تثير مشكلة العنف الأسري في روسيا في الآونة الأخيرة المزيد من الجدل في مختلف الدوائر، ولكن من الصعب تصور نطاقه الحقيقي، نظرا لعدم وجود إحصاءات رسمية مفصلة. ومن غير المعروف كم امرأة تلقى حتفها على يد زوجها، وكم عدد الضحايا الذين قرروا الذهاب للشرطة؟ وكم مرة يتعرض الأطفال للضرب في المنزل؟ وليس من السهل الإجابة على هذه الأسئلة والعديد من الأسئلة الأخرى، خاصة عندما لا تكون هناك بيانات كافية. وأرجأ البرلمان التصويت على قانون للوقاية من العنف الأسري، الذي أحدث انقساما عميقا في المجتمع.
ووقع ما يقرب من 000 735 شخص على عريضة تطالب باعتماد القانون. ويستشهد الناشطون الاجتماعيون بإحصاءات مخيفة: إذ يتعرض حوالي 16 مليون روسي للعنف كل عام. ويصر منتقدو التعديلات التي أدخلت على قانون الأسرة على أن هذا الرقم مبالغ فيه بحوالي ألف مرة. وفي روسيا وفقا لبيانات عام 2019 حوالي 77.1 مليون امرأة. وفي حساب الـ 16 مليون ضحية كما جاء في التقرير، يتبين أن العنف المنزلي يطال واحدا من كل خمس ضحايا. هذا المؤشر يتم حسابه على أساس بيانات من تقرير “الصحة العامة لسكان روسيا” الذي أعدته “روستات” (وكالة الإحصاء الروسي) بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان، وكذلك شعبة الصحة العامة من مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها.
وتوضح أليونا بوبوفا، وهي محامية متخصصة في حماية ضحايا العنف الأسري، من أين أتى هذا الرقم. فأولا: هناك 16 مليون شخص ضحايا للضغط العاطفي، والعنف البدني على حد سواء. وذكر التقرير أن 18 في المئة من النساء يعانين من العنف اللفظي و6 في المئة من العنف الجسدي، و1 في المئة من العنف الجنسي (ما مجموعه 25 في المئة). واستنادا إلى حساب أنه في عام 2016 كان هناك 65.8 مليون امرأة في سن 16 عاما فما فوق، تبين أن 16.45 مليون امرأة يتعرضن للعنف سنويا.
ووفقا لمعطيات استطلاع “مجلس المرأة” في جامعة موسكو الحكومية “العنف ضد الزوجات في الأسر الروسية” فإن نصف اللواتي جرى استطلاعهن (حوالي 2134) ذكرن أنهن تعرضن للإيذاء الجسدي من قبل أزواجهن. ولم يكن الأمر يتعلق بالضرب وإيقاع الألم الشديد فقط بل بطرق أخرى أيضا. ومن هذا النصف، تعرض 26 في المئة لسوء المعاملة أكثر من مرة. وقالت 3 في المئة من المشاركات في الاستطلاع إن العنف يتكرر مرة واحدة في الشهر على الأقل.
وأشارت دكتورة العلوم الاجتماعية الكسندرا ليسوفا في دراسة علمية عام 2008 إلى أن الغالبية العظمى من النساء اللواتي أبلغن عن العنف 42.9 في المئة في سن 30-55 سنوات و43.4 في المئة في مجموعة من 56-96 سنوات. وأبلغت الفتيات الصغيرات 13.7 في المئة (18-29 سنة) عن حادث ضرب واحد على الأقل.
ولا توجد إحصاءات رسمية عن الوفيات الناجمة عن العنف الأسري، لأن هذا المفهوم غير محدد. وعلى مدى 11 شهرا من العام الماضي، ووفقا لإحصاءات مكتب المدعي العام، كانت هناك بصفة عامة 7.91 ألف جريمة قتل ومحاولات قتل، و21.6 ألف حالة إصابة متعمدة بضرر جسيم للصحة.
في البدء كانت قضية غراتشيفا وقد حركت مشكلة مظاهر العنف الأسري وتداعيته المؤسسة التشريعية في محاولة للحد منه، ولكن النسخة النهائية للقانون قسمت المجتمع إلى معسكرات عدة، وحال ذلك دون ان يتبناه البرلمان. ويرى الناشطون الاجتماعيون الذين يناضلون من أجل حقوق المرأة أن الوثيقة ضعيفة جدا، في حين يسمي رجال الدين التدابير الوقائية الواردة في مشروع القانون تدابير قمعية.
وفي نهاية عام 2017 أثارت قصة مارغريتا غراتشيفا وهي أم لطفلين من بلدة سيربوكوف بالقرب من موسكو ردود فعل واسعة. أخذها زوجها إلى الغابة وقطع يديها بدافع الغيرة وفي وقت لاحق، حكم على المجرم بالسجن لمدة 14 عاما وحُرم من حقوق الوالدين. وقالت مارغريتا نفسها إنها كانت قد اتصلت بالشرطة مرارا قبل وقوع الحادث البشع، وأبلغت عن تهديدات زوجها، وأنه كان يمارس ضربها. ومع ذلك، لم يسمعها أحد ولم تتخذ أي تدابير وقائية.
