مشروع ربيع جابر السردي في قراءة تأويلية لسمية عزام

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: تقدم الكاتبة اللبنانية سمية عزام في كتابها الجديد «البيْنية في التخييل السردي» قراءة تأويلية في المشروع الروائي لربيع جابر. صدر الكتاب عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة، ضمن سلسلة «دراسات أدبية»، يقع في مقدمة وثلاثة فصول، وهو دراسة تتوخى فهم التعالق السردي التاريخي، في استعادة الأحداث وارتباط الزمن بالتجربة والهوية وتحولاتها. وتستهدف الدراسة استجلاء الرؤية في روايات تسائل كينونة الماضي وتصف عالما يتشكل.

هذه القراءة التأويلية في روايات ربيع جابر تتقصى «نقشه لذاته» من خلال البرامج العينية لشخصيات رواياته، فهو كاتب عمله الوحيد الذي يريد أن يقوم به هو كتابة الروايات، ومنذ أصدر روايته الأولى «سيد العتمة» عام 1992 اتضحت معالم مشروعه الذي قطع فيه شوطا طويلا وفارقا عبر نحو عشرين رواية يستعيد بها ذاكرة بلد وشعب.
في الكتاب الذي يبلغ 216 صفحة كبيرة القطع ترى سمية عزام أن مصطلح «المابين» يتخذ دلالة حيوية في التخييل السردي، بحكم أن الرواية شكل تعبيري عن اغتراب شخصياتها الإشكالية، وانقسامها بين عالمي الداخل والخارج، فهي تتحرى الإنسان في مآزقه الوجودية وفي بحثه عن حقيقة غائبة. فيؤشر الوضع البيني للشخصية على مأزقية تتجلى في المحاور الدلالية، يسعف المصطلح في تكشفها، ويفسر العلاقة الوثيقة بالزمن النفسي للشخصيات المأزومة. وربيع جابر يمثل ذاتا لإنسان خبِر الحروب اللبنانية ومفاعيلها. يتردد بين الماضي والحاضر، الواقع والحلم؛ فتشترع نصوصه عالما «ممكنا» ذا قابلية على حمل المعاني الوجودية والاجتماعية.
وإذا كان التأويل هو «فن الفهم» فإن مفهوم «المابين» هو مقام التوسط للذات المتسائلة عن كينونتها، فينكشف في الرواية وصفا لحالة الإنسان المتأرجح في تضاعيف توتراته، بين الواقع والمرتجى، طلبا لأصالة في الاختبار والفهم والإنجاز الذاتي. فالمعنى له كينونة التجربة الإنسانية، التي يمكن استشفاف آثارها في الأفعال والسلوكات والوقائع والقرارات للشخصيات، أي العثور عبر البرامج التجريبية العينية عن الاختيار، الذي يقوم به الكاتب لنفسه ولمعنى العالم عندما اختار الكتابة وسيلة للتعبير. كما تكمن أهمية استراتيجيات التفكير «المابيني» في إثارة التساؤلات بدلا من الإجابة عنها؛ فتستطيع اللغة أن تعلن عن نفسها بوصفها مكان المساءلة ومكان التكشف. وهي تنهض على اشتغال المؤول في فضاء ليس فضاء الذات ولا فضاء الموضوع، ويغدو المصطلح ذو الأصل الفلسفي التأملي، من أدوات التأويل السردي، ولا يعصى على تظهيره في التقنيات السيميائية السردية لتحليل النص الروائي.
ونظرا إلى أنه لا مشروع من أجل الذات يفك ارتباطه بالعالم، فإن القراءة تسعى إلى تأويل المشاريع المأزومة في بعدها الاجتماعي. ولا تكفي مساءلة الخيارات من دون فك شيفرات الرموز المستخدمة في الروايات، لتبيان مأزقية الهوية بين ذات معطاة وذات حُلمية. وهذه الرؤية هي عصارة تجربة روائي يسلك طريقا فريدا اختطه لنفسه بعيدا عن التقليدية، فيكون بذلك قد دخل في فعل التأسيس لكينونة التاريخ ولكينونته هو عبر الفن الروائي الذي يراه جديرا بأن يتفرغ له تماما، مبتعدا عن الظهور الإعلامي، وكل مظاهر الصخب التي قد تشغله عن مشروع العمر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية