مع بطء معدلات النمو وتراجع المؤشرات المالية: هل ستتمكن حكومة الفخفاخ من مواجهة الأعباء الاقتصادية؟

حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”:  تتجه الأنظار في تونس إلى يوم الأربعاء المقبل وما سيقرره مجلس نواب الشعب بشأن مصير حكومة الفخفاخ، وسط توقعات بأن تتمكن الحكومة الجديدة من نيل ثقة البرلمان وذلك بعد مخاض عسير رافق تشكيلها بسبب التجاذبات والخلافات الحزبية والسياسية بشأن تركيبتها وكيفية تقاسم “كعكعة الحكم” بين الأحزاب الفائزة في الانتخابات.

ويجمع عدد من المتابعين على أن الشأن الاقتصادي والمالي يتصدر أولويات الحكومة الحالية بالنظر إلى الأعباء الكبيرة والوضع الاقتصادي والمالي الهش الذي باتت تعيشه البلاد في خضم التحولات الأخيرة التي تشهدها. فبالرغم من تحقيق تونس نجاحات كبيرة في مسارها الانتقالي الديمقراطي إلا أن عثرات واخفاقات كبيرة حصلت في السياسات الاقتصادية الكبرى التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة بعد الثورة. ولا يزال المواطن التونسي يعاني ويلاتها وتداعياتها إلى الآن. فالمشهد الاقتصادي برمته اليوم يبدو صعبا بالنظر إلى آخر الأرقام المالية الصادرة عن الهيئات المختصة. ولعل السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هل ستتمكن حكومة الفخفاخ لو مرت يوم الأربعاء، مع كل ما تحمله من تناقضات حزبية وسياسية في داخلها من وضع رؤية اقتصادية وبرامج واضحة ودقيقة لمعالجة كل الأزمات التي تعيش على وقعها البلاد؟

يقول المحلل والخبير في الشأن الاقتصادي التونسي معز الجودي لـ “القدس العربي” أن التحديات التي تواجهها الحكومة كثيرة من الناحية المالية والاقتصادية وهي تحديات رئيسية لأن الوضع الاقتصادي خطير. ويضيف بالقول: “فحسب الأرقام الأخيرة سجلت البلاد نقطة نمو واحدة فقط خلال سنة 2019 حسب المعهد الوطني للإحصاء، وهي نسبة ضعيفة جدا مقارنة بحاجيات البلاد والتحولات التي تعيشها. ناهيك أنه في السنة الحالية نجد أن حاجيات الاقتراض هي حوالي 12 مليار دينار في حين أن خدمات الدين تقدر بـ 11.7 مليار دينار وقرابة 20 مليار دينار حجم الأجور في الوظيفة العمومية وقرابة 4.3 مليار دينار لصندوق الدعم. إذن المصاريف كبيرة جدا وفي المقابل ليس هناك خلق للثروة ولا نمو اقتصادي وموارد تكفي لسد جميع هذه الحاجيات. لذلك أصبحت تونس تعيش على الاقتراض وخاصة الخارجي الذي تجاوز نسبة الـ 100 في المئة من الإنتاج المحلي الخام. وأصبح الاقتراض الخارجي الآن أصعب لأن صندوق النقد الدولي علّق الأقساط الأخيرة أي القسط الخامس والسادس لأنه رأى ان تونس غير قادرة على سداد أقساطها ولم تف بوعودها. فالحكومات المتتالية لم تقم بالإصلاحات المطلوبة، وصندوق النقد الدولي غير راض عن تطبيق الاتفاقيات واحترامها من الطرف التونسي ولذلك وقع تعليق صرف هذه الأقساط. في الوقت نفسه هناك مديونية مرتفعة وكل حاجيات الدولة تمول بالمصاريف”.

فنسبة النمو الضعيفة مع تزايد المصاريف العمومية خلقت وضعا مربكا للحكومة الحالية خاصة وأن الدولة باتت غير قادرة على إيجاد الموارد الكافية لتمويل حاجياتها الأساسية. وفي الوقت نفسه هناك بطء في نسق الإصلاح، خاصة إصلاح المؤسسات العمومية والمنظومة الجبائية وكذلك منظومة الدعم وإصلاح الصناديق الاجتماعية، لأن الحكومات المتتالية كانت تسير من دون استقرار سياسي وغير متكونة من كفاءات لديها خبرة في مجال تسيير الدولة. أما بالنسبة لتركيبة الحكومة الجديدة ومدى قدرتها على وضع استراتيجيات كبرى ومشروع إصلاحي لكل هذه المعضلات يجيب الجودي: “نلاحظ أن التركيبة الحكومية المقترحة تتضمن بعض العناصر التي تمتلك كفاءات في مجالات اختصاصها، ولكن لا تمتلك خبرة في تسيير الوزارات وتسيير دواليب الدولة. وهؤلاء الوزراء سيأخذون وقتا إضافيا لفهم وضعية وزاراتهم ومشاكلها وهذا اعتبره مضيعة للوقت وتسدد تونس ثمنه غاليا. خاصة أننا أضعنا وقتا طويلا لكي نشكل هذه الحكومة الجديدة لأن الدستور غير واضح والآليات الانتخابية غير واضحة ونتائج الانتخابات بحد ذاتها معقدة في تحليلها وبالتالي تنعكس على طريقة تكوين الحكومات. وفي الوقت نفسه الحكومة الحالية هي حكومة محاصصة حزبية وتوزيع المقاعد والوزراء والذي يتم حسب أهداف الأحزاب وليس حسب حاجيات البلاد. ويشير الجودي إلى أن جل هذه الأحزاب اليوم لا تمتلك برامج واضحة وحلولا للقطاعات والوزارات التي ستستلمها وبرامج الإنقاذ غير واضحة، خاصة أن الحزام السياسي الذي تعتمد عليه حكومة الفخفاخ التي ستعرض على المجلس النيابي هو حزام سياسي هش وغير صلب. وفي الوقت ذاته فإن الأحزاب التي كونت هذا الحزام السياسي تعيش على وقع التجاذبات والاختلافات في الرؤى والبرامج. فلو أخذنا حركة الشعب والتيار الديمقراطي وحركة النهضة وحزب تحيا تونس وحزب البديل نجد أنها أحزاب لها برامج متناقضة. فهناك الحزب الليبرالي والحزب الاجتماعي والحزب الإسلامي والحزب الليبرالي الاجتماعي ولكل منها مقاربات بعيدة تمام البعد عن بعضها”.

ولعل السؤال اليوم هو كيف يمكن أن تتفق هذه التركيبة السياسية المعقدة للحكومة- ذات الرؤى الأيديولوجية والسياسية والفكرية المتباينة- على تشخيص مشترك لحجم المعضلات الاقتصادية التي تواجهها البلاد، وهل يمكن في خضم كل هذه التناقضات أن تضع حلولا مشتركة؟

إن تونس تبدو اليوم في قلب إعصار اقتصادي مدمر وتواجه ضغوطا قوية من المانحين الدوليين لخفض أعداد العاملين في القطاع العام وكبح عجز الميزانية، وتنفيذ الإصلاحات الموعودة، وكلها رهانات صعبة تبدو البلاد أحوج ما تكون إلى الإسراع بتنفيذها ومواجهتها لأن فاتورة التلكؤ أرهقت التونسيين ودفعوا غاليا ثمن الانتظار الطويل أمام عتبة التحول الاقتصادي المأمول والذي لم يتحقق بعد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية