لندن- “القدس العربي”:
أكدت وفاة الديكتاتور المصري حسني مبارك يوم الثلاثاء عن عمر 91 عاما على الطريقة التي تم فيها سحق آمال وأحلام المصريين بعد الربيع العربي في ظل عبد الفتاح السيسي، “ففي إرث مبارك يرى المصريون خلل الربيع العربي” كما يقول ديكلان وولش وندى رشوان في تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”.
وقالا إن الرئيس المصري السابق تنعم في السنوات الأخيرة من حياته بحب عائلته وأنصاره. والتقطت صور للحاكم المستبد السابق وحفيدته في حضنه مبتسما على شاطئ البحر المتوسط، فيما ظهر ابناه اللذان نبذهما غالب المصريين في النوادي الليلية ومباريات كرة القدم.
وفي الشهر الماضي عندما كان يقترب مبارك من نهايته نشر حفيده عمر صورة على إنستغرام ظهر فيها وهو يقوم بتقبيل جبهة حفيدته وكتب تحتها “كل الحب والتقدير” مع إيموجي على شكل قلب.
ويعلق وولش ورشوان على نهاية مبارك المنعمة والمريحة والتي تتناقض مع نهاية خليفته محمد مرسي الذي انتخب بطريقة ديمقراطية عام 2012 وأطيح به بعد عام وتم وضعه في سجن عالي السرية حيث حرم من الأدوية الأساسية والزيارات العائلية. وتوفي في حزيران (يونيو) 2019 وهو في قفص بقاعة المحكمة. فالمصيران المتصادمان للرئيسين يؤكدان على المهمة المعقدة التي تواجه المصريين وهم يحاولون تقييم إرث مبارك الذي قسمهم في حياته ومماته أيضا.
ويضيف الكاتبان أن الآمال العالية بالديمقراطية والإصلاح أثناء الربيع العربي الذي أطاح بمبارك قد سحقت بالكامل في ظل الحاكم المصري الحالي عبد الفتاح السيسي مما أدى ببعض المصريين إلى الحنين لحكم الرئيس الذي مقتوه مرة.
وقال مصري على تويتر معلقا: “كان محتالا” و”لكنه كان رجلا حقيقيا ولم يهن مصر أبدا وليس مثل الأيام السود التي نعيشها الآن”. وتعلق الصحيفة أن هذا الاحترام المفعم بالحقد لمبارك يجعل من إحياء وفاته أمرا حساسا للسيسي الذي أعلن عن حداد لمدة ثلاثة أيام.
وكانت الإشارات كلها تشير إلى رغبة الحكومة الاحتفال بمبارك كبطل حرب، خاصة لدوره في القوة الجوية أثناء حرب 1973 ضد إسرائيل، ولكنها في الوقت نفسه كانت تريد تجنب مظاهر تعاطف وحزن شعبية واسعة.
وكانت هذه الازدواجية واضحة في الساعات الأولى التي أعلن فيها عن وفاة مبارك حيث قدم التلفاز المصري نعيا ناقدا، تحدث عن السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك بأنها سنوات الفرص الضائعة قبل أن يتحول للترويج إلى برامج حوارية.
وفي نفس الوقت أصدر السيسي بيانا عبر فيه عن “حزنه العظيم وأسفه العميق” لرحيل مبارك. وجاء في بيانه عن الرئيس السابق: “كان واحدا من قادة حرب أكتوبر وأبطالها، وقاد سلاح الجو خلال الحرب وساهم في استعادة الكرامة والفخر للأمة العربية”.
وتشير الصحيفة إلى أن ردود الفعل على وفاته تنوعت بين المصريين، فقد شعر الكثير من المصريين بالغضب لأنه مات بسلام. وقال الاقتصادي محمد الدهشان في تغريدة على تويتر: “كان يجب أن يظل في الزنزانة” أو “في محكمة هيغ ولكنه انتفع من العدالة المكسورة التي خلفها لنا”.
وهناك من تجاهل الأمر، وقال تاكر سليمان والذي كان شقيقه واحدا من 800 مصري قتلوا أثناء الانتفاضة: “بعد تسعة أعوام من يهتم” و”لم تحقق الثورة أي شيء وقلبت مطالبها رأسا على عقب ونسيها 90% من المصريين ويمكنهم منح مبارك أي جنازة يريدون”.
وكانت محكمة قد أصدرت حكما ضد مبارك في عام 2012 بالمؤبد لدوره في قتل المتظاهرين أثناء الثورة. ثم بُرئت ساحته في محاكمة ثانية، فيما انهارت قضايا فساد أخرى ضد المسؤولين في نظامه وضد ابنيه علاء وجمال. وبدأ تقاعده في عام 2017 بعدما أفرج عنه من الحجز في مستشفى عسكري بالقاهرة. وعاد إلى فيلته بحي هيلوبوليس الراقي بالقاهرة. وحينها أصبح معظم الناشطين الذين ساهموا بالإطاحة به إما سجناء أو أجبروا على الهروب إلى المنفى.
وفي الخريف الماضي تحدث في شريط فيديو على يوتيوب حول حرب 1973 وكان أول لقاء له أمام الكاميرا منذ الإطاحة به. وفي أيار/ مايو 2019 تحدث مع صحافي كويتي حول سياسته الخارجية عندما كان في الحكم وجهوده لمنع اجتياح العراق للكويت عام 1991. وما لفت انتباه المصريين في المقابلة هي صورته التي ظهر فيها وهو جالس بغرفة مزينة ببذخ. ووضعت الصورة على تويتر بتوقيع منه.
وعزى قادة إسرائيل وفلسطين بوفاته حيث كان النزاع بينهما هو واحد من انشغالات مبارك أثناء عقود من حكمه. وتذكره بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بـ”الصديق الشخصي”، فيما قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس إن مبارك “قضى حياته خادما لوطنه ودافع عن قضايا الحق والعدالة في العالم، وكان موضوع الشعب الفلسطيني على رأسها”.
وبالنسبة للسيسي فمبارك هو شخص معقد، الزعيم الذي أطاحت به ثورة شعبية وكان ديكتاتورا يدعمه الجيش. ويرى أندرو ميللر من “مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط” أن إرث مبارك هو حكم القبضة الحديدية الذي يمارسه السيسي. وقال: “لقد ذهب مبارك ولا يزال مئة مليون مصري يعيشون بمصر” و”يعتبر السيسي أسوأ من مبارك من عدة طرق، ولكن بدون مبارك لم يكن ليظهر السيسي وهذا هو إرثه الحقيقي”.
وبدا التناقض أو حسن حظ مبارك عندما قدم هو وابناه شهادات ضد مرسي. فقد حضر مبارك ونجلاه إلى قاعة المحكمة بالبدلات، أما مرسي الرئيس المنتخب فكان يرتدي زي السجن. وبعد وفاته قرأ مذيعو نشرات الأخبار نعيا وزعته عليهم المخابرات لم يتجاوز 42 كلمة ولم يشر إليه بالرئيس السابق.
ومن حاول معارضة السيسي من داخل المؤسسة العسكرية مثل أحمد شفيق وسامي عنان فقد تم إسكاتهما خاصة عندما قررا تحدي السيسي في انتخابات عام 2018. وقال عماد شاهين، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في القاهرة والذي يعيش في المنفى الآن: “هذه رسالة واضحة: لن يتعرض رجالنا للإهانة طالما التزموا بالخط”.
وتلقى أنصار مبارك خبر وفاته بالحزن الشديد. وقال عاصم أبو الخير الذي دعم الرئيس أثناء المحاكمة عبر جماعة “أبناء مبارك” إنه بكى و”لم أصدق الخبر”.
وترى منى الغباشي، الباحثة في السياسة المصرية بجامعة نيويورك، أن الحنين المشترك بين المصريين العاديين لحقبة مبارك هو نتاج الانقسامات داخل المجتمع المصري منذ ثورة 2011 والتي وضعت من يريدون تغييرا جذريا ضد الخائفين منه. وقالت إن المصريين منقسمون بطريقة أعمق من الأمريكيين في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية.
ويرى جمال عيد الناشط في حقوق الإنسان أنه لو واجه مبارك عدالة حقيقية لكانت بمثابة مثال قوي لكل العالم العربي. وقال: “لقد فقد طغاة العالم واحدا منهم، أما عن إرثه فهو فساد مستشر وقوانين سيئة وأنصار يمارسون التأثير الآن ويعرفون بالدولة العميقة”. وفوق كل هذا “فأنا حزين لأنه مات دون محاسبة”.