يظهر، مع كل عملية إرهابية، العديد من التحليلات عن الجذور الثقافية للإرهاب، سواء كانت التطرف الإسلامي أو عقيدة التفوق الأبيض. وعلى الرغم من أن كثيراً من المحللين يحاولون عادةً طرح دوافع غير «ثقافوية» لهذه العمليات، خاصة في حالة الإرهاب الإسلامي، مثل «التهميش» والعنصرية المؤسساتية، إلا أن التطرف، بكل أشكاله، يعتبر عادةً نوعاً من العقائد الشريرة، التي يجب مكافحتها عن طريق نشر القيم الليبرالية والديمقراطية. يظهر هذا بشكل أوضح مع الإرهاب ذي الدوافع العنصرية، الذي يبدو بعرف «اليسار» الأوروبي والأمريكي أشبه بهرطقة متأصلة في المجتمعات الغربية، يجب اجتثاثها، وفرض العقائد القويمة بدلاً منها.
في ما مضى انتشرت تحليلات شديدة التعقيد عن العوامل البنيوية للأيديولوجيات الشمولية، مثل النازية والفاشية. كما نجد في الأدبيات الماركسية، بتحليلها الطبقي لطبيعة الرأسمالية، ولتطرف فئات من البورجوازية الصغيرة في عصور الكساد والأزمات الاقتصادية، وكذلك في التحليلات «النقدية»، التي تتحدث عن علاقة التحديث، والمؤسسات الانضباطية، والعقلنة العلموية والبيروقراطية، بالشمولية وجرائمها.
في أيامنا يبدو الفكر السائد كنسياً بعض الشيء: العقيدة الليبرالية الصالحة، بما يلازمها من مفاهيم، مثل الشعور بالذنب بسبب خطيئة أصلية ما، ونمط الحياة والكلام النظيف، والتسامح الشديد الذي يحوي كثيراً من الاستعلاء، يجب أن تواجه الانحرافات التي تأتي من الهوامش. البحث في الدوافع الثقافية للإرهاب أمر شديد الأهمية بالتأكيد، فالثقافة ليست مجرد عامل هامشي، فهي تعطي المعنى والإطار الرمزي والقيمي للفعل الإنساني عموماً. ولكن الاقتصار على تحليل العقائد يغيّب عدداً من الأسئلة المهمة، وعلى رأسها أسباب انتشار هذه الأيديولوجيات بالذات في الشرط المعاصر وبين فئات معينة. هل ذلك بسبب فساد طوية وضعف تفكير البشر الذين يحملونها؟ أم يمكن تحديد عوامل بنيوية، في هيكلية النظام الاجتماعي والسياسي السائد، تجعل هذا النوع من التطرف أمراً متوقعاً، وحاضراً بشدة في العلاقات الاجتماعية؟ وربما يمكن أيضاً طرح سؤال «ثقافوي»: هل يمكن إيجاد روابط بين العقائد الصوابية السائدة والتطرف؟ أو بمنظور آخر: هل تلعب الأجهزة الأيديولوجية، في المنظومات النيوليبرالية المعاصرة، دوراً في جعل التطرف جزءاً أساسياً من حياتنا؟
الأسلمة والتبييض
شكلّت قضية الهجرة إلى الدول الغربية عاملاً اقتصادياً وسياسياً شديد الأهمية لعقود، ضرورات إعادة البناء بعد الحرب العالمية الثانية، وقوانين الهجرة المتساهلة نسبياً قبل أحداث 11 سبتمبر/أيلول، ساهمت بوجود مجتمعات كاملة من المهاجرين، ظلوا لعقود غير مرئيين وعلى هامش الحياة العامة. هؤلاء الوافدون الجدد، ومعظمهم من الطبقة العاملة، لم يتم التعامل معهم في البداية بوصفهم مجرد مسلمين. الأسماء التي أطلقت عليهم تراوحت بين «العمال الضيوف» أو «المهاجرين» بكل بساطة. والعنصرية التي تعرضوا لها لم تنسب عادة إلى نزعة «استشراقية» أو بيضاء، بقدر ما فُسرت بميل تمييزي متأصل في النظام الرأسمالي. من نال حق الانتخاب من العمال المهاجرين كانت خياراته على الأغلب قريبة من الخيارات الانتخابية لأبناء طبقته: الأحزاب اليسارية، الاشتراكية الديمقراطية وأحياناً الشيوعية. يمكن تتبع هذا بشكل ملموس في مناطق عمالية، ذات نسبة مهاجرين مرتفعة في أوروبا، مثل حوض الرور الألماني، و«الأحزمة الحمراء» حول باريس وبعض المدن الفرنسية. وكذلك منطقة «الجدار الأحمر» شمال إنكلترا.
المعامل والمناجم أغلقت أبوابها مع بدء نزع التصنيع في الغرب، وأصبح «العمال الضيوف» فجأة مسلمين. عملية أسلمة الهجرة هذه ارتبطت بـ«منعطف ثقافي» مرت به الأيديولوجيا الغربية السائدة عموماً، وبالاستثمار بعمليات الأسلمة عالمياً ضمن سياق الحرب الباردة. دعم الإسلاموية سياسياً واستخباراتياً وثقافياً لم يقتصر على مناصرة الجهاديين في أفغانستان («مقاتلو الحرية» حسب مارغريت ثاتشر)، وتثبيت أنظمة ديكتاتورية عسكرية انتهجت سياسات الأسلمة، مثل نظام ضياء الحق في باكستان، وأنور السادات في مصر، أو أنماط قروسطية من الحكم، مثل سلطنة سعيد بن تيمور في عُمان، بل طالت الأسلمة أيضاً المهاجرين في الدول الغربية، عن طريق السماح بإنشاء شبكة كاملة من المنظمات والجمعيات الدينية، الممولة على الأغلب من الجهات نفسها، التي موّلت الجهاد العالمي، ما جعل العديد من المدن الأوروبية قاعدة للدعاية والنشاط الإسلاموي. سياسات الهوية لعبت كذلك دوراً كبيراً في الأسلمة، عن طريق تفتيت الحيز العام إلى جماعات هوية أولية، تبحث عن مكان لها ضمن هيراركية «التنوع» القائم. لا يرتبط الأمر بمؤامرة ما بقدر تغيّر المنظور البورجوازي في مرحلة ما بعد التصنيع: نمط الحياة والثقافة بات سلعاً يمكن الاستثمار بها، بعد نقل إنتاج السلع المادية، بكل تلوثه، إلى العالم الثالث. والعمال الذين كانوا يطالبون بحقوقهم، أصبحوا اليوم مهمشين ينشدون الاعتراف.
قد يكون تفكيك أيديولوجيا «الناس الطيبين» ضرورياً مثل، تفكيك التطرف الإسلامي والأبيض، فهو مدخل أساسي لاستعادة مبدأ التضامن، المستمد من الإرث النضالي للطبقة العاملة.
وكما تعرض العمال المهاجرون لعمليات الأسلمة، تمّ ضمن المنعطف الثقافي ذاته، تبييض العمال غير المهاجرين، فأصبحوا فجأة «طبقة عاملة بيضاء»، وألصقت بهم تهم الجهل والعنصرية والذكورية، بل اعتبُروا من أصحاب الامتياز، ولا تحق لهم الشكوى من ظروفهم المتدهورة، في ظل البطالة والفقر والتفتت الاجتماعي.
يسرد الكاتب البريطاني كنان مالك، كيف أدت سياسات «مكافحة التمييز»، في مدينة بيرمنغهام الإنكليزية، إلى تصاعد التوترات العرقية: جمعية «العمل العرقي المشترك»، وهي منظمة خيرية تعمل على مواجهة الفقر والتمييز على أسس هوياتية، وزعت المعونات والمخصصات حسب العرق والنوع والجنس. وبعد أن شهدت المدينة عام 1985 مظاهرات ضد الفقر والبطالة، نظمها عمال بيض وآسيويون وسود بشكل مشترك. اندلعت أعمال عنف خطيرة عام 2005 بين السود والآسيويين، رفاق الماضي، ساهم باشتعالها التنافس على المكاسب القائمة على نموذج «التعددية الثقافية».
عودة الراديكالية
هذه الوقائع تدل على خلل كبير في عملية الاندماج الاجتماعي، وهي من أهم الوظائف التي يفترض أن تأديها الأنظمة الاجتماعية الحديثة، مثل أنظمة السياسة والقانون والاقتصاد. فئات واسعة من البشر دُفعت خارج العالم البورجوازي، بعد أن فقدت مواطن عملها وفعالية تنظيماتها النقابية. فلم يعد عالم حياتها مهماً إلا بوصفه ميداناً لتسامح وتمكين بورجوازي، كما في حالة المسلمين، أو لإدانة وممارسات أشبه بالحرمان الكنسي في حالة العمال البيض.
ليس كل الإرهابيين بالطبع عمالاً مُفقرين، وكثير منهم تحدّروا من الطبقة الوسطى، ولكن عمليات الأسلمة والتبييض، وسياسات الهوية عموماً، أنتجت شرطاً ثقافياً وسياسياً عاماً، وضحايا مفترضين يثيرون سخطاً أخلاقياً كبيراً. وبعد أن كان راديكاليو الماضي، وكثير منهم أيضاً من الطبقة الوسطى، ينسبون أنفسهم لنضال الطبقة العاملة العالمي، صار راديكاليو اليوم يتكلمون باسم الضحايا المسلمين، أو البيض المهددين حضارياً وثقافياً في أرضهم الأم. يذكّر هذا بأطروحة الباحث الفرنسي أولفييه روا عن «أسلمة الراديكالية»، فبعد تراجع معظم الأيديولوجيات الراديكالية التقليدية، خاصة اليسارية منها، صار الإسلام هو الأيديولوجيا الأكثر مناسبة لكثير من الساخطين على المنظومة القائمة. يبدو أننا نشهد الآن عملية «تبييض الراديكالية»، في عصر يتراجع فيه الاندماج الاجتماعي، ومهدد دوماً بالأزمات الاقتصادية والانهيارات المالية. ربما كان التصدي للراديكالية الإسلامية والبيضاء لا يتطلب التفتيش في عقائد حامليها وحسب، بل مواجهة المنظومة الاجتماعية – الاقتصادية النيوليبرالية، التي تزدهر هذه العقائد في إطارها، بكل تعدديتها الثقافية.
استهداف «الناس الطيبين»
اللافت أيضاً ميل كثير من الإرهابيين المسلمين والبيض،/ لاستهداف الفئات البورجوازية الليبرالية المتسامحة والصحيحة سياسياً، و« أو «الناس الطيبون» كما يعرفون بالألمانية، ومن أهم الأمثلة على ذلك المجزرة التي نفذها الإرهابي النرويجي أندريس بريفيك، والهجوم الإسلاموي على مسرح الباتكلان في باريس. نمط الحياة هذا مستفز جداً للمتطرفين كما هو واضح. الاستهداف لا يقتصر على العمليات المسلحة والمجازر الجماعية، بل يشمل أيضاً حالة سخط ثقافي واجتماعي عام، واحتقار متبادل بين «الطيبين» و«غير الطيبين»، شبيه بدوره بالاستقطاب الطائفي الذِي تؤدي إليه سياسات الهوية. في حين بات انتقاد الصواب السياسي، والأيديولوجيات المتفرعة منه، شديد الانتشار والشعبية.
ربما لا تكون المشكلة بالصواب السياسي بحد ذاته، بل بعدم قدرة أنصاره على التساؤل حول الشروط البنيوية، التي تمكّنهم من أن يكونوا صائبين دوماً، أي الامتياز الطبقي الذي يتمتعون به، والذي يقيهم اتخاذ مواقف غير صائبة، أو لامبالية أخلاقياً، بقضايا مثل البيئة والحساسيات الثقافية. وربما عليهم أن يفهموا أنهم لا يستمدون مبادئهم من الحقيقة والأخلاق بحد ذاتهما، فهم أيضاً غير بريئين من السياسة والأيديولوجيا والانحياز الطبقي.
قد يكون تفكيك أيديولوجيا «الناس الطيبين» ضرورياً مثل، تفكيك التطرف الإسلامي والأبيض، فهو مدخل أساسي لاستعادة مبدأ التضامن، المستمد من الإرث النضالي للطبقة العاملة. وهو مبدأ شديد الضرورة مع عودة الاجتماعي، أي عودة قضايا العمل والطبقة وتوزيع الثروة، نتيجة سلسلة من الانتفاضات على الصعيد العالمي، تواجه منظومة شديدة الاختلال اقتصاديا وسياسياً وثقافياً.
٭ كاتب من سوريا