يمكن التأكيد أن تاريخ نظام الحكم العربي الإسلامي، باستثناء سنوات الخلافة القصيرة، قهري دموي جبائي رسم لوحات مرعبة منه كتاب ومؤرخون كسلخ المعارضين ودفنهم أحياء وقطع الأيدي والأرجل والألسنة والنفخ من الأسفل حتى الانفجار … غير أن العصور الحديثة في الغرب ذات شعار الأساسي: حقوق الإنسان وكرامته وسعادته والإصرار على تحقيقه وتطويره بتشريعات ومؤسسات ومنظمات قطرية وإقليمية وأممية ونشره على نطاق واسع باعتباره يهم الإنسان أينما وجد وقد آزر هذا الشعار / الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إعلان آخر: هو حق الشعوب المستعمرة في تقرير مصيرها وحكم نفسها وهكذا أخذ العرب المستعمرون يعملون على التخلص من الاحتلال المركب الجاثم على صدورهم منذ قرون تقودهم نخب ترى المستعمر هو الإنسان الأرقى وترى نفسها في المرتبة الدنيا مثلها مثل ذلك ‘ الشاب ‘ الذي يرى نانسي عجرم مثالا للجمال والكمال والأناقة سرعان ما تسلمت هذه النخب بإعانة أسيادها مقاليد الحكم فكانت سياستها في تونس مثلا (باعتبار التشابه بين الدول العربية ومعرفتي العميقة بحال بلادي) تقوم على: احتقار الشعب واستصغاره وتسفيهه والشعور الحاد بالعظمة والعبقرية والنبوغ والفرادة (أو بالأحرى فلتة من فلتات الدهر أو أحد الأنبياء). إن ثنائية قائد عبقري ومقود متخلف سفيه تستوجب على الشق الثاني تنفيذ ما يشير به الشق الأول أو يقوله أو يكتبه أو ينقل عنه أو يمارسه لأن في ذلك، حسب الزعيم الأوحد، الصلاح والفلاح والتطور والنماء أما إذا لمس ‘المتخلفون السفهاء’ أن سياسة الزعيم الأكبر مفلسة مدمرة مقارنة بالعهد الاستعماري فاحتجوا وعارضوا فهذا في نظر الزعيم كفر بالنعم علاجه الرصاص والمشانق والزنازين والتجويع وهكذا أصبح إرهاب الدولة العربية الحديثة، منذ الستينات، قاعدة ثابتة فمحاكم بورقيبة العسكرية والأمنية (محاكم أمن الدول) وبوليسه السياسي وميلشياته أعدمت الآلاف وعذبت الآلاف وحرمت الآلاف من الشغل وأخرصت الملايين ومنعت التفكير والتعبير عن الجميع ولعل الأمثلة الثلاثة تصور نفسية بورقيبة ونمط نظامه: أقر بعض معارضي بورقيبة في مذكراتهم أن الأخير يطلب منهم بعد إدخالهم السجن وتعذيبهم أن يستعطفوه كتابة ويسترحموه ‘ويستغفروه’ ويقروا له بنذالتهم وصغارهم وكفرهم بالنعم لمعارضتهم المجاهد الأكبر العبقري الأوحد لكي يطلق سراحهم لكنه لم يفعل ولو مرة. وسمعت في الإذاعة ثم قرأت في الجرائد سنة 1978 (الإضراب العام / الخميس الأسود) أن قاضيا حاكم مواطنا بتهمة شهادة منتم إلى حزب بورقيبة يقول فيها: إنه رآه يمر أمام مبنى المعتمدية ملتفتا إليه فتأكد (البورقيبي) أن المواطن كان يفكر في تفجيره فحكم عليه القاضي بأربع سنوات سجنا لأنه فكر في التفجير حسب الوحي الذي نقله جبريل إلى ‘الدستوري’ ! وأحدث بورقيبة بنوكا خاصة أطلقوا عليها بنوك الجرائم (الجنايات) كان احدها في مسقط رأسي، نظامها وآلية عملها أن ما يرتكبه الحزبيون أو المسئولون الإداريون يسجل ضد مجهول ريثما يبلغ اللجنة المشرفة على البنك (المكونة من كبار مسئولي الحزب والإدارة والأمن …) أن أحد المعارضين أو غير المنسجمين أو المحايدين… في حاجة إلى صفعة ترديه قتيلا فيلبس إحدى الجنايات ويحاكم بحضور عشرات الشهود المقرين المقسمين بأنهم رأوه في حالة تلبس بالجريمة. إن النبذة المذكورة عن سياسة بورقيبة في شعبه قد تعتبر لدى زملائه صدام وحافظ والقذافي والحسن 2 لعب أطفال لان الرئيس الذي يملك الطيران العسكري والمدفعية والصواريخ والمخابرات والميليشيات ليس في حاجة إلى محاكم وبنوك جرائم وإنما يأمر بدك مدن شعبه فتدك وبذبح المشكوك في ولائهم فيذبحون. وطوى التاريخ بورقيبة وزملاءه فكان ورثتهم أشرس وأعنف وأكثر قرما إلى الدم واللحم البشريين فجعلوا أقطارهم سجونا كبرى مقتلين معارضيهم مجوعين غيرهم مفقرين جهات معينة محرمين الشغل على الملايين جاعلين ثروات البلاد والعباد ملكية خاصة لهم ولأسرهم وحواشيهم. وصبر العرب عشرات السنين ثم ثاروا فكان رد الزعماء رد أسياد تطاول عليهم عبيدهم فاستحقوا الموت لذا قرر قادتنا دك المدن بالطائرات والصواريخ والمدافع وحصد الآلاف بالرشاشات في الشوارع الثائرة وقطع المياه والكهرباء عن سكان المدن ومنع المواد الغذائية والحليب من الوصول إلى الأطفال معلنين (القادة) بصوت واحد أنهم يطاردون المتطرفين الإرهابيين وأنهم يعدون إصلاحات ستملأ الأرض عدلا، بعد الإجهاز على آخر مواطن من مواطنيهم. فما هو مأتى مأساتنا نحن العرب طيلة ستين عاما: أعجز عن تنظيم أنفسنا في قوة مدنية تضادد السلطة التنفيذية أم خلل في البنيات الذهنية وعقد نفسية لدى رؤسائنا جعلت السلطة تكشف نذالتهم وصغارهم ودياثتهم وانبتاتهم؟ د. الضاوي خوالدية – تونس[email protected]