القاهرة ـ «القدس العربي»: محمد رمضان ممثل يمتلك ملامح مصرية خالصة دفعته إلى تقديم دور الرئيس الراحل انور السادات في عدة أعمال، أهدر اختزال موهبته في ملامحه الخارجية طاقة كبيرة من قدراته على الأداء، هذا الشاب الأسمر ضعيف البنية لم يشأ القفز خارج اطار الصورة الذي استغله منتجو السينما والتليفزيون حيث عطلوا موهبته عند حدود نماذج مكررة لشخصيات أصبح يدور في فلكها، حتى غدا رمضان بلطجي السينما الحديث واحدا من ايكونات القهر الاجتماعي، رغم بدايات رمضان التي بشرتنا بظهور موهبة ثريه قابلة للتطور بدوره في فيلم «احكي يا شهرزاد» عام 2009 عندما قدمه المخرج يسري نصر الله في دورالعامل الفقير، لكن الحظ والاختيار السيء رافق رمضان وأبعده عن مسار النجومية، وجمده حيث وضع نفسه في قالب شكلته أموال تجار السينما. في عام 2011 ومع أول بطولة سينمائية مطلقة فاز بها رمضان في فيلم «الخروج من القاهرة» منعت الرقابة عرض الفيلم، بسبب موضوعه الذي يتعرض لقصة حب بين فتاة مسيحية وشاب مسلم، فربما لم يجد رمضان مأوى له سوى ان يجاري متطلبات تجار السينما فترك نفسه وموهبتة بين أيديهم طمعاً في نجومية ظن انه أصبح الان يستحقها.
شهد عام 2012 انفراجة سينمائية لرمضان فقدم شخصية البلطجي في فيلم «الألماني»، وأصبح رمضان الشاب فتوة عصره ايكونة لدى شريحة من الشباب الذي يسكن عشوائيات القاهرة وضواحيها والذين وجدوا في رمضان على الشاشة من يمثلهم ويتحدث لغتهم، وبرغم ان تكوينه الجسدي يبتعد عن النموذج الشهير للفتوة التي قدمته السينما المصرية والمرتبط في أذهان الجمهور بضخامة الجسد، لكن رمضان أصبح يشبه النموذج الحديث للفتوة العصري النحيل، يعتبر هذا العمل بداية انطلاق محمد رمضان نحو سينما البلطجة التي تقصد شريحة الشباب في المناطق العشوائية والفقيرة، أو كما يطلق عليها السينمائيون في مصر «خلطة السبكية» .
لكن محمد رمضان لم يستطيع ان يحافظ على هذا النجاح كثيراً عندما كرر التجربة في العام نفسه وقدم فيلم «عبدة موتة»، أدرك انه بات يعزف لحنا منفرداً. رمضان فنان السلم الموسيقي يصعد درجة وينحدر بعدها درجات، شارك في العام نفسه في فيلم «ساعة ونص» إلى جانب عدد كبير من النجوم، وأشاد النقاد والجمهور بالفيلم وأبطاله. وكان المنتظر ان ينطلق كل منهم بعدها إلى درجة أعلى من الاختيار والأداء ومن بينهم رمضان الذي عاد من جديد ليحصل على لقب بلطجي السينما الأوحد، عام 2013 وقدم فيلم قلب الأسد، هذه المرة لم يمارس البلطجة بالسلاح فقط بل بجسده ايضاً.
المشوار السينمائي للفنان محمد رمضان هو الذي حمله لتقديم أول بطولة تليفزيونية منفردة هذا العام في مسلسل «ابن حلال»، رمضان الذي يحشر تكوينه الجسدي في أي عمل فني، حالفه الحظ من جديد وحصد المسلسل نسبة مشاهدة عالية وإشادة نقدية كبيرة، بالطبع ليس بسبب بلطجة رمضان في أداء الشخصية المكررة أكثر من مره في أفلامه، لكن موضوع وأحداث المسلسل أثارت جدلاً كبيراً حيث تقترب الأحداث من القصة الحقيقية لحادثة مقتل ابنة الفنانة ليلى غفران. ولم يشأ رمضان ان يمر نجاح المسلسل صامتاً دون انتهاز الفرصة بالعودة مرة أخرى إلى السينما من خلال عمل كوميدي ولكن مع الشخصية نفسها التي التصقت بجسده كانها قدره الذي يقوده إلى الفشل كل مرة.
ارتدى رمضان عباءة محمد سعد الذي أهدر موهبته هو الآخر تحت رماد شخصية اللمبي التي أحرقها في أعمال رديئه، ويبدو ان الثلاثي «رمضان وسعد وهنيدي» الذي يستميت هو الآخر على شخصية رمضان أبو العلمين أصبحوا نموذجا للنجاح الذي قتل صاحبه وقادهم مراراً إلى الفشل. أحياناً يصبح الممثل خصماً لنفسه أكثر من منافسيه، ولكن ترى ماذا قدم محمد رمضان في فيلم «واحد صعيدي» لينافس به السقا وعمرو سعد ومحمود عبد المغني وحمادة هلال على كعكة ايرادات موسم عيد الأضحى، بالفعل الإقبال الجماهيري على هذا الفيلم يتطلب دراسة نفسية وشخصية نوعية جمهور السينما في موسم الأعياد، الفيلم الذي بني فيه السيناريو بالكامل على افيهات متراشقة بين الشخصيات يعكس واقعا مجتمعيا أهدرت فيه قيمة اللغة وحل مكانها بلطجة لغوية مقززة، السينما تعكس ما آلت إليه المجتمعات لكن هذا الفيلم لا يروج لهذه الثقافة فقط بل هو حدث قائم بذاته على توظيف هذه اللغة البذيئة.
السيناريو المهلهل انقسم إلى افيهات ومشاهد صامتة مصاحبة للموسيقى وليس العكس يقلد فيها رمضان بأسلوب ساخر أداء شارل شابلن وأداء اللمبي «بحذافيره» الذي يقوم على حركات الجسد واستخدام تعبير العيون المبالغ فيه. يقدم رمضان شخصية الشاب الصعيدي الساذج الذي يأتي للقاهرة للعمل حيث تبتلعه المدينة الكبيرة، نموذج انهكته السينما المصرية ودمره الفنان محمد هنيدي من قبل في فيلم «صعيدي في الجامعة الأمريكية» فلم يجرؤ أحد على عرض الشخصية بعد ذلك، اضافة إلى ان هذا النموذج مات مع تطور الأحداث التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية وتغيرت النظرة السطحية لشخصية الصعيدي، وأصبح التعرض لها أشبه بفقر خيال عند المؤلف. لكن رمضان يصر على توليف الدور الذي يقدمه على مقاس جسده وهيئته الخارجية وليس على مقاس موهبتة التي ربما تكون أكبر مما يظن لكنه لم يستثمرها بعد.
فيلم النجم الواحد الذي ينافس نفسه والذي يزيح الشخصيات من حوله لينفرد هو بالكاميرا، نفس المنهج الذي اتبعه محمد سعد في أفلامه لكن رمضان بلوره أكثر في هذا العمل، ومسح أي وجود نسائي أمامه اللهم من عدد من الشخصيات التي تبرز ظهوره أكثر وأكثر. ولم يتخل ايضا عن «فتونته»، الشاب الصعيدي «فالح» الذي جاء للعمل في إحدى المنتجعات السياحية بالعين السخنة، يسيل لعابه عند رؤية أي جسد عار ولا يهدأ إلا بالتحرش بنزيلات الفندق، وهو فرد الأمن المكلف بحماية المكان، يكشف عن مخطط لقتل إحدى الفتيات لكنه يجهل من تكون بالتحديد لذلك يرافق كل الفتيات اللاتي يحملن اسم «سماح»، تلذذاً بصحبتهن قبل حمايتهن ولكن القاتل يقصد رجلاً آخر يقوم «فالح» محمد رمضان في اللحظات الأخيرة بانقاذة والامساك بالقاتل والفوز بقبلات الجميلات.
لم يراهن مخرج العمل اسماعيل فاروق على سيناريو فيلم «واحد صعيدي» الذي توقف تصويره منذ سنوات وقت لم يصل محمد رمضان بعد إلى مرحلة النجومية، بقدر ما راهن الان على شعبيته التي دفعت أحد الشباب لتقبيل صورته على افيش الفيلم أمام باب السينما، محمد رمضان أصبح ظاهرة سينمائية مرتبطة بواقع اجتماعي وثقافة مؤقتة لجيل سوف يتغير مع الوقت.
رانيا يوسف