2020 هو بكل المقاييس عام صعب على الدول العربية المصدرة للنفط والغاز، مع تفاوت مقدار الصعوبة، ووجود استثناء واحد أو اثنين. منذ بداية كانون الثاني/يناير وحتى الآن سيطرت عوامل سلبية على سوق النفط والغاز، إدت إلى هبوط أسعار النفط الخام بنسبة 15في المئة في المتوسط منذ بداية العام، في حين كانت الخسارة أشد في سوق الغاز المسال حيث هبطت الأسعار إلى حوالي 3 دولارات في المتوسط للمليون وحدة حرارية بريطانية في أسواق شرق آسيا (الصين واليابان وكوريا الجنوبية) أكبر مستورد للغاز في العالم، بينما هبطت في شمال غرب أوروبا وفي الولايات المتحدة إلى أقل من 2.5 دولار، وسط توقعات بأنها قد تنحدر إلى 1.5 دولار، وهو ما سيعني خروج الكثير من المنتجين من السوق، لانخفاض الأسعار عن تكاليف الإنتاج. هذا التدهور في أسعار الغاز المسال يعني هبوطا بنسبة 25 في المئة في إيرادات التصدير منذ بداية العام، بعد أن سجلت انخفاضا بنسبة 40 في المئة في العام الماضي.
وقد نتج هذا التراجع في الأسعار بمفعول عوامل طويلة المدي تحفيزية (تقنية) ووقائية (بيئية) سوف تستمر في العمل لسنوات طويلة قادمة، إضافة إلى مفعول عوامل قصيرة الأجل، قد تتغير خلال الأشهر القليلة المقبلة. ومن الملاحظ في سوق النفط، والغاز بشكل عام انه (سوق مشترين) وليس (سوق بائعين) كما كنا نعرف من قبل. وقد استطاعت الدول المستهلكة للطاقة خلال عقود قليلة ان تقلب توازنات السوق رأسا على عقب، بما جعلها صاحبة اليد الطولي في تحديد الأسعار، على العكس مما كان عليه الحال خلال سنوات الأزمة النفطية الأولي في سبعينات القرن الماضي، وما تلاها من أزمات.
إستراتيجية الدول المستهلكة للطاقة، ذهبت اولا إلى تقليل الاعتماد على نفط الدول الأعضاء في منظمة أوبك وتخفيض حصتها من السوق، ثم ذهبت بعد ذلك إلى تقليل اعتمادها على النفط بشكل عام والانتقال تدريجيا إلى الغاز وإلى مصادر الطاقة المتجددة والنووية لإنتاج الكهرباء. ومع تغيير تركيبة مصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على النفط والغاز، أصبحت دول أوبك أقل قدرة على تحديد الأسعار لمصلحتها.
ومع زيادة الإنتاج ووفرته خارج أوبك، بما في ذلك إنتاج الولايات المتحدة وروسيا، اتجهت الأسعار إلى الانخفاض تدريجيا في السنوات الأخيرة، منذ عام 2014. وأدت سياسة الطاقة التي اتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى زيادة إنتاج الولايات المتحدة من النفط والغاز، حتى أصبحت حاليا أكبر منتج للنفط الخام في العالم، ومع انها ما تزال حتى الآن أكبر مستهلك للطاقة في العالم، فقد استطاعت اقتحام أسواق التصدير، خصوصا في الصين وفي أوروبا الغربية، مما أدى إلى انكماش نصيب دول أخرى كانت تعتمد على هذين السوقين في صادراتها. وتنتج الولايات المتحدة الان حوالي 13 مليون برميل يوميا، متقدمة على روسيا وعلى السعودية.
تخفيض الإنتاج
وبسبب المزاحمة الشديدة في سوق النفط، فإن الدول العربية الأعضاء في أوبك بادرت بطلب تخفيض الإنتاج بغرض المحافظة على مستويات الأسعار عند معدلات ربحية معقولة. وعلى الرغم من تخفيضات الإنتاج التي جرى الاتفاق عليها بين أوبك وبين منتجي النفط من خارجها خصوصا روسيا، فإن أسعار الخامات المختلفة واصلت الانخفاض في العام الماضي بسبب الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين وكذلك لأسباب أخرى تتعلق بضعف معدلات النمو على مستوى العالم. ولذلك فقد اضطرت دول أوبك بما فيها الدول العربية الأعضاء، إلى طلب تخفيض كميات الإنتاج من جديد بكمية تبلغ 600 ألف برميل يوميا خلال النصف الأول من العام الحالي، بما يرفع كمية التخفيضات إلى 2.7 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل حوالي 3 في المئة من حجم الاستهلاك العالمي. ومع ذلك فإن النتيجة حتى الآن هي استمرار تراجع المستوى العام لأسعار النفط. هذا من شأنه أن يضعف التدفقات المالية للدول المصدرة للنفط، والتأثير سلبا على إيرادات ميزانياتها السنوية.
وقد زاد تعقيد الموقف في أسواق النفط والغاز مع ظهور وانتشار فيروس كورونا الجديد في الصين وفي عدد من بلدان العالم. ويقدر الخبراء أن انتشار الفيروس، من المتوقع أن يؤدي لتخفيض الطلب على النفط في الصين بنسبة لا تقل 25 في المئة في الربع الأول من العام الحالي، وذلك على ضوء تراجع استهلاك مصافي النفط، وانخفاض الطلب على وقود السيارات، وكذلك انخفاض الطلب الصناعي في الصين، وفي بلدان شركائها التجاريين، نتيجة الخلل الذي تعرضت له خطوط وحلقات الامدادات العالمية. كما ساعد الشتاء الدافئ نسبيا في النصف الشمالي من الأرض على انخفاض الطلب. ولذلك فقد زادت حدة تراجع الأسعار بضغط مزدوج من انخفاض الطلب وزيادة العرض من المنتجين خارج أوبك.
الغاز المسال
وفي أسواق الغاز المسال تبدو الصورة قاتمة أيضا، وهو ما يترك أثره على البلدان العربية المصدرة، التي تستحوذ على ثلاثة مراكز بين الدول العشر الأولى في تصدير الغاز المسال في العالم، تتصدرها قطر في المركز الأول، وتأتي وراءها بكثير الجزائر (الثامن) ثم الإمارات (التاسع) حسب احصاءات عام 2018. وتستحوذ قطر وحدها حاليا على ما يقرب من 25 في المئة من إمدادات الغاز المسال في أسواق التصدير، لكنها تواجه منافسة شرسة من استراليا.
وعلى الرغم من الانخفاض الحالي لأسعار الغاز المسال، فإن توقعات نمو الطلب في النصف الثاني من العام ترجح عودة الأسعار للارتفاع إلى ما يتراوح بين 5.8 إلى أكثر من 6 دولارات للمليون وحدة حرارية بريطانية، وذلك طبقا لتقديرات عدد من بيوت الاستثمار والخدمات المالية منها غولدمان ساكس، وستاندارد آند بوورز وشركات تجارة الغاز العالمية مثل شركة هيلينيك. لكن شركات الغاز التي وجدت نفسها في أوضاع صعبة، فضلت أن تتوقف عن تنفيذ استثمارات جديدة، أو إبطاء تنفيذ المشاريع التي كانت قد بدأت العمل فيها في بلدان مثل نيجيريا ومصر والجزائر، وذلك على الرغم من حاجة هذه البلدان إلى تدفقات نقدية لتمويل احتياجاتها الاقتصادية.
وعلى العكس من ذلك، فإن شركة قطر للغاز تعتزم المضي قدما في تطوير حقل الشمال للغاز، وزيادة الطاقة الإنتاجية لمعامل أو محطات إسالة الغاز بنسبة طموحة تصل إلى 64 في المئة خلال السنوات السبع المقبلة. ويتضمن المشروع القطري الجديد زيادة طاقة إنتاج الغاز المسال إلى 126 مليون طن سنويا بحلول العام 2027 مقابل 77 مليون طن في الوقت الحالي. وهذا الطموح القطري إلى زيادة الإنتاج بهذه الكمية يستجيب لاعتبارين، أولهما هو ضرورة توسيع طاقات الإنتاج من أجل استيعاب الزيادات في إنتاج الغاز مع استمرار تطوير حقل الشمال، وثانيهما هو تعزيز مكانة قطر التنافسية في سوق تصدير الغاز المسال كأكبر مصدر في العالم، في مواجهة المنافسة الشرسة في الأسواق العالمية من جانب منافسين أقوياء خصوصا روسيا والولايات المتحدة وأستراليا، التي تتوسع بسرعة في إضافة طاقات إنتاجية جديدة بهدف زيادة قدراتها التنافسية، والحصول على نصيب أكبر من السوق العالمي.
وكانت قطر قد توقفت طويلا عن إضافة طاقات إنتاجية جديدة قبل عام 2017 لكنها، تحت ضغط الحصار الظالم الذي تتعرض له من بعض جاراتها، قررت العمل على زيادة طاقتها الانتاجية بنسبة 64 في المئة خلال السنوات المقبلة حتى عام 2027 بتكلفة استثمارية تقدر بنحو 60 مليار دولار. هذه الاستثمارات الجديدة سترفع رقم الإنتاج الإجمالي من الوقود في قطر إلى 6.7 مليون برميل يوميا من النفط المكافئ (نفط وغاز وسوائل وقود أخرى).
ومن المتوقع أن تعلن شركة قطر للبترول، قبل نهاية العام الحالي، نتائج فحص عروض الشركات الدولية للمشاركة في مشروعات زيادة طاقة إنتاج الغاز المسال. وكانت الشركة قد أعلنت من قبل أنها استقرت على قائمة قصيرة تضم 6 شركات، من المرجح أن تكون من بينها توتال الفرنسية وإيني الإيطالية، ورويال داتش – شل الهولندية – البريطانية، واكسون موبيل الأمريكية. ومع ذلك فإن شركة قطر للبترول تحتفظ لنفسها بخيار الاعتماد على التمويل الذاتي، حيث تتمتع بوضع مالي قوي، وسهولة الحصول على تمويل من صندوق الثروة السيادي القطري. هذا الوضع القوى للشركة جعلها أكثر جاذبية للشركات الدولية، التي تتنافس بقوة من أجل الفوز بعقود مشاركة في استثماراتها الجديدة، خصوصا بعد أن تم إعادة تقييم الاحتياطي المؤكد من الغاز في حقل الشمال، إلى نحو 1760 تريليون قدم مكعب مقارنة باحتياطي يقدر 900 تريليون قدم مكعب في عام 2017. ونظرا لانخفاض تكلفة استخراج الغاز في قطر، فإن ذلك يعني قدرة أكبر على المنافسة وتحقيق معدلات ربحية عالية، والمحافظة على نصيبها من السوق.