التوانسة الأكثر عددا في صفوف «داعش»… فقراء وأغنياء يسافرون إلى سوريا وفي دول الخليج يتبادلون الإتهامات حول صعود البغدادي… يلومون الأسد وأمريكا والجهات الخاصة

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: كيف تحولت تونس مهد الربيع العربي إلى مركز لتفريخ الجهاديين؟ ففي سوريا اليوم هناك أكثر 3.000 تونسي يقاتلون وتفوقوا في هذا على السعوديين (2.500) والأردنيين (2.100) واللبنانيين (900) وفرنسا (700) وليبيا (550) وبريطانيا (400) وهذه أرقام أصدرها مركز لمكافحة التطرف التابع لكلية كينغز جامعة لندن.
وقصة الجهاديين التونسيين لا تختلف عن بقية الجهاديين الذين خرجوا إلى سوريا والعراق، فعندما قرر أيمن العربوي السفر أخبر عائلته أنه سيغيب أسابيع قليلة للعمل في ليبيا، وبعد ستة أشهر اكتشفت عائلته الحقيقة من موقع على الإنترنت أعلن في حزيران/يونيو عن مقتله وهو يقاتل في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية «داعش».
وتقول والدته «كان ولدا هادئا» و «كان يقضي وقته في الدراسة وتحصيل علامات جيدة». وترفض عائلته أن يكون هناك طرف نظم ابنها وأثر على قراره للسفر إلى سوريا، وتعتقد أن ما أثر عليه أكثر هو قراءته لعدد من الكتب التي ألفها عالم سعودي.
وهو جزء من توجه عام لدى الشباب التونسي الذي يتأثر بالأحداث حوله، فتونس وإن كانت أكثر الدول العربية انفتاحا وتقدما والدولة الوحيدة التي نجت من اضطرابات ما بعد الربيع العربي ولا يزال حلم التغيير قائما فيها، لكن هذا نصف القصة، فعدد التونسيين المقاتلين في صفوف «داعش» يفوق عن العدد القادم من دول عربية أخرى حتى من السعودية. وتقدر وزارة الداخلية الشبان التونسيين بحوالي 2.400 مواطن انضموا لجماعات المقاتلين السوريين منذ عام 2011 وعاد منهم 400 متطوع فيما منعت الدولة سفر عدة آلاف. وتقول الوزارة إنها حاولت أكثر من مرة إغلاق شبكات التجنيد ومنع السفر عبر مطار تونس إلى اسطنبول ومنها للجنوب التركي ثم العبور إلى سوريا، أما الطريق الثاني فهو السفر إلى جنوب تونس وعبور الحدود إلى ليبيا والإنضمام لمعسكرات التدريب هناك.

دوار هيشر

و أشار في تحقيق لصحيفة «الغارديان» إلى دوار هيشر المدينة الفقيرة التي ذهب منها ما بين 40- 50 شابا سافروا للقتال وقتل منهم عشرة أو يزيد. وأسهم الدوار في الثورة التي أطاحت بزين العابدين بن علي عام 2011 حيث سقط أربعة شهداء من أبنائها. ومنذئذ ونتيجة لفقدان الدولة السيطرة على عدد من المناطق تحرك الراديكاليون الإسلاميون للمساجد وملأوا الفراغ وهيمنوا على الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي بعد توقف رقابة الدولة عليها. وفي دوار هيشر بدأ أنصار الشريعة ببناء قاعدة دعم لهم في المساجد وعلى صفحتها على «الفيسبوك».
وتظهر أشرطة الفيديو العمل الإجتماعي الذي قامت به الجماعة حيث كان افرادها يحملون المساعدات الغذائية ونسخ من القرآن الكريم التي توزع على السكان.
وقضى زعيم الحركة سيف الله بن حسني (أبو عياض التونسي) فترة يقاتل في أفغانستان قبل عودته إلى تونس. ويقول بعض السكان إن الجماعة قامت بتجنيد شبان للقتال في سوريا.

قصة عمر

وتضيف الصحيفة أن التجنيد لم يأت فقط من الأحياء الفقيرة، فهناك أبناء عائلات دفعتهم البطالة للبحث عن دور في العمل الإسلامي والدعوي. فعندما لم يجد عمر ابن أحد الموظفين الكبار في الخدمة المدنية عملا بعد تخرجه من الجامعة عام 2012 ، وجد في مجموعة اسمها «النصيحة» التي تلقى دعما من دولة في الخليج ملجأ وأًصبح داعية للفكر السلفي ويوزع الكتب الدينية الصادرة في السعودية.
وقضى الشاب وقتا طويلا على الإنترنت وهو يشاهد الأفلام التي تصور معاناة المسلمين من الروهينغا في بورما إلى سوريا.
ومن خلال الإنترنت تعرف على شاب سوري شجعه على السفر والقتال ضد بشار الأسد. واشترى عمر تذكرة دفع ثمنها نقدا، حيث استخدم أجور شقق تعود لوالده، وكانت أول رحلة له إلى خارج تونس باتجاه اسطنبول ومنها إلى جنوب تركيا. وعن تجربته في سوريا يقول إنه لم يتلق تدريبا عسكريا إلا اليسير منه.
وبعد ثلاثة أشهر تنقل فيها بين «جبهة النصرة» و»أحرار الشام» قرر المغادرة. في تلك الأيام كان من السهل الذهاب لمكتب «جبهة النصرة» في إدلب وطلب استعادة الجواز وحتى بعض النقود للعودة. وعندما وصل إلى تونس حققت معه الشرطة التونسية وأخبرها أنه سافر إلى تركيا لملاحقة فتاة تركية.
تعذيب وسوء معاملة

عمر كان محظوظا ولكن ليس غيره فبحسب محام تونسي تعرض بعضهم للتعذيب والمعاملة السيئة على يد المحققين التونسيين أو على يد فرقة مكافحة الإرهاب في مركز أمن غورجاني. وكان المبعوث الأممي ضد التعذيب القاضي الأرجنتيني خوان مينديز قد عبر عن قلقه في حزيران/يونيو لرفض السلطات التونسية السماح له بدخول غورجاني.
وتواجه تونس مثل بقية الدول التي تتعامل مع العائدين من سوريا والعراق معضلة قانونية. ويقول محامون إن مقاتلين لم يعودوا إلى تونس ومن عاد لم يشاركوا في عمليات قتل او ارتكبوا جرائم حيث برأت المحاكم ساحة بعضهم وحكم على البعض الآخر بالسجن. وقد يتغير موقف القاضي حالة عاد واحد من المقاتلين البارزين في صفوف «داعش». وتمثل منطقة شمال إفريقيا ساحة مهمة لتنظيم «داعش» حيث دعمت منظمة أنصار الشريعة في ليبيا وتونس التنظيم.

درنة ولاية «داعشية»

وهناك من يرى أن «داعش» أسس له أول «مستعمرة» في ليبيا ففي دراسة للباحث أرون زيلين من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، جاء فيها أن «داعش» والجماعات الجهادية المحلية المتحالفة معه استطاعت السيطرة على مدينة درنة الليبية مما يظهر الكيفية التي يستطيع فيها التنظيم التحايل على فكرة الحدود التقليدية ويوسع مناطق نفوذه.
وأِشار زيلين إلى قرار مجلس شورى «شباب الإسلام» الذي أعلن الأسبوع الماضي أن مدينة درنة أصبحت جزءا من أرض «داعش» (الخلافة) ولم يصدر من هذه تعليقا حول الإعلان و لم تعلن ضمها رسميا لأرض الدولة الإسلامية المزعومة لكن هناك إمكانية أو احتمال للتوسع وهو ما يضع نموذج «داعش» على طرف النقيض مع استراتيجية «القاعدة» وأخواتها.
ويظهر التطور الكيفية التي لم تعد فيها الحدود مهمة لـ «داعش» وشكل الدولة التي قد تنمو أبعد من حدود الشام والعراق. وكان مجلس شورى «شباب الإسلام» قد أعلن في شهر نيسان/إبريل عن سيطرته على مدينة درنة التي يسكن فيها 80.000 نسمة والتي تبعد 150 ميلا للشرق من مدينة بنغازي.
وقام أشخاص ملثمون على متن سيارات بيكب ويحملون الكلاشينكوفات وراجمات الصواريخ قد أعلنوا انهم قوة أمن المدينة، مع أن قوة «مجلس شورى شباب الإسلام» ليست الوحيدة في درنة ولم تكن قادرة على إدارة شؤونها لوحدها ولكنها استطاعت السيطرة على مستشفى الحريش بنفس الطريقة التي سيطرت فيها حركة أنصار الشريعة على مستشفى الجلاء في مدينة بنغازي.
وفي أيار/مايو بدأت المجموعة هذه بإصدار بيانات على صفحتها في «الفيسبوك» عن أفراد من الحكومة الليبية «المرتدين» و جماعات معارضة لهم وكذا أفراد من أبناء المدينة الذين «تابوا «وانضموا إليها. ومنذ ذلك الوقت نشر مجلس «شورى شباب الإسلام» أسماء أكثر من مئة شخص أعلنوا توبتهم. ورغم التظاهرات ضد تطبيق الشريعة إلا أن مجلس الشورى هذا بدأ بتطبيق نظام «الحسبة» ومحاسبة أفراد على سلوكهم غير الإسلامي. ونشرت صفحة المجلس في حزيران/يونيو وآب/أغسطس أخبارا عن مصادرة كميات من الكحول والمخدرات. وطبقت المجموعة الحدود حيث أدت لتخويف السكان وأثرت على سمعة الجماعة في الوقت نفسه. وإلى جانب استخدامها شعارات «داعش» وعلمه أعلن مجلس شورى «شباب الإسلام» في 22 حزيران/يونيو دعمه للدولة الإسلامية وخلافة أبو بكر.
وجاء في البيان ضرورة دعم هذه الدولة الإسلامية المضطهدة من الكفار والمنافقين ومرضى النفوس. وسبق بيان الدعم هذا الإعلان الرسمي عن درنة كجزء من أرض الخلافة والذي صدر في 3 تشرين الأول/اكتوبر، وبموجبه أصبحت ولاية درنة جزءا من الدولة الإسلامية المزعومة.
ويعتقد الكاتب أن الإعلان جاء بسبب وصول وفد من سوريا مكون من 15 شخصا عقدوا ندوة في مجلس الصحابة تحت شعار «الخلافة على منهاج النبوة».
وحضر الندوة مئات من الأشخاص ورفعت أعلام الدولة وظهرت سيارات مجلس شورى «شباب الإسلام» وعليها عبارات «الحسبة « و»الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، واستمع الحضور لأناشيد أصدرتها مجموعة «أنجاد الإعلامية» التابعة ل «داعش». ولم يلق إعلان مجلس شورى شباب الإسلام قبولا عاما من السكان ورفضت كتائب الشهيد أبو سليم ما قام به المجلس وأقسم أفرادها أن لا يقدموا البيعة لأي شخص خارج ليبيا.
وتخوض هذه الكتائب حربا مع مجلس الشورى والتي خلفت وراءها عددا من القتلى في الأسابيع القليلة الماضية.
وهو ما يثير الشكوك حول مزاعم واستمرار بيعة مجلس الشورى، لكن تاريخ درنة مرتبط بالجهاديين وسافر الكثير من أبنائها للعراق بعد الإحتلال الأمريكي عام 2003، وكذا إلى أفغانستان في الثمانينيات من القرن الماضي.
وتظل فكرة توسع «داعش» خلف حدودة الطبيعة صعبة خاصة أنها تحتاج لقدرات لوجيستية. ولو قبل «داعش» البيعة فسيكون قد انحرف عن نموذج «القاعدة» التي تعتمد على حلفاء محليين. ومهما كان فإعلان مجلس شورى «شباب الإسلام» يعبر عن الجاذبية التي بات «داعش» يتمتع بها لدى الجماعات الجهادية في عدد من بقاع العالم.

دول الخليج

وأمام هذه الجاذبية لـ «داعش» تجد الكثير من دول الخليج نفسها أمام حالة من البحث عن الذات ومحاولة للحد من نشاطات أفراد وجهات خاصة من مواطنيها ممن يدعمون الجهاديين خاصة «داعش».
وفي تحقيق لصحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» أعدته من مدينة الكويت إليزابيث ديكنسون قالت فيه إن صعود «داعش» أدى لتبادل اتهامات بين دول الخليج وحالة من البحث عن الذات والتعرف على الكيفية التي ظهر فيها تنظيم بهذه الشراسة. وفي كثير من النقاشات العامة والصحافية وحول موائد العشاء توجه أصابع الإتهامات لبشار الأسد في سوريا وإلى الرئيس باراك أوباما في واشنطن وإلى الجهات الخاصة والأفراد في مدينة الكويت. ففي الفترة ما بين 2012 ـ 2013 جمع أفراد وجمعيات خاصة ملايين الدولارات لدعم الثوار محولين الكويت لمركز جمع تبرعات مهم.
ويشير التقرير إلى ان الدعم المالي أمر والمتطوعون من دول الخليج في صفوف «داعش» شيء آخر وكلاهما أسهم في نمو وبروز التنظيم الجهادي بسرعة، وهنا آلاف من الشبان الخليجيين ممن يقاتلون في صفوف الجهاديين في العراق وسوريا. وبحسب أرقام لوزارة الداخلية تعود إلى الربيع الماضي هناك 1.200 سعودي انضموا لصفوف «داعش».
وتقول وكالة الإستخبارات الأمريكية «سي أي إيه» أن صفوف «داعش» تضاعفت عددا منذ حزيران/يونيو حيث انضم عشرات من الكويتيين والقطريين والبحرينيين والإماراتيين. وتساءل قارىء لصحيفة سعودية «السؤال هو من هو داعش ومن أين جاء؟» وأضاف «تحتاج ظاهرة داعش لفحص جاد وآمل أن يلتفت قادة المسلمين لهذه الظاهرة لأنها تهم كل شخص». وتقول الصحيفة أن أهل الخليج يلومون الولايات المتحدة ويحملونها مسؤولية ظهور «داعش». فهناك من يلوم واشنطن على تجاهل ظاهرة «داعش» وآخرون يقولون إن الولايات المتحدة قدمت دعما كبيرا للمقاتلين السوريين. وهناك من يقول إن تردد واشنطن بدعم المعارضة السورية المعتدلة سمح للجماعات الجهادية البروز على حساب بقية الفصائل. فقد تجاهلت واشنطن تحذيرات دول الخليج وفرنسا وبريطانيا حول مخاطر ترك الجماعات الإرهابية في سوريا حسب معلق سعودي معروف.
لكن لوم أمريكا جزء من لوم الذات، ففي الكويت وصلت نشاطات دعم المقاتلين السوريين ذروتها في عام 2012 وشارك في نشاطات دعم الثورة السورية المشايخ وربات البيوت والأطفال.

ضد الإخوان

وتنقل الصحيفة عن نائب كويتي وهو نبيل الفضلي قوله «كل قنبلة انفجرت في سوريا جاء الدعم المادي لها من الكويت». وتقول الصحيفة إن الفضلي ليبرالي يرفع شعار «الولاء للكويت والعداء للإخوان».
ويضيف «هؤلاءالناس البسطاء والمساكين يشعرون بأنهم يتقربون لله بهذه التبرعات لكنهم لا يعرفون أنها تذهب لجهات لم يحلموا بها».
ويطالب الفضلي بتنقية المقررات المدرسية من الأيديولوجية الإسلامية وحرمان الكويتيين ممن قاتلوا في صفوف المتطرفين من جنسياتهم.
وفي المقابل يقول النائب محمد دلال عن الحركة الدستورية الإسلامية التي تمثل الإخوان المسلمين أن سقوط المعتدلين الإسلاميين في مصر وقمعهم أرسل رسالة مفادها أن العنف هو الخيار الذي يمكن من خلاله تحقيق التغيير.
وفي الوقت الذي يختلف فيه أهل الخليج حول المصدر والمسؤولية عن «داعش» إلا أنهم متفقون على شراسته ووحشيته ولهذا تشارك كل دول الخليج في التحالف الأمريكي ضده. «كل واحد يدعم قصف داعش حتى الشيطان نفسه يريد قيادة الطائرات وقصفهم» يقول سليمان الجاسم، وهو ناشط معارض.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية