المنتمي: قراءة في روايات جيمس كيلمان

■ يعبر الكاتب الاسكتلندي ألكسندر تروكي عن سخطه على واقعه الاجتماعي والسياسي بحبكة غير متوازنة. فالشخصيات دائما على الحافة، عرضة للسقوط، أو لاتخاذ إجراءات مشينة، تلحق الضرر بذاتها قبل أن تضر غيرها. وهذا ما يفعله بطل رواية «سياط جلدية Thongs»، فهو يقتل والده، ثم يدخل في جمعية سرية شاذة. وقل الشيء نفسه عن بطل «آدم الصغير». يختار الوقوع بالخطيئة مع زوجة أخيه، ويتسبب بمقتل حبيبته. وإن لم يكن الحادث متعمدا، فقد عبر به عن نواياه الشريرة، أو بلغة فنية: عن العبث الذي وراءه خلفيات تنطوي على التمرد والعدمية.
ومن هنا يبدأ مشروع جيمس كيلمان، فهو يبذل جهده لتوسيع بقعة السخط والغضب. ويمكن أن تقول إنه بمفرده رمز من رموز الممانعة لكل الواجهات الرسمية في إسكتلندا، وفي المقدمة مؤسسة اللغة، ثم الوجوه والعلاقات. فقد وظف أدوات ألسنية وشخصيات وحبكة تصور مقدار انفصال الواقع عن الخطاب الرسمي. ويضيف لما سلف في أشهر أعماله، وهي روايته «كم تأخر الزمن»، الرموز والمجاز. وتعتبر إذاعة BBC أن كيلمان في حالة حرب ضد الإمبريالية الثقافية والهوية المزيفة. وكذلك ضد الأخلاق والتقاليد المفروضة على إسكتلندا بالقوة، ولذلك يمكنك القول إنه يعيد بناء هذه المنطقة من العالم وفق محورين.
أفقي منظور وملموس، بواسطة الحوار ونوع الشخصيات، فهو يضع ثقته دائما بالمحرومين وباللغة المبسطة الحافلة بالمفردات العامية من جهة، والصيغ النابية من جهة أخرى. ولنكون أوضح: إنه يخالف توصية لورنس: أن تثق بالحكاية وليس بالكاتب، ويدعونا علانية للاحتفال بالكاتب ومحيطه، وضمنا الرواسب التي تراكمت خلال المحاولة الجادة لاكتشاف موضع الذات من نفسها (بمعنى إدراك علاقتها بالمكان والفترة التاريخية). وقاده ذلك، بالضرورة، للاختلاف مع رمز آخر من رموز إسكتلندا، وهو السير والتر سكوت، مؤسس الرومانس التاريخي. كتب سكوت عن حقبة تاريخية، بدون أي إحالات وطنية واضحة. وكان وعيه التاريخي يسبق وعيه بهويته أو بموضعه من هذا التاريخ. في حين تجد في كل أعمال كيلمان إشارات مباشرة وواضحة للشخصية الإسكتلندية المتبلورة، وبما تنطوي عليه من خيارات وأولويات. وليس هناك أحد مثل كيلمان يضع شخصياته ضمن واقع الشريحة التي تنتمي لها. ومع أنها شخصيات وجودية مهمومة بطريقة الإحساس بالذات والواقع، وانعكاس ذلك على طبيعة معناها، أو أشكال ظهورها على مسرح الأحداث، فهي أيضا تعاكس أدباء الموجة الوجودية التي ظهرت في الستينيات، مثل جون أوزبورن وكولن ولسون.
ولنأخذ روايات ولسون على سبيل المثال، إنها تتابع أشكال الرعب التي تتطور داخل الدائرة المعتمة من المجتمع، وتوظف لهذه الغاية لغة فلسفية من وزن ثقيل، حتى أن أضعف شخصياتها تبدو وكأنها نسخة من سارتر أو كامو. في حين أن كل أبطال روايات وقصص كيلمان من أدنى طبقة في المجتمع.. أبناء شوارع وأزقة، مفلسون تحركهم رغباتهم الشخصية ويعيشون في حالة استجابة للغرائز. زد على ذلك أنهم لا يعملون على ضبطها أو استيعابها، وهناك نقطة إضافية.

يولي كيلمان عنايته للجو المديني الشعبوي، وهو ما يساعد الشخصيات على الانتماء والتذمر، وحضانة حالة السخط والنزاع مع الآخر، حتى أن شخصياته تبدو لي وكأنها حاملة لانطباع سيتطور إلى مجموعة انفعالات.

مع أن وجودية ولسون مدينية، فهي تعتمد على الحدس المتواصل، وعلى فكرة تعاقب المشاعر بشكل تيار مستمر، ولذلك لديها وعي أو إلمام نبوئي وبشكل إشراقات، وهو ما يحكم وثاق الحاضر بلحظات نوعية من الماضي، ولاسيما في لحظات الانقلاب على واقع الحال كالثورة الرمزية (وتظهر في إشاراته المتتالية لوليام بليك)، والثورة الصناعية (وتتضح من الأحياء ودور الميسر والخرابات المغطاة بالغبار، وهباب الفحم التي يرسمها بكثير من التأني والتمهل)، حتى أن التفصيل بهذه الكماليات يكاد يخل بالعلاقة مع شخصية البطل، وغالبا ما يختار له شكل نشاط نفسي أو ماهية نفسية يصعب تصورها.
في المقابل يولي كيلمان عنايته للجو المديني الشعبوي، وهو ما يساعد الشخصيات على الانتماء والتذمر، وحضانة حالة السخط والنزاع مع الآخر، حتى أن شخصياته تبدو لي وكأنها حاملة لانطباع سيتطور إلى مجموعة انفعالات. بمعنى آخر: إنها لا تصنع ما حولها ولكنها تعكسه. وهي تأملية أحيانا (وهذا هو موضوع قصته «امرأة ورجلان»). فكل شيء في المرأة يرمز لانفعالاتها ولانعكاس واقعها على حياتها النفسية، كما يقول قبل الخاتمة. كذلك إن شخصيات كيلمان ليست رمزية، ولكنها تصورات لها مغزى (وبلغة الدكتور لويس عوض في معرض كلامه عن آنا أخماتوفا: هي إيماجية، من إيماج). وهذا يضعنا دائما أمام حقيقة أن هذه الشخصيات هي المدينة. وأنها ليست جزءا عضويا منها بل هي نفسها. ولتقريب هذا المعنى يمكن أن تقول: في كيلمان نوع من النهضة التومائية الجديدة، وهو ينظر للإنسان ومدينته، كما ننظر لثنائية المادة والروح، باعتبار أنهما وجهان لعملة واحدة.
المحور الثاني: هو الجانب العمودي من أعماله، مثل عمى صموئيل في رواية «كم تأخر الزمن». إنه عمى مجازي، ويمكن أن أشبهه بالظاهرة التي خصص لها خوسيه ساراماغو إحدى رواياته. وإن كان موضوعها هو العمى الأبيض (أو البهاق)، فإن موضوع كيلمان هو فقدان البصر، أو تحويل حياة بطله إلى ليل مستمر وطويل. وغني عن الذكر أن ثيمة العملين هي فقدان قنوات التواصل، وربما اغتراب الشخصيات وانحدار العلاقة مع خلفياتها لأدنى درجة. وهذا يقودنا أيضا لمقارنة حالة صموئيل في (رواية كيلمان) مع حالة ميرسو بطل رواية «الغريب» لكامو. كان عمى ميرسو مؤقتا وعابرا، ونتيجة مباشرة لسطوع مفاجئ وضع كل شيء في سياقه الموضوعي، وهو الهوة المعرفية والعرقية التي تتوسع باستمرار بين حضارتين، أو بين وافد بمفرده وجماعة من المواطنين المحليين. بمعنى أن كامو اختار أسلوب المفارقة العجيبة لتحويل السطوع الشديد إلى عمى مؤقت، ثم لارتكاب الجريمة ودخول القضاء على الخط.
لكن كان كيلمان أقرب للواقع. واختار للعمى توقيتا له أبعاد معقدة يدخل التاريخ السياسي في تحديدها. فاستيقاظ وعي صموئيل تزامن مع ضرب الشرطة له، ثم الدخول في مرحلة الاحتياجات الخاصة (أو العجز السريري). بتعبيرآخر: يوجد في الرواية نوع من التوازي بين العجز والإدراك. فالعمى وسع الوعي المجازي لصموئيل بظروف طبقته (بين قوسين: بلده أو عرقه أيضا كما يعلن سكوت هايمس عن ذلك صراحة في أكثر من موضع). ولذلك لا أجد مندوحة من تسمية الأشياء بمسمياتها، حتى أن كيلمان ذكر بصراحة في لقاء مع «الغارديان»: إنه يؤيد استقلال اسكوتلندا. ولكن ليضيف بما عرف عنه من دبلوماسية وحكمة: إنما بكثير من التروي والحذر. ومن واقع شخصياته، ومن أزقة غلاسكو التي يبنيها حجرة بعد حجرة، بمحبة الأنبياء، تستطيع أن تجد عمق ولائه لهويته الوطنية ولدمه الاسكوتلندي. ولكن داخل دائرة إنسانية أوسع، تترك عدة منافذ للحوار والتواصل. وهو آخر موقف نسجله لبطل رواية «كم تأخر الزمن». فهو يهرب من شرطة غلاسكو، فقط ليرتمي في عرين الأسد الذي يشكو من جوره وقسوته، وليختفي في محيط مدينة لندن. ويقول عن ذلك في ملاحظة يكتبها إلى صديقته: لقد أفسدت الأمور كالعادة. وربما أهدافنا متعارضة. وأنا ذاهب إلى إنكلترا لفترة بسيطة. هناك عندي أمور يجب تسويتها.
ويوضح معنى هذين السطرين لابنه فيقول: لا تعتقد أنني هارب. لكن يجب أن أغيب عن الأنظار. وإلا خسرت القضية. ولنضع خطا تحت كلمة قضية. إنها تذكرنا بطبيعة أبطال غراهام غرين، وغموض ولاءاتهم واختياراتهم. فهم من رعايا إمبراطورية استعمارية، ويدينون بالولاء لمبدأ التحرر. ويدعم ذلك تعارض حقيقة أنه كاثوليكي، ومنحدر من عائلة بروتسانتية.
ولكن هل كيلمان يختلف عنه؟
أليس هو من يكتب عن بلده اسكوتلندا بلغة المستعمر الإنكليزي، وربما لهذا السبب اختار لرواياته نهايات مفتوحة تقبل أكثر من تفسير. وعن ذلك يقول بلسان صموئيل أيضا: عليه أن يلبس النظارة السوداء ويحمل عصا بيضاء ليتحسس بها طريقه.

٭ كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية