كثيرةٌ هي كنوز الأدب المطمورة في الظلام، لكن رواية «أحدب نوتردام»، أو «كنيسة نوتردام» بترجمتها الحرفية من الفرنسية Notre-Dame de Paris، لشاعر فرنسا وأديبها فيكتور هوغو، حجبتها أضواء الشهرة، حتى لا يكاد يستبين منها إلا شبح رجل أحدب يتقافز بين أعمدة كنيسة نوتردام، حاملاً بين ذراعيه فتاة صغيرة يعشقها، بينما قلبها متيمٌ بفارس أحلامها الضابط العسكري، ولا يرى في الأحدب المسكين إلاّ كائناً مشوّهاً مثيراً للشفقة والاشمئزاز. إنها قصة الجميلة والوحش. هكذا أاختزلت هذه الرواية إلى صور بسيطة تتلاحق عبر عشرات الأفلام والمسلسلات للكبار والصغار، فالجميع يعرف أحدب نوتردام، وقليلٌ هم الذين يعرفون الرواية حقا!
لقد كنت واحداً من هؤلاء الذين أثنتهم شهرة الرواية واختزالاتها المبسطة في الحب بين الأحدب والجميلة، عن اتمام قراءتها، ولسنوات طويلة لم يكن لديّ اهتمام أو فضول لقراءتها. كان هذا ربما من سوء حظي، أو ربما من حسن حظي، فقراءتي لها الآن جاءت في أوانها، حتى إذا نمت وأينعت في تربة النفس، تبدت فرادتها كأعجوبة من أعاجيب الأدب!
إن باريس بتفاصيل جسدها الدقيقة، وتعرجات روحها العميقة، تتكشف على مسرح هذه الرواية. إنها باريس القرن الخامس عشر، حين كانت لاتزال غارقةً في ظلام كهنتها، وقضاتها وحكامها، لكنها أيضاً باريس الجميلة بصبواتها، وأفراحها التي تتلألأ فوق بيوتها، وكنائسها، وجسورها وشوارعها، وعلى مياه نهرها الذي يلتف بفتنةٍ كوشاحٍ على خاصرتها، وهي ترقص في حفلاتها الصاخبة المجنونة حتى شعاع الفجر.
قبل سنوات كنت أتجول في باريس برفقة صديقي الفرنسي فابيان حين قال لي: «إن باريس مدينة أنثوية، أما لندن فمدينة ذكورية». هذه العبارة كانت تترد في ذهني وأنا أقرأ رواية «قصة مدينتين» لتشارلز ديكنز، فقد كانت باريس ديكنز امرأة وحشية كاسرة، تحيك أنوالها متعطشة لمزيد من الدماء، كانت مسرحاً لهوام الليل ووحوشه من حثالات البشر، التي ارتكبت أفظع الجرائم إبان الثورة الفرنسية. هذه الروح الوحشية لباريس شاخصة أيضاً بعيونها وأظافرها الدامية في رواية «أحدب نوتردام»، حيث المرأة الغجرية التي اختطفت الطفلة الصغيرة من أحضان أمها، وقضاتها الظلمة، ولصوصها وقتلتها المتهافتون زرافات كضباع الليل الجائعة لتدمير كنيسة نوتردام، وإقامة مشانقهم وعدالتهم المشوهة. لكن ديكنز ابن لندن، وهوغو ابن باريس، لهذا لم يكن الجانب المتوحش إلا أحد أوجه باريس، فعلى الضفة الأخرى من نهر السين هنالك الإسميرالدا، هذه الفتاة البريئة التي تتفتح كزهرةٍ برِّيةٍ طرية، ويفوح شذاها الفاتن في كل أرجاء المدينة. إنها الإسميرالدا؛ مِيعَةُ الصبا والصبابة، وفتنة الولع والبراءة. إنها الإسميرالدا روح باريس الفتيّة التي حولها هوغو لقصيدة ملحمية خالدة، في حين لم يرَ عقل ديكنز العبقري هذه الأنوثة الساحرة لباريس!
أجمل المشاعر وأنبلها ما تنفك تتجلى كومضات الضياء المنبثقة من أحلك الظلمات، هذا الضياء يخترق الأزمنة كلها، ويلامس قلوب الناس في كل مكان وزمان.
كانت الإسميرالدا، التي لم تتجاوز ربيعها السادس عشر، وحيدة وضائعة في باريس، فقد اختطفتها امرأة غجرية من سرير أمها الفرنسية، وطافت بها سنوات طويلة عبر سهول وجبال بعيدة، لتعود بعد هذه السنوات إلى باريس مقطوعة الجذور، إلّا من خليلتها العنزة «دوجالي» ذات القرون الذهبية التي علمتها الرقص والغناء، وتقليد حركات الأشخاص. كانت الإسميرالدا تغني وترقص يومياً بالقرب من كنيسة نوتردام لتكسب قوت يومها، لكنها كانت ترقص بمرح الطفولة، وولع الصِبا، وفتنة الأحلام الساهية، وتتقافز بقدميها الرشيقتين، وكأنها ترفرف بهما فوق الأرض، وتكاد تطير مثل العصافير، وتشدو بصوتها العذب كالبلابل النشوانة، ابتهاجاً بالفجر والأمطار. كل هذا الرقص والغناء الغارق في نشوة أحلامه وأفراحه الطفولية البريئة كان ينشر السحر في نسائم الهواء، وأشعة الشمس، ومياه نهر السين فتتنفسه باريس، ويسري في أوصالها الدفء والعذوبة.
أحد الذين أسكرهم سحر الإسميرالدا راهبٌ متبتلٌ في محرابه المعتزل في أعالي كنيسة نوتردام. راهبٌ نذر حياته كلها للدين والعلم، بل تجاوزهما لعلوم السحر القديمة، باحثاً في أسرار العالم الخفي عن قوة التحكم بالعالم الظاهر. كان يظن أنه وجد السكينة في عوالم الروح الصافية، ولذة السلطة الدينية التي يخضع لها الجميع، لكن رقصات الإسميرالدا المرحة زعزعت ثبات نفسه، وتغلغل غناؤها العذب عبر طبقات الجليد التي أحاطت بروحه. كيف له أن ينجو من تيار الغواية الذي ينتزعه بقوة هائلة من داخل كنيسة نوتردام، ليرمي به في هاويةٍ بعيدةٍ عن الدين والعلم؟ كان هذا الكاهن الشقي أشبه ببحارة أوديسيوس، في ملحمة الأوديسة، الذين استولى عليهم غناء السيرينيات الساحر حتى أودى بهم للغرق والهلاك! ليس الكاهن وحده من برّحه عشق الإسميرالدا، فالأحدب المشوه الجسد الذي التقطه الكاهن طفلاً من الشارع، ورباه معه في الكنيسة أصبح هو الآخر يتطلع إليها كل أصيل من نوافذ الكنيسة، بنظرة هائمة ملتاعة تترقرق فيها الدموع!
كان سحر الإسميرالد يجذب نساء ورجال الطبقات الأرستقراطية، الذين يتطلعون إليها من نوافذ منازلهم، كما كان يأسر القلوب المنكسرة في الطبقات المسحوقة، وكأن باريس كلها أصبحت مفتونةً بهذه البراءة الطفولية المرحة التي ترقص وتغني كل يوم في ساحات باريس بصحبة عنزتها البيضاء ذات القرون الذهبية. بهذه الأنوال الحريرية الفاتنة حاك فيكتور هوغو رائعته الروائية. فكل خيط في الرواية يبدأ من الإسميرالد ويعود إليها! والكل عالق في خيوط الإسميرالدا! كاهن الكنيسة كلود فروللو، والأحدب كوازيمودو، والشاعر الفيلسوف بطرس جرنجوار، وقضاة المدينة، وعساكرها، ورهبانها وراهباتها، وأفراد الطبقة الأرستقراطية، والوسطى، والفقيرة، واللصوص والشحاذون الذين يدبون كالهوام في الليل الدامس، وحتى الملك لويس الحادي عشر، جميعهم تربطهم علاقة بالإسميرالدا، ويظهرون على مسرح الأحداث كأنهم تنويعات ألحان في سمفونية واحدة اسمها الإسميرالدا.
إن جمال هذه الرواية لا يتجلى فقط في معمارها الفني، الذي يضاهي معمار كنيسة نوتردام، بل أيضاً في أسلوبها الشعري الملحمي؛ ففصولها وأحداثها تتحرك بإيقاعات وألحان خفية، وكأنها معزوفات وأناشيد للحب، والطفولة، والأمومة، والعدالة، والنبل والتضحية وهي تصارع عصرها العاتي الذي يحطم كل هذه المشاعر الخيّرة. لكن أجمل المشاعر وأنبلها ما تنفك تتجلى كومضات الضياء المنبثقة من أحلك الظلمات، هذا الضياء يخترق الأزمنة كلها، ويلامس قلوب الناس في كل مكان وزمان. إنها أناشيد وألحان تعزفها شخصيات الرواية، فكل شخصية هي فكرة، وكل حدث هو رمز ودلالة. لهذا تتكثف الكنايات والاستعارات، وتتجلى عبر صفحات هذه الرواية ما كانت عليه باريس في القرن الخامس عشر، وما ستصبح عليه لاحقاً، وما هي عليه حتى الآن! إنها روح الإسميرالدا التي امتزجت فيها كل الحضارات، ساحرة باريس الفاتنة وروحها الخالدة، وهنا تتجلى عبقرية فيكتور هوغو وإعجاز رائعته الروائية «أحدب نوتردام».
٭ كاتب عُماني