في ماهية الجنس الأدبي العابر للأجناس

بحث جيل دولوز في ماهية الأجناس الأدبية، فوجد أنّ الاختلاف بينها نوعان: 1ـ اختلاف كامل هو الذي يستقر بين اللامختلطات التي لا تدخل في صلات تضاد. 2 ـ اختلاف فردي هو صغير جدا بين اللامنقسمات التي لا تمتلك كذلك تضادا. وبعكس هيغل الذي رأى أن الجنس هو النوع، فإن دولوز يرى الاختلاف بين الجنس والنوع ضمنيا، يعمل في الماهية، وهو توليفي في التحديد للنوع، ولا ينقسم إلى اختلافات، بل هو منقسم باختلافات تنتج عنها الأنواع Species المقابلة للجنس شكليا. وبهذا يضيف الاختلاف إلى الجنس Genre راهنية لا يحتويها إلا بالقوة. وبالاختلاف يتعين الجنس من الخارج، ويتعين النوع من الداخل، ما يسميه دولوز الترادف، ويضرب عليه مثلا في لفظي (أسديّة، ضفدعية) فكلاهما مترابطان جزئيا، وإن كانا مختلفين في نوعيهما.
والمهم في تنظيرات دولوز للاختلاف ما سماه (لوغوس الأجناس)، واجدا فيه التباسا وصدعاً أصاب الفكر الأرسطي، وأدخله في مناخ غير أرسطي. ومن هنا أتيحت فرصة جديدة لفلسفة التجنيس الأدبي أن تَعبر الحدود وتخترق الموانع. ومهمة الناقد في التفنيد للأجناس أو التدعيم لها ليست جزافية، ما دامت تستند إلى نظرية معينة، بها تبرهن على فرضية المقايسة والتعليل، لنستنتج إن كانت عملية التجنيس إبداعًا أم ابتداعا. وتظل حرية المؤلف مكفولة في الإبداع (لأن النص بطبيعته ليس بحاجة إلى هوية جنسية، كما تبين ذلك أعمال كثيرة ملتبسة غير متقررة)، وكبار الكتّاب كانوا يكتبون من دون أي عناية يوجهونها لابتداع تجنيسات أو ابتكار أنواع يضمنون أو يؤطرون بها كتاباتهم.
ولا نجد إعاقة في نفي مسألة الكبر والصغر عن الأجناس، إذ ليس فيها ما هو مميز عال وغير مميز متدن، كما كان الأمر مع نظرية الأنواع، التي فيها الرواية والشعر الغنائي والمسرحي وغيرها أجناس كبرى، بل الأجناس كلها على اختلاف أنواعها وأشكالها هي موضع تطامن بين المؤلف والناقد، والذي يكفل هذا التطامن معلومية القوالب التي تصب فيها المادة السردية.
أما لماذا لم تعد كبرى، فلأن الالتباس صار يحوم حول الأنواع الصغرى المتفرعة عن الكبرى، وهو ما أفرزته المرحلة ما بعد الكولونيالية وأدبياتها ما بعد الحداثية، من أن لا مانع في أن تتمتع الأجناس الصغرى بما تتمتع به الكبرى، من قدرة في التغلب على رهانات فنية ومضمونية شتى، والاختلاف هو الذي يؤهلها لكل ذلك، لاسيما أنَّ الأنواع أيضا قابلة لأن تكون كذلك كبيرة.
والمتوصل إليه اليوم في التنظير للأجناس، أنّ كثيرا من إجرائيات التقولب الشكلي ومعاينات الاختلاف الوظيفي، ما زالت تعاني اختلالا وتلكؤا، أولا في التمكين من فهم الحديّة الإجناسية وآخِرا في القطع باشكالية التعاطي مع قصدية التحديد الإجناسي، من خلال قراءة كل حد على أنه بناء مختلف، لا يسعنا إيجاد ما يماثله. وليس في ما يقوم به القصاصون من محاولات إبداعية في الابتكار في كتابة القصة القصيرة مثلا، أي اعتراض، بيد أنّ محاولة بعضهم توصيف كتاباتهم القصيرة بأوصاف توضع في المستهل مع العنوان الرئيس، أو في مقدمة الغلاف الأمامي، هو الذي يعطي انطباعا بأنّ القاص يعلن عن تجنيس قصصه باستخدام توصيف معين على الغلاف: وحدات أو متتاليات أو متواليات أو مسراوية، إلخ.

لا يعدو الاختلاف بين قصة قصيرة وأخرى أقل قصراً منها، منتفياً زمانياً، كون المسألة ليست كميّة بزيادة عدد الأسطر أو نقصانها، التي بها ستتحدد إن كانت القصة قصيرة أو قصيرة جدا.

ومثل هذا الأمر معتاد في الكتابة القصصية، لكنه لا يُحمل على محمل نقدي، وإنما يظل في حدود التجريب السردي، باعتباره توصيفاً وليس تجنيساً. والقصة القصيرة جنس قائم بنفسه، بمعنى أنه امتلك درجة القطعية في التشكل الأجناسي والاكتمال عبر مئة عام من التشييد، حتى لا مجال في الإشكال عليه أو الالتباس فيه. أمّا محاولة تفتيته وجعله منصهرا في غيره من الأنواع التي ما زالت يافعة، فأمر غير بديهي البتة. وكذلك الأمر مع القصة القصيرة جدا، التي لم يستقر بعد شكلها السردي، لتكون جنسا مستقلا، وهنا تكمن المعضلة في الاختلاف النقدي حولها، من ناحية قالب بنائها ومحددات كتابتها والوضعية اللائقة في تسميتها.
إن البينية في تمثيل القصة القصيرة، لقصص أكثر قصراً منها مثل (الأقصوصة والقصة القصيرة جدا والقصة الصاروخية والقصة الومضة والسرد القصير والسرد الوامض والأقصوصة والأقصودة، إلخ) ليست جلية في ظل نظريات النوع والجنس والتداخل الأجناسي.
وبسبب ذلك اختلف نقاد السرد ومنظرو الأجناس في مسألة عدّ القصة، التي لا يربو توظيف الفعل السردي فيها على بضعة أسطر أو أقل (قصة قصيرة جداً) أو عدم عدِّها، ومدى كون المتحصل القصصي متقولبا في خفقة الومض وسرعة البرق، التي يكون مداها الزمني قصيرا في حدود اللحظة، في حساب الزمن الفيزيقي. ومن هنا تعددت مسميات هذا النوع من الكتابة القصصية.
ولا يعدو الاختلاف بين قصة قصيرة وأخرى أقل قصراً منها، منتفياً زمانياً، كون المسألة ليست كميّة بزيادة عدد الأسطر أو نقصانها، التي بها ستتحدد إن كانت القصة قصيرة أو قصيرة جدا. وإلا كيف سنميز بينهما وبين قصيدة الومضة مثلا، إن لم يكن لها أساس تُشيد بنيانها عليه؟ ثم ما العلاقة بين مسألة القصر حسب عدد الأسطر، أو الكلمات وبين التوظيف الفني للتقانات ومديات تحصيلها للمبتغى الوظيفي منها؟
إن هذا المشكل متأت من استبعاد الاختلافات النظرية حول الشكل القصصي القصير، ومقاييس الكتابة فيه، ولا مجال لضبط آلية الاختلاف سوى بالعبور الذي فيه الانتقال يتم من النوع الأقصر إلى الجنس، الذي هو القصة القصيرة. ولا خلاف أنّ للتوجهات النقدية ما بعد الحداثية بمعناها التاريخي لا الأسلوبي، غاياتها في الاختلاف حول أحقية المراهنة على واحدة من النظريات (الأجناس/ التداخل الإجناسي/ العبور بين الأجناس) . لكن السؤال الآن هو ما مصير الأجناس التي هي كبرى مفروغ منها، والأنواع الصغرى التي تريد أن تكون في مصاف الكبرى؟ وكيف يمكن للصغرى أن تمتشق صفة الاختلاف التي حازتها الكبرى ؟
إن مصير الأجناس هو الذي يقرر خصوصية الأدب بوصفه نشاطًا ينماز عن غيره من الأنشطة بالاختلاف، وكأن مفروغية الأدب بوصفه أدبًا هي مفروغية الجنس بوصفه جنسًا، فكما أنّ الأدب يتنافر مع أي كتابة تريد أن تكون أدبا، وهي ليست بأدب، كذلك الجنس يتعارض مع أي تسمية تشابهه، لكنها تريد أن تكون متعيّنة خارجه. وفي ذلك منجاة النظرية الإجناسية بخصوصياتها الدلائلية، التي ستظل قائمة ما دام الاختلاف في اجتراح جنس من داخل جنس لم يتحقق بشكل كامل، الأمر الذي يجعل كثيرا من الاجتراحات الإجناسية مغلوطة، بسبب افتقارها إلى امتلاك شرط الاختلاف بشكل قاطع وتام، لا يتماثل ولا يتشابك أو يتقارب مع غيره. وهذا النوع من الاختلاف هو ما علله جيل دولوز بالمسافة، فالاختلاف في العمق يتألف من المسافات علما أن (المسافة ليست كمًّا امتداديا، ولكن علاقة لامتناظرة غير منقسمة بسمة تراتبية واشتدادية، تنشأ بين سلاسل بتعابير غير متجانسة، وتعبر كل مرة عن طبيعة ما لا ينقسم من غير أن يغير طبيعته على عكس الكميات الامتدادية).
وبهذا المعنى نتلمس أهمية الاختلاف، وكيف أنّ المختلف الأحادي هو (الجنس) بينما غير المختلف هو متعدد ومتكرر كـ(النوع) فيه، تتجلى طبيعة الأشكال والأنماط والصيغ التي بمجموعها تنضوي تحت المختلف النوعي (الجنس)، وعندها تزول إشكالية العلاقة التي تتواجد بين النوع والجنس، لأنها ستكون نابعة من اختلاف ومتقوقعة من ثم في ائتلاف، وليست ماضية من اختلاف إلى اختلاف أو من ائتلاف إلى ائتلاف. وحريٌّ بتشكلات كتابية وتمظهرات فنية كهذه، أنْ تعطينا إجابات عن أسئلة من قبيل: هل يكون الفارق شكليًا في تنميط الأنواع وصياغة العلاقات والمدار فيه يبقى هو النسق والإطار والأغراض؟ أو أن الفارق موضوعي، محوره مأساوي أو ملهاوي أو تخريفي؟ وما طبيعة المسافة التي تفصل بين الجنس والنوع؟ وكيف تحسب درجة التوتر بينهما؟ أ يصح القول إنّ الجنس اختلاف كيفي والنوع اختلاف كمي؟

٭ كاتبة من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية