القاهرة ـ «القدس العربي»: 4 مشاهد تضمنها حدث وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، الذي وافته المنية أمس الأول الثلاثاء عن عمر ناهز الـ 91 عاما، بعد إجراءه عملية جراحية عاجلة في أحد المستشفيات العسكرية في القاهرة.
الأول تمثل في تأخر إعلان السلطات المصرية حالة الحداد في مصر، إلا بعد إعلان دولة الإمارات تنكيس الإعلام حدادا على مبارك، ما يعني أن إعلان النظام المصري تنظيم جنازة عسكرية، وإعلان حالة الحداد العام في البلاد لمدة ثلاثة أيام، بدأت أمس الأربعاء، وتنكيس الأعلام، جاء بضغط من دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات.
وحسب موقع «مدى مصر» فإن «قرار الجنازة العسكرية لم يكن محسومًا منذ البداية»، إذ نقل الموقع عن مصادر رسمية بشرط عدم ذكر اسمها، قولها «كان القرار السياسي قبل أيام من وفاة مبارك أن يحصل الرئيس الأسبق على جنازة رسمية غير عسكرية يحضرها رئيس الوزراء. وكان أطباء مستشفى الجلاء العسكري أخبروا كبار المسؤولين في الدولة أن مبارك حالته حرجة ويعيش أيامه الأخيرة».
اتصالات خليجية
وبينت أن «ما ساعد على تغيير القرار السابق، اتصالات من عدد من المسؤولين في الإمارات والكويت والبحرين والسعودية مع مسؤولين في الدولة المصرية، معبرين عن رغبتهم في المشاركة في تشييع مبارك، واستتبعت ذلك مشاورات داخلية رفيعة المستوى أسفرت عن إصدار رئاسة الجمهورية بيانًا نعت فيه ببالغ الحزن الرئيس الأسبق، لما قدمه لوطنه كأحد قادة وأبطال حرب أكتوبر المجيدة، حسب البيان، كما نعت القيادة العامة للقوات المسلحة مبارك، ووصفته بابن من أبناء القوات المسلحة وقائد من قادة حرب أكتوبر. وأصبح القرار أن يحصل مبارك على جنازة عسكرية مع إعلان الحداد لمدة ثلاثة أيام»، حسب أحد المصادر الذي قال إن «الرجل لم يُجرد من أوسمته العسكرية التي نالها عن سنوات خدمته العسكرية».
الموقع نفسه نقل عن مصدر في التلفزيون المصري تأكيده أنه «عقب انتشار خبر وفاة مبارك تلقى المسؤولون في ماسبيرو تعليمات بانتظار بيان رئاسة الجمهورية، وعقب نشر البيان وردت تعليمات جديدة بضرورة إنتاج تقارير مصورة عن مسيرته ودوره في حرب أكتوبر ونشرها بشكل عاجل». وطبقا لمصدر إعلامي آخر «التعليمات جاءت بالتركيز على دوره كقائد عسكري أثناء حرب أكتوبر 1973، وتجنب الحديث عن فترة حكمه قدر الإمكان».
عمرو بدر عضو مجلس نقابة الصحافيين المصريين كتب على صفحته الرسمية على «فيسبوك»، «لم تكن هناك ترتيبات لتنظيم جنازة عسكرية لمبارك، وكان السيناريو الأول هو جنازة صغيرة تشارك فيها أسرته وبعض المقربين، إلا أن ضغوط دول الخليج تحديداً السعودية والإمارات كانت السبب الأهم في حسم القرار بتنظيم جنازة عسكرية».
وأضاف: «التعامل الرسمي قبل الضغوط الخليجية تمثل في الاحتفاء بمبارك كقائد عسكري والابتعاد قدر الإمكان عن فترة حكمه لمصر التي اقتربت من الـ 30 سنة، وجاءت بيانات مؤسسات الدولة كلها، الرئاسة والقوات المسلحة ومجلس الوزراء والبرلمان تحمل نفس المضمون وهو الإشادة بمبارك كقائد للقوات الجوية في حرب أكتوبر».
رجال الرئيس الأسبق يجتمعون للمرة الأولى بعد ثورة يناير
الحقوقي جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، قال: «ألد أعداء ثورة يناير هم : السعودية، الإمارات، إسرائيل، وأكثر الحزانى على موت مبارك: السعودية، الامارات، إسرائيل».
أما المشهد الثاني في جنازة مبارك، فتمثل في تقدم الرئيس عبد الفتاح السيسي، المشيّعين في منطقة المراسم العسكرية في مسجد المشير في التجمع الخامس.
وشارك في الجنازة كذلك رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، ورئيس مجلس النواب علي عبد العال، والفريق أول محمد زكي القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، والفريق محمد فريد رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وقادة الأفرع الرئيسية، وكبار قادة القوات المسلحة، وعدد من الوزراء وكبار رجال الدولة، وعدد من الوزراء الذين عملوا خلال فترة حكم الرئيس الأسبق مبارك، وعدد من المسؤولين العرب والأجانب.
وحُمل جثمان الرئيس الأسبق، الملفوف بعلم مصر، فوق عربة تجرها الخيول يتقدمها عسكريون بأطواق من زهور، وسط عزف للموسيقى العسكرية، مع حملة النياشين والأوسمة، التي حصل عليها مبارك طوال فترة خدمته في القوات المسلحة.
وأطلقت المدفعية العسكرية 21 طلقة تحية عسكرية لمبارك. وقام السيسي بتقديم العزاء لأسرة الرئيس الأسبق، كما قدم العزاء كبار رجال الدولة.
أما المشهد الثالث فكان حضور كل مسؤولي عهد مبارك عدا رئيس المجلس العسكري المشير محمد طنطاوي، بعد حصولهم على أحكام بالبراءة في التهم التي وجهت لهم عقب ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، وظهروا متجمعين لأول مرة منذ قيام ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011 معا في الجنازة.
وجاء على رأس الحضور كل من أحمد نظيف رئيس الوزراء الأسبق، وأحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب سابقا، والفريق أحمد شفيق وزير الطيران سابقا، وفاروق حسني وزير الثقافة سابقا، ومحمد عبد المنعم سكرتير مبارك سابقا، وصفوت الشريف وزير الإعلام سابقا، وأنس الفقي وزير الإعلام سابقا، وأحمد عز أمين لجنة السياسات في الحزب الوطني.
أما المشهد الرابع، فقد اتخذ من مواقع التواصل الاجتماعي عنوانا، حيث اعتبر نشطاء سياسيون أن تنظيم جنازة عسكرية لمبارك، على الرغم من صدور حكم قضائي ضده بالسجن 3 سنوات في قضية مخلة بالشرف، وهي القضية التي عرفت إعلاميا بـ«القصور الرئاسية»، يمثل محاولة لإعلان وفاة ثورة 25 يناير 2011.
في 24 أيلول/ سبتمبر من العام الماضي، رفضت محكمة النقض طلبًا بالتصالح من محامي مبارك في قضية «القصور الرئاسية» التي حصل فيها على حكم نهائي بالحبس 3 سنوات، بعدما رفضت المحكمة ذاتها في 9 يناير/ كانون الثاني 2017 الطعن المقدم من مبارك ونجليه جمال وعلاء.
وكان الهدف من محاولة التصالح هو إسقاط العقوبة رغم قضاء مدة الحكم في الحبس الاحتياطي، لأن من تداعيات الإدانة في القضايا المخلة بالشرف منعه من مباشرة حقوقه السياسية والمدنية، ما يعنى عدم الترشح لأي منصب سياسي أو التصويت في الانتخابات التي تجرى داخل مصر سواء رئاسية أو برلمانية.
«زمن الفساد»
وكتب أحمد خليل على «فيسبوك»: «في اليوم نفسه الذي نظمت فيه الدولة جنازة عسكرية لرمز الفساد المدان بالسرقة بحكم محكمة وجددت حبس معتقلي الأمل المتهمين بمحاولة الاستعداد لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة».
وكان آخر ظهور لمبارك في صورة نشرها حفيده عمر نجل ابنه الأكبر علاء، بعد خضوع جده لعملية جراحية أخيرا.
والرئيس الأسبق مولود في 4 مايو/ أيار 1928، وتولى الحكم في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 1981، خلفًا لسلفه الراحل محمد أنور السادات، قبل أن تطيح بمبارك ثورة شعبية في 11 فبراير/ شباط 2011.
وعمل مبارك في القوات الجوية في العريش عام 1950، ثم نقل إلى مطار حلوان للتدريب على المقاتلات عام 1951، وتم نقله لكلية الطيران ليعمل مدرسًا، ثم بات مساعدا لأركان حرب الكلية، فأركان حرب الكلية حتى عام 1959.
وعُين الرئيس الأسبق قائدًا لقاعدة غرب القاهرة الجوية حتى 30 يونيو/ حزيران 1966، عين بعدها مديرا للكلية الجوية في 1967، ثم ترقى لرتبة عميد في 1969، ثم أصبح قائدا للقوات الجوية في 1972، فنائبا لوزير الحربية.
وقاد مبارك القوات الجوية إبان حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، وترقى إلى رتبة فريق طيار في فبراير/ شباط 1974، وتم تعيينه نائبًا لرئيس الجمهورية (السادات) في أبريل/ نيسان 1975.
«العفو الدولية»: مبارك إرث حي من التعذيب والاحتجاز التعسفي ونهجه مستمر
وقالت منظمة «العفو الدولية»، أمس الأربعاء، إن وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك تسلب من المصريين فرصة مهمة لإحقاق العدالة بسبب سلسلة الانتهاكات التي ارتكبت خلال حكمه الذي دام 30 عاماً، بما في ذلك مقتل مئات المحتجين في اضطرابات 2011 التي أنهت حكم رئاسته.
وبينت في تقرير حمل عنوان «حسني مبارك: إرث حيّ من التعذيب الجماعي والاحتجاز التعسفي حكم»، أن «حكما صدر على حسني مبارك، الذي توفي في القاهرة عن 91 عامًا، بالسجن مدى الحياة عام 2012 لتقاعسه عن حماية المحتجين من القتل والإصابة، وقد رحبت منظمة العفو الدولية في ذلك الوقت بالحكم باعتباره خطوة مهمة في إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب، لكن ألغي حكم الإدانة، وأطلق سراح مبارك في مارس/آذار 2017».
فيليب لوثر، مدير البحوث وأنشطة كسب التأييد في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو، قال: «لا تزال السياسات المميزة لحكم حسني مبارك أي التعذيب الجماعي والاعتقال التعسفي واقعا يوميا في مصر، فلم يُحاسب مبارك أبدًا عن مسؤوليته في ارتكاب سلسلة من الانتهاكات التي أشرف عليها».
وأضاف: «لقد رسخ مبارك جذور الدولة المصرية العميقة، والتي بدورها رسخت قوات الأمن فجعلتها محصنة وغير قابلة للمساءلة، ولم تحاسب على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة في عهد مبارك، وفي السنوات التي تلت ذلك. وما زالت تتصرف حتى يومنا هذا وكأنها فوق القانون».
ووفق تقرير المنظمة «إرث حسني مبارك مستمر من خلال أدوات القمع التي ابتكرها، وأبرزها في الأجهزة الأمنية غير الخاضعة للمساءلة، والتي تسيطر على البلاد بقبضة حديدية بعد تسع سنوات من سقوط مبارك».
وأضافت: «قُتل ما لا يقل عن 840 شخصاً، وجُرح 6000 خلال 18 يوماً من الاحتجاج الذي أطاح بمبارك في نهاية الأمر، وبالإضافة إلى ذلك، فإن ضحايا الاحتجاز التعسفي المطول والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة خلال حكمه، الذي استمر 30 عاماً، لم يروا بعد أي شكل من أشكال الحقيقة أو العدالة أو التعويض».
وزادت: «على الرغم من لائحة الاتهام الطويلة، بما في ذلك القتل ومحاولة القتل والفساد والاستغلال بهدف التربح، فإن الجريمة الوحيدة التي أدين بها مبارك بشكل حاسم هي اختلاس الأموال العامة، ولهذا حُكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات، وقضى جزءًا كبيرًا من عقوبته رهن الاحتجاز في المستشفى العسكري بسبب مشاكل صحية مستمرة».
وواصلت المنظمة في تقريرها: «أصبح حسني مبارك رئيساً لمصر بعد اغتيال سلفه في 1981، وعلى الفور فرض حالة الطوارئ التي منحت سلطات شاملة لقوات الأمن، وقيدت حرية الصحافة والتعبير والتجمع. وبقيت سارية حتى بعد خلعه، قبل إعادة فرضها في أبريل/نيسان 2017، كما أنشأ قانون الطوارئ نظام عدالة الظل الذي تحايل على النظام القضائي العادي، والضمانات المحدودة التي يكفلها، وقد نجم عن ذلك احتجاز عشرات الآلاف من الأشخاص بدون تهمة أو محاكمة، غالباً في ظروف مزرية. وقامت السلطات المصرية اليوم بإعادة إنشاء هذا النظام بموجب قوانين مكافحة الإرهاب».
وأكدت المنظمة أن «مبارك خلال فترة رئاسته، كان مهتماً بتعزيز دوره كقائد لسلاح الجو في حرب 1973 ضد إسرائيل لكسب الشرعية الشعبية، ومع ذلك، لم يكن لهذا صدى لدى جيل الشباب المحبطين، الذين أغضبتهم بشكل متزايد الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، وانعدام الفرص الاقتصادية، فأدت هذه العوامل إلى معارضة مستمرة لحكم مبارك وسياساته، وبلغت ذروتها بخروج الآلاف الذين غمروا الشوارع للمطالبة بالإصلاح الديمقراطي والعدالة الاجتماعية في عام 2011. وانتهى حكم مبارك الذي دام 30 عامًا باحتجاجات استمرت 18 يوماً جوبهت بالعنف والقمع، بما في ذلك الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي».
وتابعت: «أشرف حكم مبارك على إنشاء جهاز مباحث أمن الدولة سيئ السمعة والمثير للخوف، والذي بلغ عدد موظفيه في أوجه ذروته ما يزيد عن 100 ألف موظف، وكان يُعتقد أنه مسؤول عن مئات حالات التعذيب، وغيرها من الانتهاكات، مثل عمليات الاعتقال والاحتجاز بشكل تعسفي».
وزادت: «على الرغم من أن جهاز مباحث أمن الدولة قد تم حله رسميًا بعد انتفاضة 2011، لكن سرعان ما أعيد تشغيله تحت الاسم الجديد قطاع الأمن الوطني، وحافظ على نفس أساليب التعذيب التي تتضمن تعليق الضحايا من المعصمين والكاحلين، والضرب الوحشي، والصدمات الكهربائية، وتمتع أفراده بنفس الحصانة من العقاب».
واختتمت المنظمة تقريرها: «لا تزال مصر يحكمها رئيس من الجيش الذي يشرف على أزمة في حقوق الإنسان غير مسبوقة، حيث تُمارس انتهاكات حقوق الإنسان المروعة نفسها بشكل ممنهج، وفي كثير من الحالات على نطاق أوسع. ولا يزال الاحتجاز التعسفي الجماعي دون محاكمة، والتعذيب الممنهج، هو الواقع اليومي للعديد من المصريين وعائلاتهم، وهو تذكير صارخ بأن الإفلات من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان يديم المزيد من الانتهاكات والظلم».