وكانت قضية غراتشيفا بمثابة حافز على تأجيج موجة جديدة من النقاش حول مشروع قانون يتعلق بمنع العنف العائلي. وتشكل فريق عمل خاص تابع لمجلس الاتحاد، المجلس الأعلى للبرلمان الروسي، ضم محامين معروفين يدافعون عن حقوق المرأة. وأخيرا في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 نشر نص القانون، وعلى الفور أثار عاصفة من السخط.
كما صدمت الرأي العام قضية الأخوات خاتشوريان الثلاث اللواتي أقدمن على قتل والدهن ميخائيل خاتشوريان، ووقت ارتكاب الجريمة (27 تموز/يوليو 2018) التي تنظر فيها المحكمة حتى الآن، كانت أعمارهن 19 و18 و17 على التوالي. في 28 تموز/يوليو 2018 تم احتجاز الفتيات للاشتباه في ارتكابهن جريمة قتل، واعترفن بجريمتهن. وقال الدفاع إن الفتيات كن في وضع ميؤوس منه بسبب العنف الأسري المتواصل، والإكراه على ممارسة الأنشطة الجنسية. وتسببت القضية في غضب واسع لدى الرأي العام. وشهدت موسكو وسانت بطرسبرغ ومدن أخرى الاعتصامات للمطالبة بإرسال الشقيقات إلى السجن، أو لتخفيف العقوبة على الأخوات وتغيير قانون العنف الأُسري.
التدابير الوقائية
وتشمل الوثيقة أولا: تعريف “الأسرة والعنف الأُسري” من زاوية قانونية بأنه: “عمل مقصود يسبب أو ينطوي على خطر بدني و(أو) معاناة نفسية و(أو) تلف الممتلكات التي لا تنطوي على علامات مخالفة إدارية أو جنائية”. وتستخدم الأوامر الوقائية والقضائية كتدابير لحماية الضحايا. ووفقا للمشروع، ستتمكن المحكمة من إصدار أمر يحظر على مرتكب العنف الأسري الاتصال بالضحية، بما في ذلك عن طريق الهاتف والإنترنت. ويسري هذا التقييد لمدة تصل إلى سنة. وبالإضافة إلى ذلك، يحق للمحكمة أن تلزم الجاني بمغادرة المسكن المشترك مع الضحية طوال مدة الأمر. ولكن هناك استدراكا: “إذا أتيحت للجاني الفرصة للعيش في منطقة سكنية أخرى” ويجوز للسلطة القضائية أيضا أن تحظر معرفة مكان وجود الضحية. وتنص الوثيقة على عدد من التدابير الوقائية الفردية، وعلى وجه الخصوص، يتم تسجيل الجناة وإرسالهم إلى مصحات الأمراض النفسية. وفي المقابل، توفير التثقيف القانوني لضحايا العنف.
وإذا أُعتمد القانون في هذه النسخة، سيكون الأطباء ملزمون بإبلاغ الشرطة عن الاشتباه في تعرض المريض للعنف الأسري. وثمة تحذير هام آخر: فإلى جانب بيان الضحية نفسه أو ممثله القانوني، يعتبر أي شخص على معرفة بالعنف أو التهديد بالعنف ضد أشخاص “عاجزة أو ضحية للوضع” الأساس لاتخاذ إجراء.
الكنيسة ضد
غير أنه وبعد نشر نص القانون الذي طال انتظاره، بدأ حتى أولئك الذين شاركوا في إعداده ينتقدونه، فيما رأت المؤسسات الدينية فيه عاملا لتفكيك الأسرة وإضعافها كأساس للمجتمع. وقالت رئيسة مركز حماية ضحايا العنف الأسري الينا بوبوفا: “هذه النسخة الأكثر سوءا. الشيء الرئيسي سقط منها -العنف الجسدي، وليس هناك شيء حول ملاحقة الضحية”. وفي رأيها أن عدم وجود هذه النقاط الرئيسية يحرم القانون من أي معنى.
بدورها أشارت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية أيضا إلى موقفها فور نشر الوثيقة. ويجب القول إن الكنيسة الروسية عارضت هذه المبادرة قبل نشر الصيغة النهائية لمشروع القانون بوقت طويل، ورأي الكنيسة لم يتغير منذ ذلك الحين. ووزعت لجنة شؤون الأسرة وحماية الأمومة والطفولة في البطريركية بيانا أشارت فيه إلى: إن الوثيقة تتضمن عددا من العيوب القانونية، ما يجعل اعتمادها أمرا غير مقبول. “كل ما يقال أو يحدث في الأسرة، بين الأشخاص المقربين، يمكن أن يستخدمه كل منهم ضد الآخر في أي وقت. وهذا الوضع مدمر لطريقة الحياة الأسرية والأسرة التقليدية والقيم الروحية والأخلاقية”.
وتعتقد الكنيسة أن تدابير المنع المدرجة في مشروع القانون “ذات طابع قمعي” وأن “أي فعل إنساني عادي يمكن الاعتراف به على أنه عنف أسري ومنزلي”. وعلى هذا النحو ووفقا للكنيسة، سيتمكن المواطنون من استخدام القانون ضد ذويهم وأقاربهم.