كيف تبدو العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة… بعيداً عن ترامب؟

حجم الخط
0

الفصل العاشر في سلسلة المناظرات التلفزيونية التي ينشرها الحزب الديمقراطي بمناسبة موسم الانتخابات التمهيدية، قدم ليلة الأربعاء لحظة قد تحرج و/أو تقلق و/أو تغضب الإسرائيليين على جانبي المتراس السياسي، وشريحة مهمة من يهود الولايات المتحدة.
المتنافس المتقدم في السباق على ترشح الحزب الديمقراطي للرئاسة، بيرني ساندرز، وصف رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو بـ “الرجعي والعنصري” أمام ملايين الديمقراطيين الذين شاهدوا المناظرة، والعشرات من مؤيديه الذين هتفوا في القاعة الموجودة في شارلستون في جنوب كارولاينا. المتنافسون الستة على المنصة لم يحاولوا الاحتجاج.
السناتور الذي من فيرمونت ألمح أيضاً بأنه سيفحص إعادة السفارة الأمريكية إلى تل أبيب. وشريكته الأيديولوجية، لكن الأكثر منه اعتدالاً، السناتورة من مساشوستيس، اليزابيث بيرن، تملصت من الإجابة وقالت إن مكان السفارة سيحدده طرفا النزاع.
رئيس بلدية نيويورك السابق، مايكل بلومبرغ، وهو المرشح الأكثر احتمالاً لمعظم الإسرائيليين، قال إنه لا يجب إعادة السفارة، لكن صفقة القرن -هذا ما يمكن أن نفهمه من أقواله- سترمى في سلة قمامة التاريخ بعد أن تحدث عن إخلاء المستوطنات التي خلف جدار الفصل. قدر نتنياهو بأنه لن يتجرأ أي رئيس ديمقراطي على قلب بادرات حسن نية ترامب رأساً على عقب.
التركيز القصير ولكن غير الدارج على إسرائيل هو نتيجة العاصفة التي ثارت في هذا الأسبوع في أعقاب رفض ساندرز المشاركة في مؤتمر “الأيباك” الذي سيعقد الأسبوع القادم في واشنطن. إن برودة المرشحين والجمهور تجاه إسرائيل، التي تحولت لدى ساندرز إلى عداء حقيقي، أبرزت الانجراف الذي حدث في تعامل الحزب مع إسرائيل في السنوات الأخيرة، الذي لعب نتنياهو دوراً رئيسياً في تسريعه وتعميقه.
الدقائق المعدودة التي خُصصت لإسرائيل أوضحت إلى أي مدى يمكن أن تتحول مكانتها من طرف إلى آخر إذا نجح ساندرز أو أي مرشح ديمقراطي في الفوز على ترامب في تشرين الثاني القادم، خاصة إذا كان نتنياهو لا يزال في منصب رئيس الحكومة. وقد أوضحت هذه الدقائق بشكل قليل أن احتمالية ترشيح ساندرز قد تحدث عاصفة في العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة. إذ يمكن أن توسع الشرخ والانقسام في نفس الطائفة اليهودية، ليس بسبب كراهية السناتور لإسرائيل نتنياهو، بل بالأساس بسبب يهوديته. مع ذلك فهذا أمر لم يحدث حتى الآن.

بصورة متسارعة

بقدر ما يمكن التقدير، فإن مناظرة أمس قبل الانتخابات التمهيدية التي ستجرى في جنوب كارولاينا يوم السبت، لن تحرف ساندرز عن التجديف السريع نحو الفوز في يوم “الثلاثاء العظيم” في الأسبوع القادم. وحسب الاستطلاعات التي جرت قبل بدء المناظرة، فإن ساندرز يتوقع أن يفوز في معظم الولايات التي ستشارك في الانتخابات التمهيدية الثلاثاء، وأن يتحول من متقدم إلى مرشح مؤكد للحزب الديمقراطي للرئاسة.
إن تاريخ المؤسسة الحزبية وجناحها الرئيسي سيحلق عالياً، وإن الضغط على خصوم ساندرز للانسحاب من السباق من أجل تركيز الجهود على مرشح واحد سيصبح ثقيلاً على تحمله. خصوم ساندرز كان عليهم أن يهاجموه معاً أثناء المناظرة التي جرت الأسبوع الماضي في لاس فيغاس، بسبب مكانته التي تبلورت كمتقدم في السباق. وبدلاً من ذلك، هاجموا بغضب الملياردير بلومبرغ الذي تسلل إلى صفوفهم بفضل ثروته.
وقد حاولوا التغاضي عن ذلك في المواجهة التي أجرتها أمس شبكة “سي.بي.اس”، وربما نجحوا في إبراز الأخطار الكبيرة التي سيلحقها الحزب بنفسه إذا وضع ساندرز على رأسه. ولكنهم فوتوا هذه الفرصة. ساندرز سرع خطواته الآن وراكم الدعم، لا سيما في أوساط الشباب. وحسب كثيرين، من المشكوك وقفه الآن.
ربما نجح نائب الرئيس السابق جو بايدن، الذي كان ظهوره الأكثر إثارة للإعجاب منذ بدء المناظرات، في إبطاء سير ساندرز نحو القمة. ومن خلال ذلك، أنقذ مكانته من الانهيار القريب. كان بايدن بليغاً وحاسماً، وعلى غير عادته، ربما حصل على تعاطف الجمهور المحلي. نائب الرئيس كان متفوقاً حتى وقت متأخر في جنوب كارولاينا على ساندرز بفارق كبير بفضل التعاطف الكبير معه في أوساط السود الذين يشكلون أغلبية الناخبين الديمقراطيين في جنوب كارولاينا. مؤخراً، بدأ يهبط في الاستطلاعات إلى درجة التعادل مع ساندرز.
إن ظهور بايدن الواثق قد ينقذه من هزيمة مهينة في جنوب كارولاينا. لم تكن هذه الهزيمة تقتضي انسحابه من التنافس فحسب، بل أيضاً ستسجل كإنجاز كبير لساندرز. هذا ما سيحدث أيضاً لبيرن إذا تحققت الاستطلاعات وهزمها السناتور ساندرز في ساحتها الداخلية في ماساشوستيس، حيث ستجد صعوبة في النهوض.
بعد أن هاجمت بليونة حليفها الأيديولوجي ساندرز لأنه لم يستطع أن يجمع التحالف المطلوب للإصلاحات المشتركة لهما، عادت بيرن لغرس أسنانها في بلومبرغ، مثلما اعتادت في المناظرة السابقة، وكأنها تلمح لساندرز وجمهوره المتحمس عن استعدادها للتجند في صفوف الثورة.
بايت بوتجيجي، من انديانا، أثار انطباعاً جيداً ببلاغته الجارفة، لكن عدم قدرته على كسر حواجز الاغتراب التي يشعر المصوتين السود بها تجاهه، حول مكانته إلى مرشح غير واقعي في نظر ديمقراطيين كثيرين. السناتورة إيمي كلوتشر أملت بالحفاظ على الأفضلية الضئيلة التي تقدمت بها في ولايتها مينوسوتا، التي ستجري فيها أيضاً الانتخابات التمهيدية في “الثلاثاء العظيم”. وبهذا ستنجو من المصير المتوقع لبيرن.

المصير المحتم

يجب القول في صالح بلومبرغ بأن ظهوره كان أفضل بكثير من ظهوره الأول البائس في المناظرة الأولى التي شارك بها في الأسبوع الماضي. فقد أظهر خبرة في الشؤون الخارجية والاقتصاد وتفاخر بإنجازاته كرئيس لبلدية نيويورك. وطالما يستاء منه الحزب الديمقراطي، فإن بلومبرغ ينظر اليه كثيرون كمرشح “لا مناص منه”، يمكنه الوقوف في المعركة الثنائية النهائية أمام ساندرز بيقين إذا انسحب بايدن من المنافسة.
كثيرون في الحزب يعارضون ساندرز، سواء بسبب مواقفه الراديكالية أو بسبب تأثيرها الحاسم -حسب رأيهم- على احتمالات فوزه على ترامب. وهو مرشح يعتبر نفسه “ديمقراطياً اشتراكياً” يريد تأميم الخدمات الصحية ويسعى إلى زيادة تدخل الحكومة في الاقتصاد ويصمم على مواصلة امتداح مستبدين يساريين مثل فيدل كاسترو بسبب إنجازاتهم الاشتراكية. ساندرز الذي اعتاد على فعل ذلك منذ كان في شاباً ماركسياً، هو متطرف حسب المصطلحات الأمريكية.
ترشيح ساندرز سيردع ناخبين ديمقراطيين معتدلين عن التصويت له، ويمكن أن يجعلهم يصوتون لترامب. وحسب منتقديه، لن يضمن ساندرز فقط استمرار رئاسة ترامب، بل قد يؤدي إلى هزيمة الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب وإفشال احتمالات الحزب في السيطرة على مجلس الشيوخ، سواء كان ذلك الآن أو مستقبلاً.
ساندرز يعرض الاستطلاعات التي تشير بصورة ثابتة إلى تفوقه على ترامب بصورة متساوية أو أكثر من كل منافسيه. والأهم من ذلك هو أن ساندرز يلوح بالحماسة الشديدة التي يثيرها ترشحه في أوساط الشباب تحت عمر الثلاثين، حماسة كهذه سيتكن الحزب من بث روح المعركة، وتجند آلاف المتطوعين وتؤدي إلى استنفاد جميع الإمكانيات الكامنة لدى المصوتين للحزب.
يبدو أن ساندرز يهدد بأنه إذا توحد حزبه من أجل إحباط ترشحه فسيخلق شرخاً بينه وبين المصوتين الشباب الذين يمكن أن يشقوا طريقهم بسرعة في هذه الأيام نحو حكم لفترة طويلة. لا يأمل أحد في أن يخفف ساندرز مواقفه ويتحول إلى وسط، خصوصاً في هذه المرحلة من السباق، في الوقت الذي يعتمد فيه على حماسة قاعدته الأيديولوجية.
ساندرز كان ولا زال سياسياً دوغمائياً، تحول إلى عجوز متشدد يجد صعوبة في سماع الانتقاد. وإيمانه بصدق نهجه ازداد الآن بفضل نجاحه في الانتخابات التمهيدية. ولم ينحرف عن المواقف التي أوصلته إلى ما هو فيه، بل سيزيدها حدة من أجل الإغضاب، ومنها العداء الطويل لليسار الأمريكي تجاه الاحتلال الإسرائيلي في المناطق التي اشتعلت في السنوات الأخيرة بسبب كراهية نتنياهو المتقدة، محبوب رئيسهم المكروه ترامب.
اليمين اليهودي من القدس وحتى لاس فيغاس ستنقض على أقوال ترامب الشديدة، وعلى صمت أصدقائه كمن وجد غنيمة. مقاطع الفيديو من المناظرة ستُخرج في الحملة اليمينية التي استهدفت استغلال تقدم ساندرز في منافسة الحزب الديمقراطي من أجل أن يدق إسفيناً بين يهود الولايات المتحدة وحزبهم المفضل وجعلهم يتركونه لصالح الحزب الجمهوري.
الجمهوريون ومؤيدوهم اليهود دائماً يحلمون بثورة يهودية لصالحهم قبل الانتخابات. ودائماً يخيب أملهم: هكذا سيحدث مع تغييرات غير جوهرية في هذه المرة أيضاً. وينتاب المؤيدين الديمقراطيين المتحمسين لإسرائيل قلق من أفعال ساندرز، فهو مرفوض تماماً مقابل الخوف من خطوات ترامب في الولايات المتحدة إذا فاز بأربع سنوات أخرى في الرئاسة.
يقول اليمين إن ابتعاد الحزب الديمقراطي عن إسرائيل هو عملية حتمية تنبع من زيادة قوتهم وتعزز تأثير الأقليات التي تشكل القاعدة الانتخابية للديمقراطيين. هم كما يبدو، غير إسرائيليين بتعريفهم. ولشديد مفارقة التاريخ اليهودي، فإن شكاً مشتركاً تجاه الأقليات يشكل أحد الحلقات القوية التي تربط بين اليمين القومي المتطرف في إسرائيل ونظيره في أمريكا.
معارضو نتنياهو من الوسط – يسار يلقون عليه معظم المسؤولية عن الاغتراب والكراهية التي يشعر بها معظم الديمقراطيين اليوم تجاه إسرائيل، والتي تصل أكثر إلى ما بعد معسكر مؤيدي ساندرز. علاقات نتنياهو المتكدرة مع معبودهم باراك أوباما وقصة غرام رئيس الحكومة مع ترامب الذي يكرهونه، حولت نتنياهو إلى شخص غير مرغوب فيه لدى أجزاء واسعة في الحزب. لذلك، يقدر ساندرز أنه سيفوز إذا وصف نتنياهو بالعنصري، وأن خصومه سيخسرون إذا تجرأوا على مخالفته.

بقلم: حيمي شليف
هآرتس 27/2/2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية