(1)
يحدث أن تفتح صفحة بيضاء على جهازك، ولديك أفكار كثيرة تتراقص في خيالك المجنون، تكتب سطرا وتشطب آخر، تحلم باليوم الموعود، الذي سيخرج فيه نصك إلى الوجود، ويحدث أن تتردد في كتابة هذه القصة أو تلك، في اختيار أسماء شخصياتك الورقية، الأماكن والأزمنة التي تناسب أحداثك، وما يرافقها من وصف ولمسة خاصة من قلمك الأسود، لتشد قارئك الذي ينتظرك بشوق كبير.
هل آن الأوان لتكتب عن سعاد الحسناء؟ صديقة أمك التي تتلصص عليها كلما زارتكم، وهي تخلع جلبابها الأزرق وغطاء رأسها ليتحرر شعرها الحريري، تضع رجلا فوق آخر، فستانها القصير يكشف عن فخذيها المكتنزين. تتساءل عندها: لم لا تترك أمك شعرها منسدلا على كتفيها مثل سعاد؟ لم لا ترتدي اللباس الضيق في المنزل؟ أليست امرأة مثل باقي النساء؟ هل الزواج يجبر المرأة على التخلي عن أنوثتها؟ سعاد أيضا متزوجة ومع ذلك متأنقة ورائحتها زكية وضحكتها رنانة تزلزل القلوب القوية والضعيفة. هل ستكتب عن ابنتها الصغيرة فرح، وهي تقتحم غرفتك بإيعاز من أمها بحجة جلب كوب الشاي مع بعض الحلوى التي تحضرها سعاد معها، لتمارس النميمة مع والدتك الساذجة؟ هل كانت تبحث عن زوج مناسب لها، وهي لم تفك ضفيرتها بعد؟
تكتب بضع كلمات على الصفحة ثم تعدل عن هذا الحدث، إنه مستهلك حسب رأيك، ولن يشد اهتمام القارئ، «أحتاج إلى فكرة أعمق وأقوى، وأكثر تأثيرا في القارئ والمتتبع.. عليّ الخروج من جلباب هؤلاء الذين سبقوني..» تتنهد بصعوبة.
(2)
لِمَ يحدث لك هذا التردد والعجز كلما فكرت في كتابة قصة، تتذكر هؤلاء الذين يلونون «فيسبوك» بنصوصهم القصيرة والطويلة، لم لا تحذو حذوهم.. تتحسر في صمت. «الكتابة مسؤولية» تقنع نفسك، ويهمس الأنا الآخر في داخلك: «لٍمَ عليّ الخروج من الجماعة، وتعذيب نفسي، وأنا بإمكاني الجلوس في المقهى لساعات معدودة، أتصيد خلالها حكايات المارة، وتحويلها لقصص عسيرة الهضم.. لكن هل سأكون راضيا عن نفسي؟» تتساءل بصوت مسموع، تثير انتباه جارتك الملتصقة بالنافذة ليل نهار، هل تتلصص عليك الآن؟ هي تملك منظارا كبيرا تجمع به أخبار الجيران، لتعيد سردها بحبكة عالية الطراز في مجمع النساء، كم مرة سمعتها تقص على أمك الحكايات الغريبة والعجيبة؟ كم كنت تخشاها وتخشى أن تخبر أمك بعلاقتك مع بنت الجيران التي تكرهها هي وعائلتها؟ تعود إلى حيرتك في اختيار قصتك الجديدة، صمت طويل لا تبدده إلا نقرات المطر على النافذة في الخارج. «لم لا أكتب عن المطر؟ قد يكون مناسبا لقصة رومانسية، لا للرومانسية لقد أكل الدهر عليها وشرب». تضغط على الصفحة لتستقر أسفل الشاشة، لا مزاج لديك للكتابة على أي حال، ستتجول قليلا في المواقع الإخبارية والاجتماعية، تقرأ هنا وهناك، لا شيء غير الحوادث والدماء والتعازي، لا شيء يبهج في هذا الفضاء.. «أين اختفت الورود والصور الملونة التي كانت تطالعني كل صباح ومساء؟ كم أحتاج إليها الآن لتنعش العتمة التي أعيشها؟».
(3)
تفتح الصفحة من جديد، تبدأ الكتابة بدون أن تفكر في الموضوع هذه المرة، ستترك العنان للحروف لتنساب على الصفحة بهدوء، من أعطاك الحق للتحكم فيها وفي مصير أحلامها؟ ها هي الحروف تخاطبك، تسألك إن كنت ترغب في الكتابة عن الوطن المثقل بالأوجاع. لم تكتب يوما عن الوطن، ولم تفكر في القبض على اللحظات الهاربة منه، فليكن إذن لن أجادلك أيتها الحروف هذا المساء، فأنا في أمس الحاجة إليك، فليكن بطلنا المعطي الشاب الفقير الطموح، الذي يحلم بالهجرة إلى الضفة الأخرى، وقد أنهكه الجلوس اليومي على كراسي المقهى الوحيد في قريته الصغيرة، يتخيل نفسه وراء مقود سيارته الفارهة، وقد التف أطفال القرية حولها وهم يهتفون: «المعطي جا.. المعطي جا..»، يحلم ويحلم وأنت تحلم معه بكتابة قصة عميقة متماسكة، ستعرضها غدا على صديقتك المقربة قبل أن تبعثها للنشر في مجلة عربية.
المعطي المسكين لم يصل إلى الضفة الأخرى، عاد من حيث أتى جثة هامدة على كرسي متحرك، بعد صراع مرير مع الموج الأزرق والصخور الشائكة، «هل يحق لي أن أحلم بالمجد الذي ينتظرني، وإن كان على حساب أحلامه المجهضة، أنا كاتب على أي حال لا يحق لأحد محاسبتي، حتى إن قتلت شخصياتي الورقية..». تطرد شبح السؤال عن خيالك، ترفع نخب إنجازك العظيم.
أبواب المجد تنتظرك هناك، وأنت تتسلم الجائزة من المجلة العربية الشهيرة، أنت الذي لطالما عانقت حلم السفر إلى الشرق، حلم كل كاتب، لم تتردد في جمع حقيبتك بسرعة البرق، والتوجه مباشرة نحو المطار الدولي، وكأن الطائرة ستنطلق للتو. تتأمل الحسناوات وهن يوزعن ابتسامات الإعجاب حسب اعتقادك. تتحرك كالطاووس في بذلتك الجديدة التي جهزتها لهذه المناسبة، تعدل ربطة عنقك من حين لآخر لتبدو الصور جميلة، ترد التحية على الجميع، ابتسامتك العريضة لا تفارق شفتيك، وكأنها منحوتة بفعل فنان. ترد على تصريح هذا وذاك، نسيت المعطي الذي عاد مشلولا على كرسيه المتحرك، نسيت سخرية الجميع من وضعه، ألم يكن عليك أن توصله إلى الضفة الأخرى، ليحقق أحلامه مثل أقرانه، تطرد شبح العتاب الآن، وتركز على الكاميرا الكبيرة المثبتة قبالتك، وبريق الدرع الذهبي الذي تسلمته للتو من رئيس الجمهورية.
(4)
ويحدث أن تستيقظ من غفوتك لتجد رأسك فوق لوحة المفاتيح، وقد امتلأت الصفحة برموز هيروغليفية، تتلفت حولك لا أثر للدرع الذهبي، لا أثر للقصة/ الحلم.. التي استنزفت طاقتك الليلة الماضية.
٭ قاصة من أصيلة/ المغرب