«دولة الخرافة» كوميديا عراقية في موسم قطاف الرؤوس!

حجم الخط
2

مثل باقي الأجناس الأدبية، تقصّر الدراما العراقية في التعبير عن معاناة الانسان في بلدٍ يتصدر قائمة البلدان الأكثر سخونة بل إشتعالاً ليس في المنطقة فحسب بل في العالم. ولهذا التقصير أسبابه المتعددة العديدة التي لا يزال – حتى اللحظة- يجهد في تأويلها ويختلف عليها نقاد الأدب العراقي. لكن المتفق عليه ان هذا الخلل الوظيفي أدى إلى انزواء الدراما العراقية إلى ركنٍ ظليل يحول بينها وبين الانتشار على مستوى الوطن العربي كما تفعل الدراما السورية والمصرية.
يتابع العراقيون هذه الأيام كوميديا تلفزيونية مسلسلة بعنوان (دولة الخرافة) من إنتاج شبكة الإعلام العراقي كتبها ثائر جياد الحسناوي وأخرجها علي القاسم. يرى القائمون على العمل ان داعش نجحت في نشر الذعر في العراق والعالم، بوسائلها الإعلامية التي تبث مشاهد غاية في الرعب والدموية كجزء هام من حربها النفسية وان ذلك يتطلب دعايةً مضادّة تبدّد الخوف وتنشر الطمأنينة وترتفع بالروح المعنوية وان الكوميديا أحد أهم الوسائل لتحقيق هذا الغرض. ودولة الخرافة عمل بسيط لا يعتمد على ميزانية باذخة وحشد كبير من النجوم ومواقع التصوير بل يضطلع به عدد محدود جداً من الممثلين (أغلبهم من الشباب الذين طلب بعضهم عدم كتابة اسمه في التايتل عملا بمبدأ السلامة) داخل الاستوديو. الاستوديو المتواضع تم تصميمه كمدينة عراقية لا تحمل اسماً معيناً تٌبتلى بالعيش تحت حكم (الخليفة) وتعاني في حياتها اليومية من حكمه الجائر. المدينة الافتراضية هي عبارة عن شارع صغير ومقهى شعبي (مقهى الخليفة) وصالون حلاقة (حلاقة الخليفة) ودكان خضروات (خضروات الخليفة) وتقوم الكوميديا على المفارقة والتناقض الصارخ بين الحياة الوادعة المتسامحة التي يعتادها السكان من جهة والتشدّد المفرط الذي يأمر به الخليفة ويفرضه رجاله الملتحون بالسوط والسلاح من جهة أخرى. يظهر الخليفة في دار الخلافة بزيه الأسود التقليدي متوشحاً السيف تحيط به لافتات سوداء كتب عليها: طائفية، تهجير، سبي وتفجير ويحيط به عددّ من المستشارين الأجانب بتشخيص كوميدي ويقف بين يديه ( الرفيق) بملابس عسكرية في إشارةٍ إلى تعاون بعض أقطاب النظام السابق مع ( تنظيم الدولة ) وكما تشير إلى ذلك أغنية الشارة التي يؤديها عدد من الرجال الملتحين حاملين السيوف والبنادق:
جينا لهدم العراقِ حنّا وبعض الرفاقِ
ولدولة الخرافة قناة تلفزيونية اسمها (دم بي شي) تظهر فيها مذيعة الأخبار (الفنانة سولاف) تغطي وجهها وجسمها بالكامل وخلفها تظهر خارطة الدولة مرسومة بالدماء والجماجم البشرية تملأ الشاشة. تقول أغنية الشارة أيضاً: واللي يفجر بشدة. مع الرسول يتغدى
و. حرمنا شرب السيجارة. وهجرنا كل النصارى وحرمنا كل شي إباحي. إلا جهاد النكاح أما اللازمة المتكررة بين المقاطع فهي: يا قاطع الرأس وينك. يضحك العراقيون كثيراً من هذه الكوميديا السوداء فلطالما أثارت رؤوسهم شهية الطغاة على مدى تاريخ العراق الطويل منذ أيام (الأمير) الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان يرى ان رؤوس العراقيين قد (أينعت وحان قطافها) فأصبح مثالا للحاكم (الرشيد). وللأمانة التاريخية فإن البعض من أقطاب النظام السابق لم يكن يجد الحرج في التغني بسيرة (إبن جلا وطلاّع الثنايا) إلى درجة تأليف الكتب عن سيرته العطرة مرورا بهولاكو الذي صبغ مياه دجلة بدماء العراقيين وحبر كتبهم إلى الزعماء المناضلين في الحكومات الوطنية الذين ابتكروا المقابر الجماعية الحديثة.
لا يخلو العمل الكوميدي – كالعادة- من بعض الإسفاف لكن حسناته تُذهِب السيئات ليعود رصينا هادفا. ومن حسناته الكبرى انه ينأى بنفسه تماماً عن الطائفية البغيضة فالمدينة العراقية المفترضة، مثل المدينة العراقية الحقة، لا تكتسي بحلة طائفة معينة وسكان المدينة جميعا مبتلون بهذا الدخيل ومنهم رجل الدين السني المعتدل الوقور (إمام المسجد، الفنان القدير طه علوان) الذي لا يحرّم ما أحلّ الله ولا يبيح ما حرّم الله ويحظى بإحترام سكان المدينة جميعا .
في تفسير ظاهرة المعالجة الكوميدية للأحداث الجسام يقول أهل الأدب، عادةً، ان إرادة الحياة تغلب سواها وهو قول شائع لا معنى دقيق له ولا محل من الإعراب فكل بني البشر يحبون الحياة وينفرون من الموت فطرة الله ولا يختص العراقيون بهذه الخصلة لكني أزعم ان بني قومي ألفوا الرعب والجزع فقد نزل الموت بديارهم وطاب له المقام فاعتادوه. ورأوه بأمّ أعينهم يرتع ويلعب بين ظهرانيهم: في البيت والشارع والمقهى والمسجد والسوق والمدرسة وخبروا كل أشكاله: مفرداً أو جمعا راجلا أو راكبا صامتا أو مدويا لا فرق ولذا خلصوا إلى السخرية من القتلة لأنهم، العراقيون ، تعلموا جيدا بعد طول التجربة ان الطاغية الجديد الذي يقطف رؤوسهم كلما، وأينما أينعت سيمضي كما مضى أسلافه الطغاة وستعود ربوعهم راضية مرضية، صافية عذبه مثل ماء دجلة الرقراق الذي ينهل منه فيرتوي كل العراقيين على إختلاف الملل والنحل ولو بعد حين.

٭ كاتب عراقي

د. علي الصكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية