يا خانم، من فضلك شريحة مربعة من النقانق.
عفوا؟
طرفت بعيني أمامها. شريحة مربعة من النقانق – لم يكن لديها أي فكرة عما أفتش عنه. والعتب على شرود الذهن. فقد نسيت أنني في إنكلترا الملعونة. عموما تأخر بي الوقت الآن، ولم يعد عندي مجال لأتظاهر بأنني قلت لها «نقانق» فقط. وأنها لم تسمع الجزء الأول من كلامي جيدا. وهو شيء له علاقة بكلمة «شريحة طويلة» أو «مستطيلة» ربما. أو «لذيذة» أو «طازجة» – يمكن أن تدعي أنك أردت أن تقول نقانق لذيذة، لكن خرجت على لسانك بالخطأ فقلت: شريحة لذيذة من النقانق. عموما التراكيب الغريبة يمكن أن تودي بأي دماغ.
نقانق مربعة؟ قطبت وجهها، ولكن ليس بحنق أو سخط، ليس بطريقة عداء مبهم، ليس كذلك على الإطلاق، مع أنها الطريقة الشائعة أخيرا بين البنات الرقيقات.
لا بد أنه من اسكتلندا.
ماذا قلت..
في الحقيقة هي شريحة رقيقة جدا من لحم النقانق تقريبا بحجم 2 × 3 بوصة، وسمكها يتراوح بين1/8 بوصة حتى بوصة واحدة.. وحركت يديّ لشرح ما أطلب بطريقة أوضح. إما أن هذه البنت تعتقد أنني أحمق أو أمزح معها بطريقة مبتكرة وعلى الأغلب بنوع من زهو النخبة. قلت لها: حسنا. فقط هاتي ما تيسر من الغذاء الإنكليزي، لتكن هذه الشرائح الطويلة المحشية بالخبز والمرق – نحن نسميها في بلدنا باسم لحمة الحمية. مع أنها كانت تبدو محتارة لكن الآن مؤكد أنه عيل صبرها أيضا. يمكن لتجار النقانق في غلاسكو أن يكسبوا ثروة هنا. أليس كذلك. هههه.
قالت: نعم. وذهبت نحو المطبخ لتنقل لهم طلبي.
قلت لنفسي: على الأقل ردت حينما وجهت إليها الكلام، ولم تتركني معلقا في الهواء. لنفكر بذلك، تصور أنك متورط بمحادثة سخيفة من هذا النوع. عموما العديد منا يكسب قوت يومه بهذه الطريقة. في إحدى المرات كنت على متن حافلة، وأغط في وسن خفيف. كانت أمسية رائعة وحزمة من أشعة الشمس العجوز الطيبة تنسكب بشكل تيار من نافذة هناك. وعلى المقعد المجاور جلس «زلمة» متقدم في العمر، مرّ عليه سبعون صيفا أو ما شابه. وكانت الحافلة فارغة تقريبا. أما السائق، يجب أن أعترف، فكان أشبه بلوح طويل وعريض، وحاول أن يقود ببطء، وكأنه لا يحب أن يربح الوقت ويسابق الزمن. وفي مكان ما على الطريق أخمد المحرك وشد المكابح وجلس يتأمل المنظر الذي أمامه، وكوعه مستريح على المقود. وفجأة التفت «الزلمة» العجوز نحوي، وتوجب عليه أن يميل ثلث مسافة الممر التافه الذي يفصل بيننا، وتوقعت أنه أوشك على السقوط من مقعده. وأشار لخارج النافذة باتجاه متجر موزع صحف وبائع بقالة. وقال: هل ترى ذلك؟ وأردف: المتجر هناك.. هل تراه؟
أيوه.
حسنا كانت تقف هناك ماكينة لبيع السجائر، أمام عتبة الباب مباشرة.
حقا؟
إي.. وهز رأسه، ونفخ بأنفه كأنه يشخر، ثم ألقى ظهره مجددا على مسند المقعد، بدون مزيد من الثرثرة.
من طريقة تصرفه وكلامه تأكد لي أنه لا يدخن. ولكن حتى هذه المداخلة كانت تصرفا مضجرا، إذا فكرت بها كنوع من التسلية، رغم أنف الجو الكئيب والعقيم الذي يخيم على كل شيء. ولو مال الراكب العجوز ببساطة على الممر وهمس: ماكينات سجائر.. بمباشرة وبصوت عميق ومنخفض، واكتفى بذلك، سأكون حتى هذه اللحظة من حياتي مهتما غاية الاهتمام، بما يمكن أن ينطوي عليه كلامه، حسنا لنقل، من تداعيات.
الفتاة تعود الفتاة تعود.
شاي أم قهوة؟
شاي من فضلك، ورجاء اجعليها كوبين، أحدهما الآن والآخر أثناء الوجبة، يا خانم. في فترة الطعام الطري فترة الطعام الطري.
لم ترد على آخر ملاحظة، وعلى الأرجح لأنني تدبرت أمري وامتنعت عن النطق بهذه العبارة بصوت مرتفع. والشكر لك يا الله.
٭ كاتب اسكتلندي من غلاسكو. حائز المان بوكر.
ترجمة صالح الرزوق