رام الله-“القدس العربي”: أثارت صور وأنباء عن سلسلة لقاءات عقدها مسؤولون فلسطينيون مع إسرائيليين في الآونة الأخيرة زوبعة كبيرة بين الفلسطينيين. فالكثير اتهم المسؤولين المشاركين في هذه اللقاءات بممارسة “التطبيع” مع الاحتلال الإسرائيلي، وإلحاق خسائر كبيرة بالقضية الوطنية. والبعض دافع عن هذه اللقاءات معتبرا انها واحدة من “المعارك” التي تخوضها القيادة السياسية من أجل حشد التأييد لحل الدولتين في الشارع الإسرائيلي الذي يتجه يمينا.
وشكلت السلطة الفلسطينية لجنة خاصة للوصول إلى الرأي العام الإسرائيلي، في العام 2012 عقب انهيار مفاوضات السلام، حملت اسم “لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي” وأوكلت قيادتها إلى عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” محمد المدني.
ونشطت اللجنة في تنظيم لقاءات ومحاضرات في المجتمع الإسرائيلي للتعريف بالموقف الفلسطيني المطالب بحل الدولتين. وشملت أنشطة اللجنة تشكيل مجموعة من الهيئات الفلسطينية-الإسرائيلية المشتركة للعمل على تحقيق السلام بين الشعبين على أساس حل الدولتين، مثل “برلمان السلام” و”منتدى الحرية والسلام”.
وشملت الأنشطة أيضا تنظيم لقاءات لمسؤولين فلسطينيين مع قادة من اليهود الشرقيين ورؤساء بلديات ونخب سياسية وحزبية وفكرية وطلبة مدارس وجامعات، وصحافيين وإعلاميين ومنتجين سينمائيين وكتاب وأدباء وغيرهم.
وقوبلت أنشطة اللجنة التي تجري بدعم مفتوح من الرئيس محمود عباس وقيادة حركة “فتح” بردود فعل في الشارع الفلسطيني تراوحت بين البرود والرفض والإدانة، ووصلت في بعض الحالات حد الاستنكار والتخوين وتوجيه تهديدات شخصية للمشاركين.
ويرى المعارضون أن هذا النوع من الأنشطة يقود إلى “التطبيع” بين المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي، ويوفر غطا لأنظمة عربية بالقيام بأنشطة “تطبيعية” مماثلة. ويحاجج المعارضون بأن كل هذه الأنشطة لم تحدث أي تغيير يذكر في الشارع الإسرائيلي الذي يتجه، منذ سنوات، نحو اليمين بلا توقف.
ومن أهم القوى المعارضة لأنشطة لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي، لجنة المقاطعة “بي دي اس”. وأصدرت اللجنة التي تحظى باحترام محلي وعربي ودولي واسع، عدة مواقف عبرت فيها عن رفضها لمثل هذه اللقاءات خاصة تلك التي عقدت في الخارج ومن بينها لقاء فلسطيني إسرائيلي عقد في العاصمة الإيرلندية دبلن في العام 2018.
لكن المسؤولين في السلطة وفي حركة “فتح” والقائمين على اللجنة يدافعون عن أنشطتها معتبرين انها تشكل امتدادا لأنشطة قامت بها الثورة الفلسطينية، قبل تأسيس السلطة، بهدف تحقيق الأهداف ذاتها.
وقال رئيس اللجنة محمد المدني في رسالة مكتوبة وجهها إلى لجنة المقاطعة، إن عمل اللجنة يأتي وفق “البوصلة الأساسية التي رسمتها قرارات المجالس الوطنية المتعاقبة منذ الدورة الخامسة عشرة في الجزائر في تشرين الثاني/نوفمبر 1988 وحتى يومنا هذا”.
وأضاف: “لقد وقعتم في خطأ الخلط بين الاشتباك السياسي مع الاحتلال على كل المستويات، وهذا هو صلب عمل لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي، وبين التطبيع مع الاحتلال الذي نعارضه مثلكم ومثل سائر القوى الفلسطينية بل لربما أكثر، لأننا نرى فيه منهجا ينسف منطق الاشتباك مع الاحتلال”.
وأشار إلى ان تشكيل وعمل اللجنة حظي بالمصادقة من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، والمؤتمر العام السابع لحركة “فتح” والمجلس المركزي لمنظمة التحرير والمجلس الوطني في دورته الأخيرة الذي اعتمد تقرير عمل اللجنة وثيقة من وثائقه.
وأكد: “إن لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي جزءُ لا يتجزأ من مؤسسات منظمة التحرير، تحتكم لقراراتها وتستنير بتوجيهاتها”.
ويقول القائمون على لجنة التواصل إنهم يستهدفون الشارع الإسرائيلي بكل مكوناته الأثنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. واعتبر المدني عمل اللجنة في أكثر من مناسبة بأنه إحدى وسائل المواجهة التي تهدف بمجموعها إلى تحقيق هدف واحد يجمع عليه الفلسطينيون، وهو الخلاص من الاحتلال، وتقرير المصير وإقامة دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
وقال: “ندرك أن تغيير الموقف الإسرائيلي تجاه قضيتنا لا بد وأن يمر ذات يوم من خلال الشارع الإسرائيلي الذي يعاني حتى اليوم من آثار عملية غسل دماغ فكري وعقائدي وسياسي من قبل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي عملت طيلة عقود سبعة على شيطنة الفلسطيني وتخويف المجتمع الإسرائيلي منه، والادعاء بأن هذه الدولة أقيمت على أرض لا شعب فيها لشعب لا دولة له”.
وبدأت الاتصالات الفلسطينية الإسرائيلية في وقت مبكر، وأقرت في المؤتمر الوطني الفلسطيني في دمشق عام 1974 وتولاها في حينة الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس الذي كان عضوا في اللجنة المركزية لحركة “فتح”.
ويعلن الرئيس عباس عبر مختلف المنصات انحيازه للحوار مع الإسرائيليين معتبرا أنه الطريقة المثلى لتغيير الرأي العام في إسرائيل نحو إنهاء الاحتلال.
ويستضيف الرئيس عباس وفودا إسرائيلية بصورة دائمة ويوجه لهم رسائل إيجابية حول المستقبل.
وقوبل العديد من هذه اللقاءات بانتقادات واسعة بين الفلسطينيين خاصة تلك التي وجه فيها الرئيس رسائل سلام للإسرائيليين وصفت بانها مغالية مثل رفضه المطلق كل أشكال العمل العسكري، وإدانة عمليات مسلحة ضد إسرائيليين، أو القول إنه شخصيا لا يود ممارسة حقه في العودة إلى بلده الأصلي (مدينة صفد) التي هجر منها.
ووضع الرئيس عباس ثقله خلف رئيس لجنة التواصل محمد المدني داعيا إلى إعادة انتخابه عضوا في اللجنة المركزية لحركة “فتح” في المؤتمر العام الأخير. وقال عباس في كلمته في المؤتمر انه هو صاحب القرار بشأن تشكيل لجنة التواصل واختيار رئيسها، وتاليا فإنه شخصيا يتحمل المسؤولية عن نجاح أو فشل عمل اللجنة.
ورغم الدعم اللامحدود الذي يضعه الرئيس عباس والقيادة السياسية خلف لجنة التواصل إلا أن عملها ليس فقط لا يحظى بشعبية، وإنما وصل الأمر، أخيرا، حد القيام بتظاهرات تطالب بحلها، وصدور بيانات وصلت حد الطعن في وطنيتها والمطالبة بمحاسبتها.
ومن أبرز التظاهرات التي اقيمت ضد اللجنة تظاهرة طلبة جامعة بيرزيت التي طالبت بإقالة عضو في مجلس أمناء الجامعة شارك في اللقاء. وصدرت بيانات شديدة اللهجة من الحركة الطلابية ضد العضو المذكور وصلت إلى حد اعتبارها تهديدا له ولعائلته. ومن جانبه أصدر بيانا حمل فيه إحدى القوى السياسية المسؤولية عن حياته وحياة عائلته.
وتفجرت الانتقادات والاحتجاجات على عمل اللجنة لدى ظهور تقرير تلفزيوني عن لقاء جمع عددا من المسؤولين والمسؤولين السابقين بإسرائيليين في مدينة تل أبيب الإسرائيلية مطلع الشهر الجاري، عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطته لحل الصراع.
وزاد من تفجر الأزمة ظهور صور للقاء آخر جرى بعد ذلك بأيام، في مدينة رام الله في الضفة الغربية جمع المستشار الديني للرئيس محمود عباس، محمود الهباش وعددا من الصحافيين الإسرائيليين.
وقال الوزير السابق عضو الوفد أشرف العجرمي، إن الهدف من اللقاءات هو إيصال رسالة إلى المجتمع الإسرائيلي بأن مشروع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المسمى “صفقة القرن” لا يشكل أساسا للحل السياسي، بل على العكس من ذلك يشكل أساسا لاستدامة الصراع.
وقال إن اللقاءات تشكل اشتباكا سياسيا وليس تطبيعا مع المحتل، مشيرا إلى أنها تأتي بتكليف رسمي من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.
وقال: “نحن نقوم بعمل وطني يهدف إلى تغيير الرأي العام الإسرائيلي، وإبعاده عن اليمين العنصري، وجذبه لبرامج القوى السياسية التي تنادي بحل الدولتين على حدود العام 67”.
ويبدو للكثيرين أن الغضب الذي تفجر أخيرا على عمل لجنة التواصل يعود إلى غضب الشارع على القيادة الفلسطينية بسبب إيلاء اهتمام للرأي العام الإسرائيلي أكبر بكثير من الرأي العام الفلسطيني.
ووجهت انتقادات كثيرة للقيادة السياسية لعدم القيام بأي مبادرات على الصعيد الداخلي لمواجهة مشروع ترامب-نتانياهو.
وكان الرئيس محمود عباس أعلن عقب نشر مبادرة ترامب “صفقة القرن” أنه سيوجه وفدا إلى قطاع غزة للقاء قادة “حماس” والاتفاق على برنامج عمل وطني لمواجهة ما وصفه بالمؤامرة الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية.
لكن الوفد لم يتشكل ولم تجر أي لقاءات وطنية لهذا الغرض.
وانتقد الكثيرون الاهتمام بتوجيه رسائل للشارع الإسرائيلي بدون اتخاذ أي خطوات لإنهاء الانقسام وتوحيد الجهد الوطني الفلسطيني لمواجهة مشروع ترامب.
كما وجهت انتقادات شديدة لحاملي الرسالة الفلسطينية إلى الشارع الإسرائيلي، أكثر مما وجهت إلى الرسالة نفسها. ويرى كثيرون في المسؤولين الفلسطينيين الذين حملوا هذه الرسالة انهم يمثلون جزءا أساسيا من ازمة النظام السياسي، خاصة مستشار الشؤون الدينية الذي يلقي خطبا تلفزيونية في صلاة كل جمعة، كل أسبوع، يخصصها للدفاع عن مواقف السلطة بما فيها من إجراءات إشكالية مثل التنسيق الأمني مع إسرائيل، والهجوم على خصوم ومنتقدي الرئيس محمود عباس.
وأدت موجة الانتقادات والإدانات إلى تراجع عدد من المشاركين في هذه اللقاءات. وقال أحد الأعضاء إنه لن يشارك في أي لقاء مقبل بسبب حجم المعارضة في الشارع الفلسطيني.