يصعّد الروائي محمد الأصفر، في روايته ما قبل الأخيرة «تمر وقعمول»، من وتيرة البعد الذاتي في الحكي، وفاء لنهجه المعتاد في التقاط التفاصيل اليومية التي يحفل بها الواقع، رابطا إياها بالقضايا الوطنية والعالمية ذات الراهنية، ومبتكرا، في الآن ذاته، قوالب جديدة تستجيب لطبيعة المادة المحكية المسكوبة فيها.
ويأتي ذلك، في ارتباط وثيق بما تعيشه الذات، عقب أحداث ما يُعرف بمرحلة «الربيع العربي» وتبعاتها على المجتمعات العربية، ومن ضمنها ليبيا، الوطن الأصلي للروائي وراويه وشخصيتيه الرئيستين، وهما تعيشان بين أحضان غربة اضطرارية، بفعل نشوب حرب طائفية داخل البلد، صراعا حول السلطة، ومن يخلف العقيد المقبور على كرسي الحكم، وما يعيشه العالم من غليان اقتصادي وحقوقي وتكنولوجي.
تعمل رواية «تمر وقعمول» في هذا السياق، على كشف العديد من الملابسات المتواشجة التي لها علاقة بالإحساس بالهوية داخل بلدان المهجر، راسمة حدود الواقعي والخيالي فيها، ومصورة ما يجتلب في أعماق الشخوص المهاجرة، المفارقة لأوطانها من مشاعر متضاربة، منوعة من الأساليب السردية والتعبيرية داخل نصه، والمتأرجحة بين السخرية، والدرامية، والتفلسف والتأمل، والاستبطان والاستذكار والاستشراف، بلغة أقرب إلى الهواء الصباحي من حيث الخفة والرشاقة، بدون تكلف، أو تصنع، أو تعقيد، وجاعلة منها لغة وسطى مهجّنة، بين الفصحى والعامية، وموسعا أحضانها لتقبّل اللهجات واللغات والخطابات الأخرى الموازية والمتعايشة معها، بشكل يحفظ للمعنى بريقه وتموجاته وحضوره الذي لا يُعلى عليه في النص.
ما أصعب على الكائن أن يعيش منقسما على نفسه، مفصولا عن هويته الأم التي رضع ثقافتها، وتشبّع بقيمها الراسخة، وترعرع بين أحضانها، مشكّلا ذاته ووعيه تدريجيا، ليفتح عينيه ذات يوم، على كل هذا الخراب الذي دمّر كل شيء يرتبط به.
ذات مكسورة:
على الرغم من رشاقة المحكي وخفته، فإن الذات الباثة للخطاب تحمل ما تحمل من الضيم المستتر خلق أقنعة تداري الحرج والألم والإحساس بالغربة واللوعة والخواء، ضمن عالم مسكون بالتفاهة، والتحول والقذارة، وتراجع القيم الإنسانية، وكأن هذا العمل صرخة مزدوجة المغزى: فهي من جهة، تروم التسلية عن ذات مقهورة بالوجع، ومن جهة ثانية، تبلّغ رسالة إنذار للعالم، فحواها أن السيل وصل الزبى، وما عاد في الإناء ما يبعث على المسرّة والإغراء. لقد قاد الإنسان نفسه بنفسه إلى حافة هاوية سحيقة، ويحاول الروائي ما أمكن، أن يوصل هذه الرسالة الموجعة للفرد والمجموعة معا، بالسلاسة المتطلبة في عمل سردي يريد له صاحبه أن يُقرأ بالنهم المعهود على مستوى تلقي كتاباته.
يمرّ العامل الذات (الراوي) بوضعية صعبة، نفسيا واجتماعيا واقتصاديا، ذاك أنه بات يعيش، بين عشية وضحاها، في غربة قاسية، بعيدا عن موطنه الذي أحبه، ولم يستسغ العيش في منأى عنه، طوال عمر من الكتابة والخيبات، محاولا تجرع مرارة الوجود في عالم برّاني مختلف من حيث الثقافة والطقوس والشعائر ووتيرة العيش، رغم الحماية التي يوفرها للاجئين، والعيش الكريم الذي يضمنه للمهاجرين، سواء كانوا عربا أو غير عرب.
لم يجد الراوي- الشخصية ذاته في عالمه الجديد الذي فرض عليه قسرا عقب الأوضاع المشتعلة التي صار يعيشها بلده بعد مرحلة ما يدعى بـ«الربيع العربي»، حيث الحروب الهوجاء تأتي على الأخضر واليابس، وتدك العمارة والإنسان بآلتها الجهنمية الصماء، فلم يجد بدا من طلب اللجوء رفقة أسرته خارج الديار، وكانت ألمانيا وجهته، حيث يعيش بكرامة، لكن بشكل منقطع عن العالم الذي يحبه، والتربة التي نشأ فيها، وثقافته الخصبة التي يشتعل فيها خياله، وموهبته في السرد وفن الحياة.
لقد جعلت أوجاع فراق الوطن والأهل والأحبة والعوالم الشخصية المألوفة، الراوي الشخصية يعيش زمنا مفارقا، وحالة بين حالتين: نصفه يعيش في الوطن عبر الذكريات والأحلام، والتداعيات، ونصفه الآخر يظل قائما بين عوالم الهجرة الغريبة عنه؛ ساعيا إلى التأقلم مع الوضع الحال، والانسجام مع مكونات الثقافة الجديدة. وما أصعب على الكائن أن يعيش منقسما على نفسه، مفصولا عن هويته الأم التي رضع ثقافتها، وتشبّع بقيمها الراسخة، وترعرع بين أحضانها، مشكّلا ذاته ووعيه تدريجيا، ليفتح عينيه ذات يوم، على كل هذا الخراب الذي دمّر كل شيء يرتبط به.
تشبث بالتربة والأصل:
ولم يكن البطل من السذاجة التي تجعله عرضة للعواقب في بلد يعرف جيدا حرصه على تطبيق القوانين والتشريعات بصرامة، بل كان يفعل ذلك، عن سبق إصرار وترصد، حتى تتحول تلك النوى التي يرميها في التربة الخصبة، إلى فسائل نخل، تنمو في غفلة من الآخرين، حتى يتسنى له الاستئناس بها في غربته. فبمجرد أن يرى النخل والتمر يتعافى من عزلته القاسية، وإحساسه المفجع بالغربة في بلد تعجّ جغرافيته بنباتات وأشجار وطيور لم يعهدها في بلده الافريقي المتوسطي شبه الصحراوي. يقول الراوي على لسان الإنسان الليبي المكنى بـ«أبي جبير»: «أخيرا صار لي وطن، صارت لديّ واحة نخيل قريب، أرى نخيلها يتهادى كل يوم، يغني لي وأغني له».
وبالفعل، نجح البطل في ذلك، بل وجد من يتعاطف مع نخله، من الناس والحيوانات، خاصة بعد أن ظهرت للعيان فوائده، ومنظره الجميل الذي زاد المجال بهاء، ولم ير الألمان مضرة في وجوده في مجالهم الطبيعي، وإن صاحت أصوات عنصرية بضرورة التخلص من هذا الشجر الغريب الذي سينقل مساوئ البيئات التي جاء منها إلى بلدانهم، لكنها لم تفلح، بعد أن دافعت أغلب الجمعيات المتخصصة في حماية المجال الطبيعي، والنباتات والأشجار والحدائق والحيوانات عن النخل، وحرصت على بقائه، معتبرة اقتلاعه والمساس بحياته جريمة نكراء يعاقب عليها القانون، بل صارت هذه الجمعيات تحميه، وتحرص على مداواته، وتخصيبه، وتشذيبه، وتجويده، إسوة بباقي الأشجار المواطنة. اتخذ أبو جبير موشي والدا له، فيما اتخذ موشي أسرة أبي جبير أسرته البديلة التي صارت تؤنس وحشته، وتشبع خواء روحه، وتملأ الفراغ الذي يستشعره في غربته الألمانية، فكان يحس أنه بين أهله الليبيين الذين ولد بينهم، وشاركهم معهم الطعام والحليب والدم والذكريات والود، فما عاد يضايقه البعد والغياب، وبدأت روح البهجة تعود إلى جسده، بعد أن كان قد فقد الأمل في الحياة، بل طلب موتا رحيما يريحه من معاناته النفسية.
ما عاد النخل والقعمول، في متخيل شخصيات النص، مجرد تمرتين، بل صارا كائنين عريقين، عتيدين، لهما ولادة واستمرارية وحياة مثل البشر، بل لعلهما كانا يجسدان حياة الإنسان الليبي المغترب الذي تلاحقه الحروب والفجائع والخسارات الفادحة، سواء من حيث مقاومته المتغيرات الكثيرة، والتحديات الصعبة التي تعترض وجوده بوصفه كيانا برانيا، أو من حيث المصائر البائسة التي تكتب عليه نصّيا، فما أن ينجو من كارثة حتى تحلّ به أخرى في دائرة لا تنتهي من صراع البقاء، أي أن صيرورته الحياتية لا تختلف، في شيء، عن صيرورة الإنسان الليبي المقاوم لوعثاء الدمار المتلاحق، والنكسات الموجعة التي تباغته.
ترسّخ رواية «تمر وقعمول» الصورة الإيجابية للتعايش الذي كان بين العرب واليهود الوطنيين قبل النكبة، راسمة سوء الفهم الذي أشاعه الفكر الصهيونيّ لتحييد الرأي العام، وتمويه النظرة تجاه جرائمه، من خلال العمل على تهجير اليهود من كل بقاع العالم
قضية الآخر بصورة معكوسة
ترسّخ رواية «تمر وقعمول» الصورة الإيجابية للتعايش الذي كان بين العرب واليهود الوطنيين قبل النكبة، راسمة سوء الفهم الذي أشاعه الفكر الصهيونيّ لتحييد الرأي العام، وتمويه النظرة تجاه جرائمه، من خلال العمل على تهجير اليهود من كل بقاع العالم، باتفاق مع أنظمة عالمية حليفة، والزجّ بهم في معاركه البشعة ضد الإنسانية في فلسطين، ضد شعب أعزل، وفي العالم ضد كل من يقف في وجه غطرسته، علما أن الكثير من هؤلاء المرحّلين في مشاهد تثير الحزن، تشبثوا بأوطانهم الأصلية، معاكسين سياسة الاستيطان والتهجير، علنا وخفية، بل إنهم، ظلوا يعيشون، طوال ما تبقى من أعمارهم، على طعم الذكريات الجميلة التي تربطهم بإخوانهم العرب والأمازيغ والمسلمين، والعلاقات الإنسانية التي وصلتهم بهم، طوال قرون من الزمن، فيما ظل وجودهم الجسديّ الصوريّ يؤثث نظاما غاشما لم يؤمنوا برسالته ولا فلسفته مطلقا، وباتوا يلوكون تلك الذكريات، ويعيشون على وميضها، بدون أن يستطيعوا زيارة مواطئ تلك الذكريات حتى، بسبب الحرب بين العرب وإسرائيل، والعداء المستعر بينهما، فكانوا هم الضحايا. فمنهم من قضى نحبه، وفي نفسه غصة العودة، ومنهم من ينتظر، ومنهم من احتال على السياسة الصارمة لإسرائيل في منع الرعايا من الرحيل، بجوازات سفر برانية، للابتعاد عن مهزلة التاريخ التي لم يؤمنوا بها، ليفضلوا العيش في الغربة والشتات، على الإقامة في بلد يُشيّد على مآسي شعب، ومقبرة أحلام أناس لم تنصفهم المصائر الغامضة. وتكاد تكون أطروحة «تعايش الأديان والملل والمعتقدات والأعراق» الهدف الرئيس، والغاية الأسمى في رواية «تمر وقعمول»، إذ توطدت العلاقة بين كل أطياف الشخصيات الروائية، المختلفة من حيث المعتقدات والمبادئ والاختيارات، رغم التباينات الواضحة بينها، بدون أن يبدو، في أي موقف، أن الاختلاف يولّد الخلافات، بل بالعكس تماما، كان مصدر غنى على مستوى التجارب والقضايا الإنسانية. وبينما علا صوت الوطنية والانتماء والهوية المشتركة والوطن الموحّد، والماضي المتقاسم، خفُتَ صوت الملة والدين واللسان الرسمي، ليصير الوجدان وصوت الإنسان، في عمقهما وصفائهما، هما اللغتان الغالبتان في مجتمع النص.
كانت المصلحة المشتركة، والثقافة الجامعة، والحلم الموحد بالوجود في وطن متطور، ومجتمع مواطن، والإنسانية الصادقة… فواعل مبدئية متحركة تلحم الاختلافات وتصهرها، بطعم الملح، وصدق السريرة، ودفء الوطن، ورابطة الدم، وحسن الجوار، والتمسك بالمصالح الجامعة؛ غالبة على ما دون ذلك في النص الروائي، مثل المعتقد الديني، والانتماء العرقي، والهوية اللغوية، سواء في مرحلة الوجود داخل الوطن، أو في مرحلة الاغتراب والهجرة، وإن كانت هذه القيم تشتغل أكثر في المرحلة الثانية. لقد استطاع التمر، والقعمول، والجربوع، والملح، ورائحة البلد من الذكريات، أن تمحو فتنة الخلافات التي ينفخ نارها التعصب الديني الجاهل، والتشدد العرقي الواهم، في سياق عولمي كاسح يجعل من الأرض هوية كوكبية، ويدعو إلى فلسفة ترجيح الإنساني على ما سواه ضمانا لاستمرار الحياة الكريمة للبشرية.
٭ ناقد وروائي من المغرب