تونس-“القدس العربي”: تعدّ صناعة الأدوية في تونس من أهم القطاعات الاقتصادية والصحية الواعدة وتمكنت من تحقيق نسبة نمو ناهزت الـ 11 في المئة خلال العام الماضي بالرغم من كل الصعوبات التي شهدتها البلاد. وتشير الأرقام الرسمية إلى أن القيمة الاجمالية للعائدات المالية لتصدير الأدوية التونسية تبلغ حوالي 150 مليون دينار سنويا. كما تشير المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة إلى ان تونس حققت الاكتفاء الذاتي في تصنيع الدواء المحلي بنسبة 55 في المئة وسط توقعات بأن ترتفع هذه النسبة خلال العام الحالي إلى حوالي 70 في المئة.
ولم تكتف تونس فقط بصناعة الدواء وتوفير حاجيات السوق المحلية ولكن بات القائمون على هذا القطاع يتطلعون إلى الدخول في أسواق جديدة للتصدير، علما أن البلاد تصدّر حاليا ما بين 11 إلى 12 في المئة من إنتاجها المحلي في قطاع الدواء خاصة إلى السوق الافريقية. وهناك عدد من الشركات التونسية افتتحت فروعا لها في عديد الدول الافريقية وتصدّر إلى ليبيا والجزائر وموريتانيا.
تطور ملحوظ
وتقول الصيدلانية التونسية سهير شعبان لـ “القدس العربي” إن تصنيع الأدوية في تونس يعود إلى أواخر الثمانينيات بدعم من الدولة التي كانت سياساتها الصحية آنذاك تركز على تطوير القطاع وتوفير الطبابة المجانية للمواطنين. وتعتبر شركة الصناعات الصيدلية من أوائل الشركات في صناعة الأدوية في تونس، تأسست في عام 1989 وهي تعمل في قطاع معدات وخدمات الرعاية الصحية مع التركيز على تطوير الأبحاث الأساسية المتعلقة بالطب، وتطوير وتصنيع الدواء. في حين تتحكم الصيدلية المركزية بمهمة توريد المستحضرات الصيدلية بكلّ أصنافها وأوكلت إليها مهامّ اللفّ والتغليف وتصنيع الأدوية وتحضيرها إضافة إلى توريد اللقاحات والأمصال.
وتضيف: “تقوم شركة سيفات بصناعة الأدوية عبر اختصاصيين أكفاء ولكن ينخرها الفساد الإداري خاصة بعد الثورة”. وقالت محدثتنا إن قطاع الأدوية عرف تطورا كبيرا منذ نشأته حتى اليوم ولئن بدأ تابعا للدولة بالكامل، إلا أنه في بداية التسعينيات تمّ فتح الباب لدخول القطاع الخاص واليوم هناك عشرات شركات صناعة الأدوية ومستثمرون تونسيون وأجانب أيضا”. وتؤكد محدثتنا أنه حاليا يتمّ استيراد 40 في المئة فقط من الأدوية من الخارج. وتؤكد شعبان أن تونس تصنع جميع أنواع الأدوية للأمراض العادية أو المستعصية والمزمنة وحتى أدوية الأمراض السرطانية، من قبل شركات مختصة جديدة وهي مطابقة للمعايير الصحية العالمية وبجودة عالية وتخضع لرقابة الدولة الصارمة التي لا تسمح بمرورها إلى السوق إلا بعد رقابتها. ويصنع الأدوية صيادلة ومهندسو كيمياء إضافة إلى الإطار شبه الطبي وتقنيون في الكيمياء.
أما عن أزمة نقص الأدوية التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الماضية توضح بالقول: “بعد الثورة وما رافقها من تدني قيمة الدينار مقابل ارتفاع الدولار وزيادة الضغط على المستشفيات الحكومية، كل ذلك أثر سلبا على وضع الدواء خاصة أن بعض المواد الأولية التي تصنع منها الأدوية يتم استيرادها من الخارج. وهذا ما تسبب بنقص الأدوية تارة وغلاءها تارة أخرى”. وتؤكد أن هذا القطاع ما زال صامدا “رغم الصعوبات التي مرّ بها بسبب دعم الدولة التي لم توقع على اتفاقيات التبادل الحر فيما يتعلق بقطاع الأدوية لكي يظل قطاعا محميا في تونس”.
وتعد الشركة العربية للصناعات الصيدلية “سيف” من أهم شركات صناعة الأدوية في تونس وهي تشهد تطورا ملحوظا، وافتتحت مصنعها السادس لصناعة الأدوية وجاء المشروع في إطار توسعة مخابرها بقيمة استثمار مرتفعة. وبفضل هذا المشروع ستصنّع لأول مرّة في تونس أدوية كانت تستوردها من الخارج.
وحسب المدير العام للشركة رمزي السندي، فإن المشروع الجديد سيعمل على تقليص نسبة توريد الأدوية من الخارج بحوالي 40 مليون دينار وسيساهم في تحسين القدرة الشرائية.
قطاع استراتيجي
أما نوفل عميرة نائب رئيس النقابة التونسية للصيادلة فقال لـ “القدس العربي” إن قطاع صناعة الأدوية يعتبر منذ تسعينيات القرن الماضي قطاعا استراتيجيا استثمرت فيه الدولة وقامت بعديد التشجيعات فيً قانون الاستثمار، وتسهيلات في التمويل والقروض، ما جعله يزدهر وتعددت مصانع الأدوية المحلية أو باستثمار أجنبي وأصبحت أكثر حاجيات السوق المحلية يقوم تصنيعها في تونس بعد أن كان هناك في السبعينيات والثمانينيات مصنع يتيم ملك للدولة ويقوم بدور مزدوج صحي واجتماعي”. ويضيف: “هناك اليوم في قطاع الأدوية خمسون مصنعا منها 36 في حالة إنتاج وأخرى في مراحل متقدمة من التأهيل في انتظار الرخصة اللازمة للترويج”.
صعوبات عديدة
ورغم ازدهار القطاع إلا انه بدأ يشهد في السنوات الأخيرة بعض الصعوبات. ويشير محدثنا إلى أن أبرزها هو انحدار سعر الدينار الذي أثرّ سلبا على المردودية الاقتصادية. فأكثر مكونات هذه الصناعة مستوردة وارتفعت كلفة الإنتاج. وكذلك عدم القدرة على ضبط الأسعار بوجود منظومة أسعار بموافقة إدارية بين وزارة الصحة وزارة التجارة والتي لا توافق إلا نادرا على الزيادة في السعر.
إضافة إلى محدودية السوق الداخلية باعتبار أن عدد السكان لا يتجاوز 12 مليون نسمة. كما أشار محدثنا إلى صعوبة التصدير بما أن ثمن البيع عند التصدير هو مقترن بالثمن في السوق الداخلية وًهو غير مشجع للتصدير مع الإجراءات الإدارية المعقدة. أضف إلى ذلك القدرة التكنولوجية الضعيفة للقطاع، وكذلك صعوبات الصناديق الاجتماعية التي أثرت سلبا على السيولة في جميع مسالك توزيع الأدوية.
تصنيع الأدوية بالأرقام
ويشير محدثنا إلى أن رقم المعاملات الاجمالي العمومي والخاص في قطاع صناعة الأدوية بلغ سنة 2019 المرجع سنة 2019 أي ما يعادل 1.3 مليار دينار أدوية محليةً الصنع أي قرابة 450 ألف مليون دينار منها، 1.2 في القطاع الخاص و0.1 في القطاع العمومي.
كما أن ثلاث علب من أربع تباع في الصيدليات مصنعة محليا. وأكد عميرة أن في السوق المحلية هناك 213 مليون وحدة بيعت في القطاع الخاص، للمؤسسات الاستشفائية وحدها 45 مليون وحدة. واعتبر ان رقم معاملات التصدير يبقى ضعيفا حوالي 160 مليون دينار أي 60 مليون دولار تقريبا. وهذا يعود لعدة أسباب أهمها السعر المتدني للدواء في تونس والذي لا يشجع على التصدير، وضعف القدرة التنافسية للمؤسسات التونسية بما انها لم تتجمع في شركات كبرى مثل ما هو الحال في الأردن مثلا لتقوي القوة التنافسية وتكتسح أسواقا جديدة. إضافة إلى الإجراءات الإدارية المعقدة التي تعد عائقا أمام الصناعة التونسية، والاكتفاء بأسواق تقليدية وعدم الانفتاح على أخرى وعدم وجود تمويل كاف. ويؤكد محدثنا أيضا على عدم وجود صناعة أدوية في تونس ذات قيمة تكنولوجية عالية أو مراكز بحث لتطوير الأدوية.
ورغم كل الصعوبات يبقى قطاع الدواء في تونس قطاعا مشغلا حيث فيه أكثر من خمسين ألف عامل ما بين صناعة وتوزيع بالجملة أو التفصيل، كما أن هناك 11 ألف عامل في القطاع الصناعي والباقي في المسالك الأخرى. وهو مشغل ليد عاملة مختصة وذات كفاءة عالية مشهود بها عالميا خاصة وأن البلد يشكو من بطالة مرتفعة لدى أصحاب الشهادات العليا.
فالآفاق اليوم تبقى مفتوحة أمام صناعة الأدوية إذا وقع الاهتمام بالقطاع وحلّ جملة العوائق سواء الإدارية أو الاقتصادية التي تكبله.