الدوحة ـ «القدس العربي» عمدت دول الحصار بوسائل إعلامها المختلفة الرسمية منها وغير الرسمية إلى تجاهل الحديث عن اتفاق طالبان مع الإدارة الأمريكية الذي تم في الدوحة، بل تجاهلت عن قصد مجرد ذكر كلمة قطر للإشارة فقط على مكان توقيع الاتفاق، وتعاملت مع هذا الحدث الدولي العالمي في صورة «اللا حدث»، وعرضته للجمهور كما أنه مجرد حادثة وقت في القمر أو في المريخ أو في كوكب آخر.
ففي الوقت الذي عرف فيه توقيعَ الاتفاق بين طالبان وواشنطن في الدوحة اهتماماً إعلامياً دولياً يليق بمستوى الحدث، وتغطية واسعة شاركت فيها كبرى وسائل الإعلام الدولية، خاصة وأنه عرف حضور أكثر من 350 إعلامياً، وممثلين دبلوماسيين لأكثر من 30 دولة، وليس أقل من 10 منظمات دولية مهتمة بالسلام في العالم.
لكن وسائل الإعلام التابعة لدول الحصار الرسمية منها وغير الرسمية، الخاصة والعمومية، اختلقت مدرسة إعلامية جديدة تعتمد على تقنيات غريبة في صناعة الخبر، تقنية – للأسف ـ تغفل أحد أهم عناصر الخبر وهو المكان، فقط لأن هذا المكان (قطر) لا يعجب حكومات هذه الدول.
وسائل التواصل… سخرية وتهكم
وقد أثارت المذاهب الإعلامية الجديدة لدول الحصار في مسألة التعامل مع اتفاق الدوحة، سخرية واسعة لدى المدونين والمغردين في وسائل الاتصال الاجتماعي، وتساءل الكثير منهم، ما إذا كان تجنب ذكر قطر يسيء إليها أم يسيء إلى دول الحصار نفسها، التي وصفها البعض بأنها كمن يغطي الشمس بالغربال.
فقد أصدرت الخارجية السعودية بياناً غريباً يرحب باتفاق لا يذكر متى وأين تم توقيعه. وقالت الخارجية السعودية إن المملكة ترحب بتوقيع اتفاق السلام بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان، لما لذلـك مـن دور في استعادة جمهورية أفغانستان الإسلامية استقرارها بما يعود بالنفع على الأمـن والسلم الإقليمي والدولي.
تعاملت معه وكأنه حادثة في القمر أو المريخ وتجنبت مجرد ذكر قطر
وتضيف الخارجية: «نعبر عن تطلع المملكة لأن تحقق تلك الخطوة وقفاً شاملاً ودائماً لإطلاق النار، وسلاماً يعم جميع أنحاء البلاد، بما يسھم في تحقيق آمال وتطلعات الشعب الأفغاني الشقيق في التنمية والازدهار». لكن البيان لا يشير إلى قطر على الأقل كمكان توقيع الاتفاق، ولا طبعاً لدورها ووساطتها. ولم يكن ذلك غريباً، ففي المسألة الأفغانية ذاتها، اتهمت السعودية وباقي دول الحصار أيضاً، قطر بفتح أراضيها لجماعة «طالبان» الأفغانية ومدها بالمال والسلاح، وبأن مكتب حركة طالبان فى الدوحة جاء لإحلال الدمار والخراب فى أفغانستان، كما اتهموها باستخدام أموال المخدرات فى غسيل الأموال وشراء الأسلحة للجماعات الإرهابية والمتطرفة فى أفغانستان وخارجها. وفي المنامة، فضلت وسائل الإعلام البحرينية الاقتداء بأبو ظبي التي لم تعلق بأي شكل من الترحيب أو التنديد بالاتفاق، وذلك بعدما أخفقت في نقل الحوار بين الطرفين من الدوحة إلى العاصمة الإماراتية. وفضلت بعض وسائل الإعلام الإماراتية، إعادة نشر البيان السعودي كما هو.
ونشر موقع «سكاي نيوز» الإخباري، الذي يتخذ من أبو ظبي مقراً له، عدة تقارير عن الشأن الأفغاني قبل وبعد الاتفاق، لكن كلها لا تحمل أي إشارة لمكان التوقيع أو مسار المفاوضات أو الطرف الذي يرعاه، فلا يعرف قارئ «سكاي نيوز» لحد الآن أين وُقع الاتفاق، وقد يعتقد أنه وُقع في أبو ظبي التي سعت طويلاً وبكل الوسائل الشرعية وغير الشرعية لاحتضان مفاوضات واشنطن وطالبان ولم تنجح في ذلك. إلى ذلك، نشرت صحيفة «عكاظ» السعودية تقريراً عن توقيع الاتفاق، صدّرته بصورة كبيرة لبعض الجنود الأمريكيين في ولاية قندهار الأفغانية، دون أي إشارة إلى راعي الاتفاق، الجار القريب.
رئيس تحرير واحد وغرفة أخبار موحدة
وفي مصر أيضاً، نشر موقع «اليوم السابع» تقريراً مطولاً تجاوز 800 كلمة عن اتفاق الدوحة، دون الإشارة إلى قطر لا من قريب أو بعيد، حتى من جانب اختيار الصور الأربع المنشورة مع التقرير، والتي كانت اثنتان منها للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأخرى لمقاتلي طالبان، ورابعة لأحد المتحدثين باسم الحركة. أما وكالة أنباء «الشرق الأوسط» فلحسن الحظ ذكرت أنه التوقيع تم في الدوحة، ولأنها تحترم أصول العمل الصحافي، وهي الوكالة «الكبيرة»، نسبت الخبر إلى قناة «سي.أن.أن» الأمريكية!!.
ويأتي تغاضي دول الحصار عن ذكر قطر ودورها المحوري في الإنجاز الدولي بتوقيع اتفاق لوقف أطول حرب أمريكية في أفغانستان، والذي تحقق بالدوحة، في ظل استمرار السعودية والإمارات والبحرين ومصر في فرض حصار على قطر منذ يونيو 2017.
وعلى العموم، حتى وإن اتفق إعلام دول الحصار على رئيس تحرير واحد وغرفة أخبار موحدة، بثت ونشرت اتفاقاً دولياً كهذا مبتوراً وناقصاً ومشوهاً، فإن ذلك لا يسلب هذا اتفاق أهميته، فلم تشهد أفغانستان مثله، وهو خطوة هامة جداً في طريق إحلال السلام في بلد لم يعرف الاستقرار في تاريخه.
يبقى أنه كان يجب على إعلام دول الحصار أن يدرك أبجديات العمل الإعلامي، ويسجل ـ على الأقل ـ للتاريخ، بأن مكان الاتفاق كان في الدوحة عاصمة قطر، وأطراف الاتفاق هم: حركة طالبان الأفغانية، التي لديها مكتب دبلوماسي في الدوحة، والإدارة الأمريكية ممثلة بوزير خارجيتها، وأن مضمون الخبر هو توقيع اتفاق سلام بين الطرفين برعاية قطرية، بعد 19 سنة من الحرب و12 شهراً من المفاوضات التي استضافتها الدوحة. كما لا يفوتها أن تتحدث في بداية الخبر عن الزمان وهو السبت 29 فبراير/شباط، وهو تاريخ مميز أيضاً، يتبع تميز الاتفاق، يأتي في «السنة الكبيسة»، وهي سنة عدد أيامها 366 يوماً وليس 365 يوماً.
فالتاسع والعشرون من فبراير/شباط تاريخ لا يُنسى، لأن ذكراه تعود مرة كل أربع سنوات، وهواليوم الستون (60) من السنوات الكبيسة، وفقاً للتقويم الميلادي الغربي، يبقى بعده 306 أيام لانتهاء السنة. ففي كل أربع سنوات هناك يوم 29 فبراير واحد فقط. وفي 29 فبراير هناك اتفاق دولي واحد وُقع في الدوحة، وقد يكون ذلك مدعاة للفرح في دول الحصار التي لن «تضطر» كل سنة لاستذكار هذا الاتفاق «المشؤوم» (بالنسبة إليها طبعاً).