من المطبوعات الأدبية الرائدة في سوريا هي مجلة «الثقافة» التي صدرت عام 1958 زمن الوحدة بين سوريا ومصر، ترأس تحريرها مدحة عكاش الأديب والحقوقي، الذي كان له الفضل في بروز ودعم عشرات المواهب، وهي ليست المطبوعة الأولى التي تحمل عنوان «الثقافة» فقد سبقتها مجلة سورية أخرى في الثلاثينيات.
شعرنا بدفء القلب حين لامست أصابعنا نبض تلك الأصابع المتمردة في الأوراق الصفراء لمجلة «الثقافة» العدد الرابع إبريل/نيسان 1960، التي تفوح منها رائحة الياسمين الدمشقي، والدهشة في التوقيع الذي حمل (دمشق – غادة السمان).
وأول الإشراقات تجسد في صورة فوتوغرافية لصاحبة «الأصابع المتمردة» وهي قصة قصيرة صارت أهداب عيناك قدري الكتاب الذي صدر بعد سنتين من تأريخ نشر القصة.
ترقص الأصابع المتمردة لحلاق النساء (جاك) بمرح فوق الرؤوس الملونة لنساء المدينة، (جاك) ذو الأعماق الإنسانية المعزولة – كما تصفه الكاتبة، الذي تمنى لو تمردت أصابعه ذات يوم، وسوسن التي عشقها دائما، وكم تمنى أن يتمرد على قص شعرها، الذي كان يعبده بلونه الأسود قبل أن يتحول إلى الأحمر. ليس من السهل ملامسة جلد أفعى، خصوصاً إذا كانت جريحة! فالاوراق الصفراء في مجلة «الثقافة» العدد الخامس مايو/أيار 1960حملت قصة قصيرة ثانية للأديبة غادة السمان والموسومة «أفعى جريحة». أثناء رحلتنا مع المجلة رصدنا كنوزا ثمينة في صندوق تراثها، فقد أطلت لؤلؤتان لامعتان. الأولى كاتبة الحزن وعاشقة وطن «البلد البعيد الذي تحب»، والثانية الأديبة رائدة الشعر الحر في قصيدة «رسالة إلى الحبيب البعيد»، الأيقونتان من بلد الحضارات العراق.
قصيدة شعر حر كتبت باللغة الفرنسية بعنوان «كأسي أنا» وبتوقيع حمل مفاجأة جميلة ديزي موصلي، ولقب (موصلي ) فيه إشارة إلى مسقط رأس والد الاديبة ديزي الأمير في مدينة الموصل العراقية، وهو الطبيب ميرزا الأمير، وقام بترجمة القصيدة إلى العربية يوسف عبد الأحد، ومن الذوق الرفيع ان تقوم مجلة «الثقافة» بنشر القصيدة باللغتين الفرنسية والعربية، وكان ذلك في سبتمبر/أيلول 1960، وفي مطلعها ..
يقال: إذا أراد الشعراء الكتابة
فهم بحاجة إلى الإلهام..
أما أنا..
فأحتاج إلى يدك
تُلقى بغتة على يدي
لتقول لها أشياء وأشياء
تضحك وتتراقص في نظراتك
التي لا قرار لها
وفي يناير/كانون الثاني 1975 كشفت رائدة الشعر الحر نازك الملائكة عن قصيدة «رسالة من الحبيب البعيد» فيها دموع باردة.. حروفها من سنابل، وسطورها أصابع
وفي مقطع أخاذ..
