تذكرنا قصة هجوم هولاكو على بغداد بقصة “طريفة” بطلتها امرأة مسنة كانت ترى في النبال الساقطة على المدينة، على غير ما كان يراها الآخرون فرصة تثير الشفقة على مطلقيها!
لقد كان الذعر يتملك رفاقها من شدة فتك هذه النبال بهم. أما هي فقد كانت ترى فيها مطراً يبعث الحياة في نفوس من فقدوا عزة الدفاع عن أرضهم. هكذا قررت في اشتداد الحرب أن تخرج وحدها ساخرة من النبال المتساقطة كالشظايا الخارقة، وهي تستقبلها بصدر منفتح على الأعلى متحدية الموت.
كانت النبال تخرق جسدها وهي تضحك ساخرة منها بدون أي تأوه أو حتى زفرة ألم… إن استقبالها لقذائف هذه النبال شحذ همم الناس فاندفعوا متحمسين لرد نبال وسيوف وحراب هولاكو الطاغية.
هو الأسلوب نفسه في سياقه التندري ودلالاته في الاستهزاء يتجدد في تحد للموت مارسه شاب سوري وهو يعلم ابنته أن القذائف عبارة عن نكت تسقط بدون آثار، لأن الأثر لا يقاس بتدميره للأشياء بقدر ما يقاس بنسفه الهمم والنفوس. علمها أن القذائف من هذا النوع هي مناسبة للضحك والفرجة، لأنها تكشف عن شخصية الجلاد الحقيقية، مقزماً ضعيفاً في وضع سريالي، بسبب عجزه عن الحوار في إدارة خلافاته مع شعبه.
هكذا انتشر على الفضائيات العربية وفي مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لنازح سوري من مدينة إدلب، وهو يعلم ابنته الصغيرة البالغة من العمر ثلاث سنوات لعبة تحدي الخوف ومقاومة الذعر..
ولنا في تاريخ العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني مثال على ذلك. فلما أحرق موشيه دايان “دير ياسين” في سنة 1948 كانت هناك أسرة تحدث عنها الكاتب غسان كنفاني تداري بشاعة الموت والاحتماء من الانهيار بالضحك على هول الحادث والغناء بإيقاع شعبي عميق يدين عملية الإجرام ويحتفي بالشهداء الخالدين.
وهذا ما حصل أيضاً في الحرب الأهلية اللبنانية. أذكر جيداً كيف كنا ندبك ونرقص ونغني ونصفق في الملاجئ والصواريخ تدوي فوقنا.
إن العلاقة ما بين هذه القصص في صلتها بما وقع لهذا الشاب، الذي يلقن ابنته أسلوب السخرية هي علاقة وطيدة من حيث الرمزية والدلالة، أساسها أن الإنسان أمام البشاعات وجرائم الطغاة يلجأ إلى أسلوب الاحتماء ضد الخوف والسقوط بإبداع شتى أشكال الصبر والمقاومة، ومنها أشكال الضحك والاستهزاء والسخرية. وهذا ما نجده في كثير من الأدب شعراً ورواية وقصة ومسرحية وسينما في إنتاج صيغة الكوميديا السوداء كأسلوب رفيع للاستمرار والبقاء. وما ينفك الإنسان العربي اليوم وهو يخوض الثورات ضد قامعيه والأنظمة الفاسدة أن يبدع أساليب وصيغاً للصمود وتغيير موازين القوى، التي لم تكن في صالحه يوماً ما.
كناية الـ”مانيكان”
نشرت قناة “بي بي سي” عربي فيديو لشاب مصري انفصل عن خطيبته قبل الموعد المحدد للزفاف، لكنه لم يستسلم للواقع المرير. لقد قرر أن يحقق حلمه على طريقته الخاصة: أن يتزوج بدلاً عن العروس… “مانيكان”، مما أثار ضجة كبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت في مجملها لا تخلو من الاستهزاء والسخرية إزاء الحدث.
إن تفحص المقاطع الصوتية والمعاني الواردة في هذه “النازلة”، تحيلنا إلى أمرين، الأول هو الخيبات والمآسي، التي يعيشها الشاب العربي، وهي خيبات ناتجة عن إحباط نفسي – اجتماعي يلخص الجرح العميق للذات الشابة وانكسار طموحاتها، حين تقطعت أواصر المحبة والود ما بين الشابين، بث بطلنا روح العروس في المانيكان، التي ألبسها، في الموعد ذاته، فستان فرح أدخل إلى مخياله البهجة والمتعة، التي لا يريدها أن تتبخر واقعياً بفعل أمر لا يملك تغييره، لكنه قادر على تجاوزه عبر الخيال.
وكأنه بذلك يستلهم فكرة “بجماليون”، الذي نحت إنساناً من خشب فأحبه وأراد أن يجسد هذا الحب فبث فيه من عنده روحاً، ثم تخيله كائناً من شحم ولحم وعظم، يكلمه ويستجيب له. إن المعنى ها هنا هو الحفاظ على المتعة والانتقال باللذة من المحسوس إلى المتخيل والحلم.
هكذا ينبغي أن نفهم ما وقع لهذا الشاب وهو يحول المانيكان إلى شيء محسوس في مخيلته، شيء لا يطاله امتناع أو انفصال. أليس هذا هو ما يفعله الأدب أيضاً في خلقه واقعاً آخر يعوض واقعنا المادي، ويرتفع به، ويجعلنا نترفع معه أيضاً، ولو للحظات؟
الأمر الثاني، هو أن انفصام هذه العلاقة ما بين الشاب وعروسه يشير، إذا نظرنا إلى الجوهر، إلى خلل بنيوي ما بين طموح الشباب العربي وبين الواقع البئيس الذي يعيشونه. وفي الوقت نفسه، كناية عن إصرار الشباب على التشبث بالحلم والأمل في التغيير، والإصرار على تحقيقهما، ولو عبر مانيكانات نخترعها نحن، ونبث فيها الحياة، التي نشتهي بقوة الخيال الجبارة، التي لا بد أن تتحول يوماً إلى واقع ملموس، حقيقي، نعيشه يومياً، وليس عبر الوهم. ومن يستطيع أن يحقق هذه المعادلة الإنسانية الكبرى سوى شبان الثورات، في صراعاتهم الهرقلية مع أنظمة التخلف والقمع والهزل؟
*كاتبة لبنانية