الدوحة ـ”القدس العربي”: تواجه دول الخليج العربي تحديات متعاظمة بسبب المخاوف من انتشار كورونا الجديد، الملقب بـ”كوفيد 19″ وهي تستحضر في ذاكرتها مسميات سابقة للفئة نفسها من الفيروس، وتحديداً متلازمة الشرق الأوسط التنفسية، المعروفة اختصاراً “سارس” والتي ظهرت أولاً في السعودية وانتقلت إلى الخارج.
الدول التي سبق وأن تعاملت مع هذا الفيروس في نسقه القديم، تستعيد تجاربها في التعامل مع الضيف المستجد، والذي تحول لكابوس يسيطر على أذهان الناس، مع دور وسائل التواصل الاجتماعي في بث المزيد من الذعر. ويشكل الجانب الاقتصادي محوراً رئيسياً من المخاوف التي أثارها الفيروس على الاقتصاد العالمي، مع تراجع الطلب على النفط الذي يشكل أحد المصادر الرئيسية لمداخيل دول الخليج.
وكانت السعودية من أوائل المبادرين للتحرك، واتخذت قراراً حازماً وسريعاً، بتعليق أداء العمرة إلى إشعار آخر، وأوصدت أبواب الحرم والمدينة في وجه زوار بيت الله، لحماية أراضيها، وضمان سلامة مواطنيها.
كما علقت السلطات أيضا تأشيرات الدخول السياحية للقادمين من الدول التي يتفشى فيها الفيروس، ومنعت دخول مواطني دول مجلس التعاون الخليجي باستخدام البطاقة الشخصية، في الوقت نفسه علقت السماح لمواطنيها المغادرة بالبطاقة الشخصية. وأعلنت اعتكافها على تقييم الموقف بشكل دوري ومستمر، لاتخاذ الخطوات المناسبة، تبعاً للمستجدات.
وشكل خبر تعليق العمرة أكبر صدمة في المنطقة، خصوصاً وأن ملايين المسلمين كانوا بصدد التخطيط لأدائها، شهري شعبان ورمضان، وحتى مطلع شوال تزامناً وموسم العيد.
وأعاد البيان الصادر من السلطات السعودية، الذاكرة إلى موسم 2015 حين شكّلت يومها حالات الإصابة بفيروس كورونا السابق، مخاوف من انتشار العدوى بين الحجاج والسلطات، وتواتر الأنباء عن امكانية تعطيل المناسك.
وتسلط المزيد من الأضواء على المملكة العربية السعودية باعتبارها تضم الحرمين الشريفين، وتتولى إدارة مناسك الحج والعمرة، وكل ما يصدر من قرارات تتخذها قيادتها هو محل رصد جموع المؤمنين في كل مكان، لتأثرهم بتلك المخرجات.
الرياض التي تتحرك قيادتها الجديدة في عهد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بأريحية أكبر من سابقيه، بتوسيعه هامش التعامل مع مثل هذا الملف الشائك (الحج والعمرة) تواجه بالرغم من ذلك مخاوف متزايدة منذ تواتر أنباء انتشار سلالة الفيروس الجديد في غريمتها طهران.
ومبعث قلقها الزيارات المتبادلة لمواطنيها من الشيعة للأماكن المقدسة في إيران، واحتمالية تعرضهم للإصابة.
المخاوف الرسمية من انتشار أعراض كوفيد 19 لم تتوقف عند حد اتخاذ الإجراءات الاحتياطية، وتجاوزتها باستغلال الظرف في ميزان الصراع الإقليمي.
السلطات الرسمية تركت آلة الدعاية تتحرك ضد الغريمة إيران، وسمحت لنخب مثقفة محسوبة عليها، لتحويل الخلافات الثنائية إلى وقود دائم للصراع، والادعاء أن طهران تسعى قيادتها لتصدير الفيروس.
ونشرت صحيفة “الجزيرة” السعودية، بشكل صريح اتهامات لإيران، والادعاء أنها تنشر ما تسميه بـ “الإرهاب الصحي”. وكتبت “ها هي إيران اليوم تضيف لما تصدّره من إرهاب دموي، الإرهاب الصحي، حيث تفشَّى فيروس كورونا في معقل الملالي مدينة قُم، ومنها انتقل لمن يذهبون لزيارتها من أتباع المذهب الشيعي من دول عربية”. وألقت النخب السعودية اللائمة على السلطات الإيرانية، والادعاء أن “ما يحدث نتيجة لتكتم إيران عن انتشار الفيروس فيها، وعدم إعلانها عن ذلك، كما تفعل كل الدول الطبيعية، فإيران دولة معدومة الشفافية وسبق ذلك ما أخفوه لعدة أيام عندما أسقطوا الطائرة الأوكرانية”.
دبي تدفع ثمنا اقتصادياً
تواجه إمارة دبي المزيد من المتاعب بسبب أنباء انتشار فيروس كوفيد 19 وتعاظم مخاوفها من تأثير الجائحة التي أصابت عدداً من الدول المحيطة على موسم السياحة، وتراجع أعداد الزوار والوافدين، وتلاشي آمالها بتحقيق رقم قياسي للسائحين.
وأبدت شركات السفر والضيافة في دبي مخاوفها من تأثير تفشي فيروس كورونا المستجد في الصين على السياحة، وعلى أعمالها وإمكانية انخفاض أعداد الزوار في واحدة من أكبر أسواق السياحة الخليجية.
وتستند المخاوف على القيود المفروضة على حركة الطيران إلى المدن الصينية، باستثناء بكين.
وآثار الفيروس لم تؤثر على انخفاض عدد السياح الصينيين إلى دبي فحسب، بل امتدت إلى تجنّب الناس المناطق المزدحمة، ومن بينها المطاعم، خوفا من التقاطه، وتغيير الناس لسلوكهم اليومي وحركة سفرهم. وكانت حركة السياح الصينيين إلى دبي تسجل نمواً بشكل كبير في السنوات الأخيرة، واعتباراً من السنة الماضية مثّلت الصين خامس أكبر دولة مصدرة للسياح إلى دبي، بعد الهند والسعودية وبريطانيا وعمان. وزار دبي من كانون الثاني/يناير إلى كانون الأول/ ديسمبر 2019 نحو مليون سائح صيني، بزيادة بلغت 15قي المئة عن الفترة نفسها من 2018.
تأثيرات كورونا الجديد يرتقب أن تمتد إلى فعاليات معرض اكسبو 2020 خلال الأشهر المقبلة، لتنسف جهود سنوات من التحضيرات لأحد أكبر المهرجانات الاقتصادية في العالم.
قطاع التجارة والشحن هو الآخر يواجه المزيد من التحديات، مع الاضطراب الحاصل في الصين المصدر الرئيسي والأساسي للواردات الخارجية نحو الإمارات.
وسجلت أغلب الشركات الموجودة في منطقة جبل علي مشاكل في التعامل مع عملائها والتوفيق بين العرض والطلب.
وأحصت السلطات الإماراتية منذ الأيام الأولى أكثر من 10 حالات إصابة بالفيروس، وكانت أحدث حالتين هما لسائح إيراني وزوجته. ومنعت مواطنيها من السفر إلى إيران وتايلاند ورفعت جهوزيتها العالية في المنافذ الحدودية.
البحرين والكويت مخاوف
سجلت المنامة والكويت أكبر عدد من حالات الإصابة بالفيروس لرعايا ومواطنين قدموا غالبيتهم من إيران وأبرز مدنها. وقامت السلطات البحرينية بتفعيل خطط طوارئ مع نظيرتها الكويتية في سبيل محاصرة المرض وتفادي تفشيه في أوساط الشعب.
أما سلطنة عمان فسجلت عدداً محدوداً من الإصابات لمواطنين قدموا من إيران.
وأجلت السلطات الكويتية نحو ألف شخص من مدينة مشهد شمال شرقي إيران.
وقرر مجلس الوزراء الكويتي إلغاء كل فعاليات الأعياد الوطنية الشعبية بسبب الفيروس حتى إشعار آخر.
الخطوط القطرية
سجلت الدوحة إصابة واحدة بفيروس كورونا، لرعية قدمت من طهران، واتخذت جملة إجراءات وقائية بهدف رصد أي حالات يشتبه في إصابتها بفيروس “كوفيد-19” بشكل مبكر، والحد من انتقال الفيروس بين أفراد المجتمع، إضافة إلى تطبيق التوصيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية.
وكانت الخطوط الجوية القطرية أول المتأثرين بالفيروس لتشعب رحلات طائراتها، واضطرارها لإلغاء المتوجهة نحو المدن الصينية، إضافة إلى الوجهات الإيرانية التي سجلت تذبذباً. وأعلن الناقل الوطني القطري اتخاذ إجراءات احترازية من قبيل إخضاع القادمين من إيران وكوريا الجنوبية للحجر الصحي مدة 14 يوما.
وقررت الدوحة فحص جميع السفن الآتية إلى موانئها الثلاثة (حمد والرويس والدوحة) تحسبا لإصابة أي فرد على متنها بفيروس كورونا.
وقالت شركة “موانئ قطر” إنها بدأت تطبيق فحص على جميع السفن الآتية إلى موانئ البلاد، خاصة من بلدان أعلنت عن تسجيل حالات إصابة، وذكرت أنها ستقلص -احترازيا- دخول السفن إلى ميناء الرويس.
الخلافات السياسية
تطويق انتشار الفيروس الجديد لم يكن أمراً كافياً لتجاوز الخلافات بين دول مجلس التعاون، ورفضت السلطات السعودية منح وزيرة الصحة القطرية تصريح دخول لحضور اجتماع طارئ لمجلس التعاون الخليجي، لبحث مواجهة فيروس كورونا. وجدد تصرف الرياض جذوة الخلافات، حيث دعت الخارجية القطرية السلطات السعودية إلى ممارسة دورها كدولة تحتضن مقر مجلس التعاون الخليجي بـ “حياد ومهنية”.
معلومات مغلوطة
سارع عدد من الباحثين والنشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي في منطقة الخليج إلى تقديم معلومات اعتبروها ضرورية للحد من الإشاعات التي أثرت على معنويات الجمهور وصورت كوفيد 19 على أنه وباء عالمي.
واعتبر عدد من المغردين أن الانفلونزا العادية تقتل أكثر من الوباء الحالي، وأوضحوا إلى الجمهور كيف أن تفشي مرض الالتهاب الرئوي الحاد “سارس” في الفترة 2002-2003 أدى إلى إصابة حوالي 9.000 شخص في 17 دولة وقتل نحو 10في المئة من المصابين. وبالمقارنة، فإن فيروس 2019-nCov أصاب بالفعل عددًا أكبر من الذين أصيبوا بالسارس، ولكن يبدو أن معدل الوفيات بالفيروس الجديد أقل بكثير، حيث أسفر عن مقتل 2-3 في المئة فقط من المصابين حتى الآن. وحسب أرقام وإحصاءات فإن الانفلونزا الموسمية العادية في 2017/2018 في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال ظهرت أعراضها على 45 مليون شخص، ولكن حالات الوفيات المرتبطة بالإنفلونزا كانت 61.000 حالة فقط، أي ما يعادل 0.14 في المئة فقط من المصابين.
وتشدد منظمة الصحة العالمية في المعلومات المنشورة في موقعها أن فيروس كورونا المستجد هو فيروس حيواني المصدر ينتقل للإنسان عند المخالطة اللصيقة لحيوانات المزرعة أو الحيوانات البرية المصابة بالفيروس. كما ينتقل عند التعامل مع فضلات هذه الحيوانات.