عرف العالم العربي لأكثر من قرن من الزمن جدلاً لا ينتهي حول طبيعة الدولة والأيديولوجيا السائدة فيها. وكثيراً ما تم التأكيد على طابع علماني لقوى سياسية وصلت إلى السلطة، وفرضت أيديولوجيتها على المجتمع وجهاز الدولة: البعثية والناصرية أو تنويعات الاشتراكية العربية، كما تمت ممارستها في اليمن الجنوبي مثلاً. تعزز هذا الجدل بعد أن أصبح تحديد ما هو ديني أو علماني أمراً شديد التعقيد، مع ظهور ميل بحثي معاصر لتجاهل التعريف القانوني الأكثر وضوحاً للعلمانية، بوصفها مبدأي حياد الدولة الديني والسيادة الشعبية، المنصوص عليهما دستورياً، لحساب طروحات، لا تتسم بكثير من الاتساق، وقابلة جداً للتأويل وإعادة التأويل، عن ممارسات سلطوية تشكل حقيقة العلماني.
بعيداً عن هذا الجدل، فإن السؤال الذي يبدو أكثر أهمية هو لماذا لم تنجح أيديولوجيات سلطوية علمانية، كانت فعالة ومؤثرة في العالم العربي لعقود من الزمن، في صياغة «ذات قانونية» معلمنة، أي وضع قانوني يؤمن للأفراد الحد الأدنى من الحريات الشخصية، ويسمح لهم بقدر من التحرر النسبي من الأحكام الدينية والاجتماعية التقليدية؟ بعبارة أخرى: لماذا لا تزال تصنيفات مثل الكفر والشرف والعار، بكل معانيها التراثية والتقليدية، ضاغطة على سلوك الأفراد ومؤثرة في مصائرهم؟ ولماذا لم ينسحب الدين والعرف إلى مجال مخصوص ومحدود في العالم العربي، كما يفترض بالدول العلمانية الحديثة وأسلوبها في «الحوكمة»؟ وإذا استخدمنا مصطلح «الخروج من الدين» للمفكر الفرنسي مارسيل غوشيه، أي أن الدين لم يعد المنظور الوحيد اجتماعياً، بل واحداً من منظورات كثيرة، لا أفضلية له عليها، فكيف لم تتمكن أجيال من العلمانيين العرب المفترضين، من الذين امتلكوا كل عنف وسلطة الدولة، من تحقيق هذا الخروج؟
ربما كان التفكير في القضايا المركزية للأيديولوجيات العربية العلمانية مفيداً للإجابة عن هذه الأسئلة، إلى أي مدى حملت هذه القضايا منظورات متمايزة عن المنظور الديني؟ وهل يمكننا أن نجد فيها محاولات لعلمنة المفاهيم التقليدية عن الجماعة والأمة، أو حيزاً لبروز مفهوم حقوقي ما عن الحريات الفردية والاجتماعية؟
قضايا العرب المركزية
ارتبطت كثير من القضايا العربية التي اعتُبرت مركزية في القرن الماضي بسياق عالمي حديث إلى حد كبير، وهو «التحرر الوطني» في إطار الحرب الباردة، أي سعي المستعمرات السابقة إلى نيل استقلالها وسيادتها، وبناء دول محلية تتعامل مع الأرث الاستعماري بمفاهيم جديدة عن الوطنية، ورغم هذه العالمية يمكن رصد سمة أساسية في قضايا «التحرر» العربي: سواء كان الحديث عن القضية الفلسطينية، أو الوحدة العربية أو مواجهة الإمبريالية أو تحرير الدول والأراضي المغتصبة، يمكن بسهولة طرح هذه القضايا باللغة الدينية، بدون أي حاجة لـ«ترجمة» علمانية.
فلسطين أرض عربية مسلمة، فيها أولى القبلتين وثالث الحرمين، كانت وقفاً إسلامياً واغتصبتها عصابات يهودية. الوحدة العربية في جانب منها استعادة لزمن الخلافة الإسلامية، عندما كان الإسلام متفوقاً على الغرب الغارق في الظلمات. والفرق الوحيد بين القوميين والإسلاميين في هذا السياق هو تحديد الرقعة الجغرافية التي يجب أن يعاد عليها بناء الامبراطورية: العالم العربي أم العالم الإسلامي. مواجهة الإمبريالية ارتبطت بأمثلة تاريخية عن مواجهة الروم، وأحياناً الفرس المجوسيين، وحماية ديار الإسلام من اعتداءات الكفار. الثورة الجزائرية على سبيل المثال، التي تعتبر واحدة من أهم ثورات التحرر الوطني في القرن العشرين، ترافقت بإحياء الهوية الإسلامية للشعب الجزائري، ومحاولات التعريب في بلد شديد التنوع الإثني واللغوي، لأن العربية لغة الإسلام، وهو المكون الأكثر فعالية لإنتاج هوية جزائرية متمايزة عن الفرنسيين.
لا يدور الحديث هنا عن «ترحّل المفاهيم» من الديني إلى العلماني، فلا ضرورة لأي شكل من أشكال الترحل أو إعادة الصياغة. هنالك خط مباشر يصل بين صياغات منظري هذه القضايا من النخب العلمانية، ولغة ووعي أي متطوع بسيط يسعى للجهاد والاستشهاد في سبيل الله. قد يبدو هذا إيجابياً من ناحية التواصل بين النخب وما يفترض أنه «ثقافة شعبية»، ولكن المشكلة تكمن أساساً في أن هذه الثقافة ليست عاملاً ثابتاً ومتعالياً على السيرورات السياسية والاجتماعية، بل هي منتج اجتماعي ساهمت تلك «القضايا المركزية» في إعادة إنتاجه دوماً.
لم تستطع النخب السياسية والثقافية مساءلة المرجعية الثقافية التقليدية، دعك من علمنتها، حتى محاولات «النقد الذاتي» بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967، تتبعت أسباب التخلف التي أدت إلى الهزيمة، ولكنها لم تحاول مراجعة القضايا نفسها أو إعادة صياغتها، وبالتأكيد لم تخرج من المنظور الذي يفترض أن سكان العالم العربي، بوصفهم مجموعة متراصة، ذات طموح مشترك، يخوضون معركة لتحقيق أهداف كبرى، مرتبطة أساساً بتأكيد ذات جمعية، لا تجد تبريراً لها فعلياً إلا بالهوية والدين، ولا يمكن خوض هذه المعركة إلا بتطوير المجتمع، لبناء جيش قادر على تحقيق الانتصارات، والنتيجة كانت إعادة تمتين المنظورات التقليدية بدلاً من تجاوزها.
القضايا التي أثارها الربيع العربي تقود إلى العلمنة والخروج من الدين، بأسلوب غير سلطوي، بل بإطار ثوري يعبّر عن حيوية اجتماعية مضادة للسلطة التقليدية، رغم كل المآسي والتراجعات وبروز أشكال غير مألوفة من التطرف.
اضمحلال «الأمة»
يمكن اعتبار الربيع العربي قطيعة مهمة مع المرجعية الثقافية التقليدية، رغم أنه لم يتجاوز المفاهيم الاجتماعية والوطنية السائدة على مستوى الخطاب. ولعل مقولة ماركس الشهيرة عن «تقاليد الأجيال الميتة التي تثقل، مثل كابوس، أذهان الأحياء» مفيدة جداً لفهم هذه المفارقة. لم يستطع الثوار العرب ابتكار مفاهيم جديدة، بل اعتمدوا على ما هو موجود سلفاً من أفكار متوارثة، رغم ذلك صنعوا تاريخهم (كما يفعل البشر دوماً حسب ماركس) من خلال قضايا مستجدة برزت في السياق الثوري. التركيز على الديمقراطية في مواجهة الحكام الديكتاتوريين، أدى بشكل بديهي إلى بروز قضايا مثل السيادة الشعبية، الديمقراطية المباشرة والتمثيلية، الحريات الفردية، حقوق النساء والمثليين والأقليات. وعلى الرغم من أن مسألة إعادة توزيع الثروة ليست جديدة عربياً، إلا أنها طُرحت في سياق مختلف، بوصفها حقاً مجتمعياً وطبقياً، وليست مجرد ضرورة لتهيئة الأمة بأكملها لقضايا الوحدة والتحرير. كثيرون اشتكوا من تراجع القضايا المركزية، مثل القضية الفلسطينية ومواجهة الإمبريالية، إلى المركز الثاني بعد الربيع العربي. وربما كانت شكواهم محقة.
لا يمكن للبنى الدينية والثقافية التقليدية استيعاب الجديد الذي طرحه الربيع العربي، لأنها قائمة على منظور غير دنيوي وغير إنسانوي، يرفض المبدأ التعاقدي، أي حق الفئات والطبقات الاجتماعية المختلفة في إنتاج صيغة توافقية تتناسب مع مصالحها وتطلعاتها، وتجد مخارج للصراع الاجتماعي بشكل أقرب للسلمية، وكذلك حق الأفراد في صياغة حياتهم الخاصة، وانتزاع حرياتهم. فتلك البنى قائمة على منظور جمعوي يعتبر الأمة وحدة عضوية تامة، يجب أن تغطي على الحقوق الفردية والمجتمعية، ربما باستثناء حقوق الملل والطوائف بالاستقلال بشرائعها في مجال العقائد والأحوال الشخصية، ضمن تراتبية تجعل المسلمين الفئة المسيطرة. وقد يكون اضمحلال هذا المفهوم عن الأمة، وتنوعها الطائفي، أحد أهم مكاسب الربيع العربي.
العلمنة الثورية
من الصحيح أن فكرة الجماعة العضوية ملازمة لكثير من الأيديولوجيات الحديثة، مثل النازية والفاشية، ولكنها ليست بالتأكيد محدداً للعلمنة، فهي تنتمي أساساً لما يعرف بـ«التنوير المضاد». يمكن اقتراح المبدأ التعاقدي بوصفه المحدد الأساسي لنزعة علمانية جمهورية. أما عن كونه منظوراً غربياً أم شرقياً، مستمداً من المسيحية البروتستانتية، أم القيم غير الدينية التي حملها المفكرون الأحرار في عصر التنوير، فهي أسئلة لم تعد مفيدة سياسياً في نظرنا، مادام ملايين المتظاهرين العرب أعادوا طرح المبدأ التعاقدي بقوة على الصعيد العالمي، مؤكدين أن البشر لا يعيشون في الهوية والتقليد، كما تحاول كثير من الأبحاث أن تثبت، في عصر سياسات الهوية.
القضايا التي أثارها الربيع العربي تقود إلى العلمنة والخروج من الدين، بأسلوب غير سلطوي، بل بإطار ثوري يعبّر عن حيوية اجتماعية مضادة للسلطة التقليدية، رغم كل المآسي والتراجعات وبروز أشكال غير مألوفة من التطرف. تفتقد هذه القضايا الجديدة من جهة أخرى، رغم كل حيويتها، للحامل الاجتماعي الواضح الذي يمكن أن يؤمن نجاحها. فلا يمكن رصد طبقة أو طبقات واعية لذاتها تنتج شكلاً تنظيمياً صلباً، يساهم بتأسيس سلطة مضادة للسلطة القائمة، وهذا جزء من الظرف العالمي المعاصر، وليس خصوصية عربية.
استعادة قضايا الأمة التقليدية يرتبط الآن بالثورات المضادة، سواء الحفاظ على الدولة والوطن من الفوضى، كما في حالة النظام المصري، أو الحديث عن «طريق القدس»، حسب حزب الله اللبناني وغيره من المليشيات المرتبطة بإيران، وهو طريق لا يمر للأسف إلا على أشلاء آلاف الضحايا. وعلى حساب أبسط الحقوق السياسية والاجتماعية والفردية للبشر، ربما كان على المهتمين فعلياً بمشروع التغيير أن يتوقفوا عن مجاملة قضايا الثورة المضادة، وأن يصوغوا خطاباتهم ومفاهيمهم الجديدة بدون خجل.
٭ كاتب من سوريا