمان والتهجير والترحيل الذي قامت به الأجهزة الأمنية في ميانمار.
الذكرى 42
وفي 12 فبراير/ شباط الجاري، صادفت الذكرى الثانية والأربعين لأول حملة تطهير عرقي مورست ضد الروهينجا، نفذها قائد القوات العسكرية في ذلك الوقت الجنرال ني ون، بالتعاون مع قوات الشرطة وبعض المؤسسات المدنية مثل وزارة الشؤون الدينية وبعض فروع المخابرات.
وللمفارقة فإن هذا التاريخ يمثل أيضا اليوم الذي تحتفل فيه ميانمار بـ”يوم الاتحاد”، الذي الذي قررت فيه الأغلبية البورمية البوذية وأقليات قومية أن يتحدوا في دولة فدرالية واحدة عام 1947، وفي اليوم ذاته، قامت سلطات ميانمار بترحيل مئات الآف الروهينجا بولاية راخين (أراكان) رغم امتلاكهم أوراق هوية رسمية.
ثم توالت الحملات العسكرية على الإقليم الواقع شمالي ميانمار، والتي تمت على مرحلتين أساسيتين، الأولى على راخين في 12 من فبراير 1978، والثانية داخل مدن الإقليم الشمالية.
وخلال هذه الحملات العسكرية، استخدمت القوات الحرق والذبح والاغتصاب ضد شعب الروهينجا الأعزل المسالم، كما نقلت الصحف الصادرة من بنغلاديش وباكستان آنذاك.
ونجم عن هذا الإرهاب الممارس بتدخل عسكري مباشر من الهند، أول موجات النزوح الكبيرة للروهينجا، وبلغت 250 ألف نازح لبنغلاديش.
أسطورة الإرهاب الإسلامي
وعبر خين نوينت، الجنرال السابق في جيش ميانمار ورئيس المخابرات الحربية، عن نسبة المسلمين الذين لم يكن لديهم أوراق هوية من ميانمار أو المقيمين بشكل غير قانوني فيها، حسب تعبيره، بنحو ألف و101 شخص من أصل أكثر من 234 ألف نسمة.
وتشير تلك الأرقام الضئيلة للوجود غير القانوني للمسلمين إلى فداحة ممارسات حكومة ميانمار من أجل حماية حدودها مع بنغلاديش، الدولة التي يشكل المسلمون أغلبية فيها.
وقال ثورا يو تن أو، القائد السابق للقوات المسلحة الميانمارية، في سيرته الذاتية التي صدرت في مجلدين تحت عنوان، “رحلة ميانمار نحو الديمقراطية”، والذي أقر بقيامه شخصيا أثناء توليه منصب القائد الإقليمي لراخين، بترحيل أكثر من 11 ألفا و380 شخصا، من الروهينجا الذين زعم انهم يقيمون بشكل غير قانوني في ميانمار إلى غرب باكستان.
وقال في كتابه إنه جعلهم “يمشون تلك المسافات الحدودية بين ميانمار وباكستان سيرا على أقدامهم، في دفعات تتكون من مئات الأشخاص”.
وأضاف: “هؤلاء كانوا يجرون أقدامهم مترددين في عبور الحدود، ولهذا كان علينا أن نبقي أسلحتنا قيد الاستعداد، وتصويبها نحوهم حال فكروا في التراجع، وتحت هذا التهديد الحقيقي بالعنف، فرت هذه الجحافل فورا إلى شرق باكستان”.
وحسب شهادة هذين القائدين، انخفض عدد المهاجرين من الحدود الغربية لميانمار من 111 ألفا 380 شخصا عام 1959، إلى ألف ومئة عام 1978.
ورغم ذلك استمرت وزارة الدفاع البنغالية ووسائل الإعلام الموالية للسلطات في نشر أسطورة أن ميانمار تواجه تهديدا حقيقا يتمثل في التدفق الكبير وغير المنضبط لـ”البنغاليين” الذين يأخذون “نساءنا البوذيات” سبايا، ويستولون على “أراضينا البوذية” ويضعون أيديهم على “قرانا البوذية”.
وفي كتابيّ “تن أو و خين نيونت” اللذان كانا خبيرين في المنطقة لم يرد استخدامهما أبدا للإرهاب الإسلامي سواء من الروهينجا أو البنغال، بالرغم من السيطرة الإسلامية على الحدود البنغالية.
وبالرغم من توقف هجرة المسلمين من شرق باكستان أو بنغلاديش إلى داخل ميانمار حسبما ورد في كتابيهما وخطاباتهما الرسمية وغير الرسمية، إلا أن محاولات الجيش الميانماري لم تتوقف عن مهاجمة إقليم راخين، لتحقيق رؤية الحكومة الأيديولوجية للإقليم، حتى يكون بوذيا خالصا.
القضاء على الروهينجا
وذكر نوينت في مقدمة كتابه أن الغاية العليا التي ساعدت قوات ميانمار في “القضاء على الروهينجا وتدميرهم”، هو أن يكون إقليم راخين ككل دولتهم، “خاليا من المسلمين والبنغال”.
وبدءا من 2012 واندلاع موجة عنف جديدة ضد الروهينجا، يسعى القادة في ميانمار بمن فيهم زعيمة البلاد أونج سان سو، تقديم مبررات للعالم حول الجرائم ضد الروهينجا، بذريعة وجود “محاولات للتمرد، ومشكلات اقتصادية، وإرهاب إسلامي”.
غير أن أصل المشكلة الدائمة والتدمير المؤسسي للروهينجا هو أنهم مسلمون.
ولهذا فإن تصنيف الروهينجا في إطارهم الديني كمسلمين هو ما يجعل سياسات ميانمار تصنف “تطهيرا عرقيا”. (الأناضول)