غداً عندما تفتح آلاف صناديق الاقتراع الإيرانية وتحسم طبيعة البرلمان في الدولة، سيواجه المصوتون معضلة صعبة؛ إما مواصلة دعم النظام والتصويت للقوائم المحافظة، وإما إعطاء الأصوات للقوائم الإصلاحية، وإما البقاء في البيت. وبذلك.. إظهار عدم الثقة بطريقة الانتخابات وعدم الثقة بالنظام نفسه. هذه انتخابات اعتبرت سابقاً بأنها أكثر الانتخابات أهمية، لأنها -ضمن أمور أخرى- الأولى التي ستجرى بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وفرض العقوبات الشديدة على إيران في أعقاب ذلك، وبعد المظاهرات الصاخبة التي جرت في تشرين الثاني 2019 وقتل فيها 350 – 1500 شخص.
التنبؤ الواقعي يشير إلى أن المحافظين سيحافظون على قوتهم وسيسيطرون على معظم اللجان في البرلمان وعلى عملية التشريع. ولكن هذا سيكون برلماناً سيواجه التحديات الاقتصادية المركبة، التي ستزداد خطراً كلما استمرت العقوبات في قضم التمويل الذي بقي لدى إيران. مع تضخم بلغ 40 في المئة ونسبة بطالة بـ 30 في المئة، التي تضر بجيل الشباب، فإن العصيان المدني الذي يبدو أنه قد خفت، يتوقع أن يزداد ويضع النظام أمام مواجهات جديدة قبل الانتخابات الرئاسية التي ستجري في 2021.
حظيت المظاهرات بتغطية إعلامية واسعة من قبل وسائل الإعلام الأجنبية، لكن لا يقل عن ذلك أهمية تلك الإضرابات التي جرت في هذه السنة والسنة الماضية في أماكن عمل كثيرة بعد إغلاق المصانع وتسريح آلاف العمال ودفع الرواتب بتأخير لأشهر. حسب معطيات المكتب المركزي للإحصاء، فإن نسبة البطالة في كانون الأول 2019 بلغت 10.8 في المئة. ولكن هذه المعطيات تعتبر من هم في الهامش ومن لا يتلقون الرواتب والمساعدين في المنازل الذين يعملون بوظائف جزئية والذين يتدربون في أماكن العمل وكل من يعمل على الأقل ساعة في الأسبوع.. تعتبرهم عمالاً. لذلك لا يُحسبون مع العاملين.
في التقرير الأخير لحقوق العمال، الذي نشر في موقع “راديو زمانا”، وهو موقع معارض يعمل في هولندا، ورد أن مصانع للبناء في إقليم بلوشستان تم إغلاقها، وأن مصانع للسيارات التي تعد من أكبر المشغلين في الدولة، قامت بتسريح آلاف العمال بسبب نقص في قطع الغيار. إضافة إلى ذلك، ثمة ممرضات في مدينة مشهد تظاهرن في كانون الثاني احتجاجاً على تأخير دفع رواتبهن، الذي وصل في بعض الأحيان إلى 14 شهراً. و3500 عامل في مستشفى “الزهراء” في مدينة أصفهان لم يحصلوا على الأجور عن ساعات العمل الإضافية والحوافز. في كانون الأول 2019 تظاهر متقاعدون أمام البرلمان مطالبين بمساواة مخصصات تقاعدهم مع أجور العمال، أو على الأقل الوفاء بالوعود التي تقضي بأن يكون مستوى راتب التقاعد لا يقل عن مستوى أجر الحد الأدنى الذي يبلغ 154 دولاراً في الشهر.
هذه فقط أمثلة معدودة من قائمة طويلة للإضرابات ومظاهرات العمال والاعتصامات التي جرت في قطاعات مختلفة في الدولة ضد برامج التقليص في قوة العمل ونقل عمال إلى مقاولين ثانويين يشغلون عمالهم في ظروف مهينة. هؤلاء المقاولون لا يطبقون توجيهات قانون العمل الذي يطالب بمنح كل عامل اتفاق عمل مفصلاً تحدد فيه وظيفته وساعات العمل المطلوبة منه ومستوى أجره والظروف الاجتماعية. في فرع الأدوية أقيل نحو 6 آلاف عامل يعملون في حقل توزيع الأدوية على الصيدليات والمستشفيات، لأن شركات التأمين الصحي لم تحول الأموال إلى الصيدليات. الضرر في هذا الفرع ليس فقط على العمال، بل على كل الذين يحتاجون الدواء والذين يضطرون إلى شراء أدويتهم على حسابهم الخاص.
هذه المظاهرات والإضرابات لم تتسبب بعد بانهيار اقتصادي مطلق لاقتصاد إيران. وذلك بفضل قدرة إيران على مواصلة بيع النفط للصين ولروسيا، واحتياطي العملة الصعبة الضخم الذي تملكه وصناديق المال المؤسساتية التي لا يعرف حجمها. في مقال نشره الشهر الحالي الصحافي والكاتب سيمون فيتكنز في موقع “اويل برايس”، كتب عن صفقات نفط وغاز وقعت عليها إيران مع روسيا والصين بعشرات مليارات الدولارات. وحسب قوله، فإن روسيا والصين تلتفّان على العقوبات الأمريكية، وهما في الحقيقة لم توقعا عليها، ولكنهما تطمحان إلى تجنب فرض العقوبات الأمريكية على شركاتهما، عن طريق تأسيس شراكات محلية مع شركات إيرانية. عدد منها شركات وهمية أنشئت من أجل تغطية هوية الشركات الحقيقية، وبذلك تلبية شروط العقوبات. قال فيتكنز أيضاً إن إيران تخسر مليارات الدولارات بسبب هذه الصفقات، التي تمنح تسهيلات كبيرة للشركات الصينية والروسية، مثلما في الصفقة الروسية التي وقعت في 2018 عندما كان واضحاً أن الولايات المتحدة تنوي الانسحاب من الاتفاق. هذه الصفقة منحت إيران 50 مليار دولار على مدى خمس سنوات، وهو مبلغ كان يمكنه أن يغطي تكلفة تجديد وتطوير آبار النفط الإيرانية، ولكن في المقابل، حصلت روسيا على حق شراء النفط الذي يتم إنتاجه في هذه الآبار، التي ستقوم الشركات الروسية بتطويرها، بسعر 55 – 72 في المئة من سعر السوق العالمية خلال عشر سنوات.
هذه “المسارات الالتفافية” أزعجها فايروس كورونا الذي أدى إلى تقليص كبير في حجم شراء الصين للنفط من إيران وعدم يقين مقلق حول موعد استئناف الشراء. حتى ذلك الحين، تواصل إيران إجراء مفاوضات مع دول أوروبية من أجل إيجاد بديل لنظام تجاوز العقوبات الذي اقترحته الحكومة الفرنسية في حينه، وهو نظام لم يطبق بالأساس بسبب رفض شركات لتطبيقه كي لا تتضرر هي نفسها من العقوبات. الزعيم الأعلى علي خامنئي دعا المواطنين إلى تبني “اقتصاد المقاومة” الذي يعني شد الحزام المشدود أصلاً حتى النهاية. الانتخابات البرلمانية قد تشير إلى أي درجة يمكن للجمهور أن يوافق على ابتلاع المزيد من حبات الضائقة.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس/ ذي ماركر 20/2/2020