رسالة أنى إليها أذرع ممدودة وانتظار
تأتي إليّ من حبيبي، وانتظار عذابه كالمطر
تحرق الأشواق فيها ومذاق السهر
رسالة حروفها محطة، إلى مراسيها سيأوي القطار
رسالة مثل صلاة الوتر
مثل انبهار دجلة في أمسيات القمر
ومن العراق بلد الحضارات تعود بنا الصفحات إلى عاصمة الياسمين دمشق، ووقفة متجددة مع الشعر، وهذه المرة مع كوليت سهيل، وهو الاسم الذي كانت توقع به الكاتبة السورية كوليت خوري كتاباتها الأولى، وقالت يوما إن جدها فارس الخوري كان يحب الأسماء العربية ويحلو له أن يناديها بخولة بنت سهيل، وكأنها شاعرة قادمة من كتب التاريخ، نشرت في عدد 1 يناير 1960 قصيدة باللغة الفرنسية وترجمتها بنفسها إلى العربية بعنوان «لفافتي»..
وحظيت رواية كوليت «أيام معه» باهتمام الكتاب في المجلة، ونشرت حولها العديد من المقالات، التي كانت حديث الأوساط الأدبية، واخترقت المجتمع السوري المحافظ لما حملته من جرأة حينها، وقيمها الكثير من الكتاب منهم عبد الشيتي، محيي الدين صبحي، تحسين نجار، إلا أن هناك كاتبا وقع باسم غسان كنعاني – الكويت اختلف مع كل هؤلاء، وكتب عن الرواية نقدا لاذعا وقاسيا بعنوان لافت «أيام معه.. دعوة لا أخلاقية» ،من تسع صفحات تناول تفاصيل الرواية ورأى أن الكتاب فشل في التعبير عما أرادته الرواية، وأن النفس الشعري لكوليت يقارب نزار قباني، وختم تحليله قائلا: «إن قصة أيام معه ليست في مستوى الضجة التي أثارها «الصحافيون الأدباء» حولها.. وهي لا تتميز بصدق موضوعها ولا ببساطة أدائها وبراعته، ولا تتمتع بأي صفة من صفات الكتاب الجديد، إلا بصفة الجمال في الغلاف، ويدفعنا للقسوة في تقرير هذه الحقيقة أن الفرصة التي أتيحت لأيام معه كان يجب أن تتاح لكتاب جيد.. وإن الدعاية التي اصطخبت حول كوليت سهيل كان يجب أن تسلط على واحد من الموهوبين. أنني أعرف أنني أطلب مستحيلا حينما أرجو من الأديبة كوليت خوري أن تقبل اعتذاري في ما لو كنت أسأت إليها.. أو للحقيقة».
اللافت أن المجلة لم تضم أي منشورات باسم غسان كنعاني، ما يوحي بأنه اسم مستعار ولقب «كنعاني» يشير لفلسطين، أرض كنعان، ثم وجدنا مقالة له نشرت في مجلة «موقف» عام 1970 بعنوان «العمل الفدائي في مأزقه الراهن» وكانت عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والهجوم الذي تتعرض له. وتقابلنا كلمات تحمل موج البحر وتداعب شواطئ حواسنا من موطن الحرف مدينة اللاذقية السورية، يكتب الشاعر الضرير رشاد رويحة، قصيدة بعنوان «حبي في الستين» في إبريل/نيسان من عام 1959 يقول فيها:
ألهبت في الستين حبي/ وبعثت من مثواه قلبي/ أتراك كنت صدى المسيح/ مرددا في عرض دربي/ يا آية تستدرج الأرواح / من آيات ربي/ ردي عليّ حلاوة الأمل المغرر بي وحسبي.
والطريف أن يكتب ابنه الشاعر محمد رشاد رويحة لمجلة «الثقافة» تحت عنوان «وضاع عمر الهوى» مقيما قصيدة والده قائلا : نفثات جميلة لشيخ بلغ الستين ومازال يصبو لخضرة الربيع. الأسلوب جيد متسق، لولا أن فيه بعض التعقيد، وحبذا لو كانت أفكاره أكثف وصوره أبرز لاستطاع أن يوضح لنا روح المأساة في هذا الموقف، ولما ضاع بيت جميل مثل هذا البيت في غمار غيره:
إن روحي تكاد ترقص نشوى/ في أديم يكاد يزوي حطاما
*كاتب من سلطنة عُمان
*كاتب من العراق