لندن-“القدس العربي”: يكتب جيريمي هسو، في مجلة “ساينتفك أميركان”: “كيف يمكن للنظرية الرياضية التنبؤ بأقوى العُقد في الواقع؟ لقد ظلت الإجابة عن هذا السؤال بعيدة المنال” هنا يعني حرفياً العُقد التي نربطها في الحبال، من أجل التسلق مثلاً، أو لربط أشرعة السفن الصغيرة، وأثناء صيد الأسماك، وما شابه. ويقوم باحثون في دراسة الآلية الأفضل لربط عقدة عبر تطوير نماذج مقاربة للواقع لفهم تفاصيل قواعد استقرار العقد.
ويشير هسو إلى أنه “عادةً ما ركّزت النظرية الرياضية للعُقد على تصنيف البنى المختلفة لتشابكها بدون مراعاة الإجهاد والانفعال الميكانيكي”. وقام باحثو معهد ماساتشوستس للتقنية بتجارب على العُقد المصنوعة من ألياف ضوئية تتغير ألوانها مع تمددها. وأتاح ذلك “لفريق الباحثين مقارنة تنبؤات الإجهاد الميكانيكي لنماذجهم الرياضية بتلك الناتجة عن تجارب الألياف متغيرة اللون، وبالتالي، تكوين نماذج أكثر دقة يمكنها محاكاة تعقيدات العُقد، وربما، البنى المتشابكة الأكثر تعقيدًا” حسب هسو.
وقال يورن دونكل، عالِم الرياضيات في معهد ماساتشوستس للتقنية: “طوّر زملائي أليافًا بديعة يتغيّر لونها كلما تمدّدت. فلأول مرة، أتاحوا القدرة على ملاحظة الإجهاد والانفعال الميكانيكي في العُقد، حيث ينتقلان في الألياف”. وأتاح ذلك لدونكل ولزملائه وضع ثلاث قواعد حسابية للتنبؤ باستقرار العُقد، في دراستهم التي نشرت في دورية “ساينس”. وقام الباحثون بتحليل “قوة عُقد “الانحناء” المختلفة المستخدمة لدى البحارة والمتسلقين لربط قطعتين من الحبال معًا.
وأشار إلى أنه تكتسب العُقد الاستقرار “عندما تتمتع الجديلتان بعدد أكبر من نقاط التقاطع حيث تتصلان ببعضهما” وعندما تكون “قطاعات الجديلتين عند نقاط التقاطع المتجاورة تدور في اتجاهات مختلفة وتنشئ احتكاكًا مُعاكسًا” كما أنها تكتسب الاستقرار عندما “تنزلق الجديلتان بعضهما ببعض بشكل تماسي لإنشاء احتكاك في أثناء شدهما في اتجاهين متعاكسين”.
وقال دونكل إن “الملفت في الأمر هو أنه باستخدام هذه القواعد الأساسية، ستكتسب حدسًا سريعًا لتقرّر ما إذا كانت العقدة أكثر استقرارًا أو أقل. كما يمكننا استخدامها كنقطة انطلاق لاستكشاف نماذج أكثر دقة”.
واعتمد الفريق في بحثه على الألياف الضوئية التي طُوِّرَت في عام 2013 وتتغير ألوانها. وتكون هذه الألياف الضوئية ذات طلاء مصنوع “من ترتيبٍ دوريٍّ من نوعين مختلفين من المطاط المرن، لكلٍّ منهما خصائص مادية مختلفة تؤثر على تفاعله مع الضوء”. وتتغير ألوانها حين تمددها إذ يصبح الطلاق أرق فتظهر اختلافات في اللون.
وقال ماتياس كولي، مهندس ميكانيكي في معهد ماساتشوستس للتقنية وأحد مؤلفي الدراسة: “إذا كانت الألياف غير مشدودة، على سبيل المثال، تبدو حمراء، فسوف تغير لونها إلى البرتقالي، ثم الأصفر، ثم الأخضر، ثم الأزرق، ثم الأرجواني كلما تمددت أكثر فأكثر. بالإضافة إلى ذلك، يمكننا تصميم الملامح الطيفية للألياف واستخدام الحيل المختلفة لإنتاج تدرجات لونية أخرى”.
في حين قال لويس كوفمان، أستاذ الرياضيات الفخري في جامعة إلينوي في شيكاغو، والذي لم يشارك في دراسة معهد ماساتشوستس للتقنية: إن النتيجة هي “مزيج مثير للاهتمام للغاية من البحث التجريبي والبحث النظري النوعي”. ولهذا الأسلوب الجديد حدود، إذ يصعب استخدام هذه الآلية في هندسة نماذج ثلاثية الأبعاد، إذ يقول: “هذا يطرح مسألةً مثيرةً للاهتمام، وهي تعميم هذه النماذج في واقع كامل ثلاثي الأبعاد”.
واعتبر دونكل إن “أحد القيود الأخرى أن النماذج الرياضية لا تراعي مدى تأثير المواد الليفية المختلفة على الاحتكاك داخل العقدة”. وأشار هسو إلى حرص الفريق “على معرفة ما إذا كان بإمكان نماذجهم العثور على قواعد مماثلة في أنظمة تتجاوز عُقد الألياف والخيوط”. ومن شأن ذلك المساعدة في فهم عقد تظهر “داخل البلورات السائلة المستخدمة في تقنيات مثل أجهزة التلفزيون ذات الشاشات المسطحة”.
ويواصل كولي وفريقه تطوير الألياف الضوئية متغيرة الألوان؛ لتحسين مستوى كفاءتها في أشكال أكبر وأكثر تحمُّلًا. ويشير هسو إلى أنه يتطلع المهندسون لجعل الألياف “مناسبةً لتطبيقات مثل الملابس الرياضية والأزياء متغيرة الألوان”.
وقال: “يتملكني شعور غامر بالحماس حيال الألياف متغيرة الألوان، فهي مفيدة حقًّا للبحوث الأساسية الإبداعية”.