الحكومة العراقية المقبلة بقاء مصالح الأحزاب واستمرار الأزمات

مصطفى العبيدي
حجم الخط
1

بغداد-“القدس العربي”: بالرغم من حملة عنيفة من الضغوط والتهديدات الشيعية على البرلمان والقوى السياسية والحراك الشعبي، لتمرير تشكيلة حكومة محمد علاوي المؤقتة، فقد تم تأجيل جلسة منح الثقة مرارا، في سيناريو يتجدد مع تشكيل كل حكومة جديدة في العراق، ويكون الحاسم فيه هو نتيجة صراع الأحزاب على حصصها من غنائم الوزارات بعيدا عن مصالح الشعب وتطلعاته نحو الإصلاح والتغيير.

وبعد تأجيل جلسات البرلمان المخصصة للتصويت على حكومة محمد علاوي المؤقتة، من يوم الخميس إلى يوم السبت الماضي، ثم إلى اليوم الأحد، الذي يعتبر اليوم الأخير ضمن المهلة الدستورية الممنوحة لعلاوي لتشكيل حكومته (في الأول من آذار/ مارس) فإن فشل علاوي في الحصول على ثقة البرلمان بعدها، يعني قيام رئيس الجمهورية بتكليف شخصية أخرى لتشكيل الحكومة المؤقتة، وفقا للدستور.

وقد جاء التأجيل المتكرر لعقد جلسة البرلمان رغم سلسلة طويلة من الاجتماعات مع الكتل السياسية عقدها المكلف بتشكيل الحكومة المؤقتة محمد علاوي، على أمل الحصول على الثقة لحكومته، إلا أن استمرار الخلافات بين الكتل السياسية على حصصهم من الوزارات، حال دون الاتفاق على ذلك.

وبات واضحا أن أحزاب السلطة تعمدت وأصرت على نسف أهم ادعاءات المكلف بتشكيل الحكومة محمد علاوي، بأن حكومته ستكون بعيدة عن الأحزاب، حيث أثبتت قدرتها على تعطيل تمرير الحكومة في البرلمان عندما تتعارض مع مصالحها الخاصة. وقد تعمدت الأحزاب دفع الاتفاق على التشكيلة الوزارية إلى الساعات الأخيرة قبل انقضاء المدة الدستورية لتشكيل الحكومة، وذلك من أجل الضغط للحصول على مزيد من الوزارات مقابل الموافقة على تمرير تشكيلة الوزارة المؤقتة التي لن يزيد عمرها عن عام تركز خلالها على الإعداد لانتخابات مبكرة استجابة لمطالب الشارع المنتفض.

ولم يكن خافيا وجود ضغوط وإصرار شيعي لتمرير تشكيل حكومة جديدة في العراق، وخاصة من التيار الصدري وكتلة الفتح، على الكتل السياسية في البرلمان لعقد جلسة لتمرير حكومة محمد علاوي، بل أن تهديدات علنية صدرت من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بمحاصرة البرلمان إذا لم يتم تمرير حكومة علاوي، مع تهديد قوى شيعية بإقالة محمد الحلبوسي من رئاسة البرلمان إذا عرقل عقد جلسة البرلمان، بل وصلت إلى حد التلويح بعودة الفتنة الطائفية والحرب الأهلية.

وقد تركز الاعتراض على تمرير الحكومة المؤقتة، في الأحزاب الكردية وتحالف القوى “السنية” بحجة أن التشكيلة المقترحة لا تمثل كل المكونات وأنها تخرج عن إطار الشراكة في إدارة البلاد! وأنها تركز السلطة بيد القوى الشيعية التي انفردت بترشيح رئيس الحكومة. والحقيقة أن جميع الحكومات ما بعد 2003 لم تكن تعبأ بالتمثيل العادل للمكونات قدر تركيزها على الاستحواذ على أكبر عدد من الوزارات التي تدر موارد مالية لا تنقطع عن خزائن الأحزاب وقياداتها.

والحقيقة المعروفة في المشهد العراقي، أن اللاعب الأكبر المعرقل لتمرير الحكومة، هي أحزاب إقليم كردستان، التي تعودت مع تشكيل كل الحكومات السابقة، اللجوء إلى المساومة والضغوط للحصول على المزيد من الامتيازات، مبررين ذلك بحقهم في اختيار الوزراء كما يحق للشيعة اختيار رئيس الوزراء، ومستغلين حرص القوى الشيعية على وجود الكرد ضمن الطبخة السياسية الفاشلة، لضمان تمرير الحكومة في البرلمان، مع تقديم بعض الفتات لقوى سياسية تتاجر باسم السنة.  

وبعيدا عن صراع أقطاب الفساد على الوزارات والمغانم، وبرغم برودة الطقس وهطول الأمطار والتحذيرات الحكومية من احتمال انتشار فيروس كورونا في التجمعات، فإن موقف تنسيقيات الحراك الشعبي المطالب بالإصلاحات، والذي دخل شهره الخامس على التوالي، كان طبيعيا بتنظيم المزيد من التظاهرات الحاشدة، في ساحات الاعتصام في بغداد والمحافظات، لإعلان رفض حكومة علاوي كونها نابعة من أحزاب العملية السياسية، وسط سقوط المزيد من الشهداء والجرحى الجدد نتيجة إطلاق النار والقنابل الدخانية على المتظاهرين من قبل الأجهزة الأمنية وفصائل مسلحة تابعة لأحزاب السلطة. وكانت التنسيقيات قد اجتمعت لتحديد كيفية التحرك لمرحلة ما بعد تشكيل حكومة علاوي، كما شهدت مواقع التواصل الاجتماعي، حملة واسعة لرفض تهديدات الصدر للحراك واعتبار نفسه قائدا للثورة، وتحذيره الثوار من أعمال العنف وقطع الطرق، إضافة إلى انتقاد تهديد الصدر بإعادة جيش المهدي، المتهم بالتورط في الفتنة الطائفية، وسط ظهور مؤشر جديد على اتساع الحراك الشعبي بخروج تظاهرات حاشدة في إقليم كردستان، في السليمانية وغيرها، لانتقاد فساد وفشل السلطات هناك.

من المؤكد أن الحكومة المقبلة، لن تكون أفضل من سابقاتها، بل المتوقع أنها ستثير المزيد من الانقسامات والخلافات بين الكتل السياسية المتصارعة على السلطة وانعكاساتها على الشارع، وهي عاجزة عن تقديم الحلول لأزمات العراق المزمنة أو تحقيق مطالب التظاهرات التي دخلت شهرها الخامس، لأن هناك تحديات هائلة تواجه أي حكومة مقبلة، أبرزها إجراء انتخابات مبكرة نزيهة، ومحاسبة قتلة المتظاهرين وتقديم الفاسدين للقضاء وحصر السلاح بيد الدولة ومحاربة الإرهاب وتوفير فرص العمل وغيرها من المشاكل التي لا يشك أحد من العراقيين باستحالة قدرة أي حكومة على الاستجابة لها، إضافة إلى تداعيات ظهور مرض كورونا وانتقاله من إيران المجاورة التي لا يمكن قطع العلاقات والتواصل معها لأسباب سياسية معروفة، وذلك بالتزامن مع قلق مشروع لدى المراقبين، من أن الأجواء العامة في العراق وإيران المجاورة بعد الانتخابات الأخيرة التي فاز فيها المتشددون، تشير إلى توجه نحو تشدد أحزاب السلطة إزاء مطالب الحراك الشعبي أو العلاقة بين العراق والولايات المتحدة مقابل الانفتاح أكثر نحو إيران، وهي مبررات كافية لزيادة عدم الاستقرار والاضطرابات في البلاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية