فورين أفيرز: نظريات المؤامرة والمفاهيم الخاطئة حول منشأ فيروس كورونا عرقلت جهود مواجهته

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

لندن –”القدس العربي”:
يرى الباحث في الصحة العام يانزهونغ هوانغ أن حالة عدم الثقة بين الولايات المتحدة والصين هي سبب في انتشار نظريات المؤامرة الخطيرة حول فيروس كورونا.

حالة عدم الثقة بين الولايات المتحدة والصين هي سبب في انتشار نظريات المؤامرة الخطيرة حول فيروس كورونا.

وأكد في مقاله الذي نشره موقع “فورين أفيرز” أن هذا الوضع يضعف من جهود مكافحة الفيروس. وقال إن عشرات الألاف أصبحوا مرضى ومات أكثر من 2.900 وانتشر الخوف أسرع من الفيروس. أغلقت المصانع ووضعت الحواجز على الطرقات وحوصرت القرى وأغلقت المدن. وتعد موجة انتشار فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” أخطر أزمة اجتماعية-سياسية تواجهه القيادة الصينية منذ عام 1989 الذي شهد قمعا في ساحة تيانامين، إلا أن الأزمة لم تنحصر في الصيين بل وانتشر الفيروس إلى خارج الحدود الصينية. وسيترك الرد الفزع على هذا الإنتشار أثره على السياسات والأمن والحكم.
ويعتقد الباحث أن الجدة في الفيروس تترك الكثير مما لا يعرف عنه. فليست لدينا أية فكرة حول طريقة انتشاره ولا حدة انتشاره. ولا نعرف عن مدة الحضانة للفيروس والتي قد تستمر لـ 24 يوما. كما ولا نعرف عن مدى عدوى الأشخاص قبل ظهور الأعراض عليهم. ولا نعرف لماذا أثبتت الفحوص إصابة أشخاص حتى بعد تعافيهم الظاهري. ويرى الكاتب أن الشائعات تنتشر بناء على غياب اليقين. والموجة الجديدة وفيروس كورونا المستجد أضافت الجديد، فخلال أسابيع من ظهور المرض المعدي حفلت منصات التواصل الإجتماعي بمقترحات من أن الفيروس كان سلاحا بيولوجيا طورته الصين تسرب من المختبرات في ووهان أو أن أمريكا هي التي تقف وراء انتشار الفيروس في ووهان. ومع أن الشائعات لا أساس لها لأنه لا الولايات المتحدة أو الصين لديها المحفزات لتطوير سلاح بيولوجي ولكن من الصعب تبديدها. وذلك بسبب نظرة الشك لدى القادة العسكريين في البلدين حول دوافع كل طرف لتطوير برامج أمن بيولوجي. وأثرت التنظيمات الضعيفة للصين في مجال الأمن البيولوجي وعدم سماحها لخبراء الأمراض الأمريكيين من دخول ووهان على طرق مكافحة المرض.
فمنذ البداية، أخبر الرأي العام أن المرض انتشر بسبب ملامسة الإنسان للحيوانات البرية الحية، إلا أن انتشاره المفاجئ والغموض الذي رافق الفيروس فتح المجال أمام التكهنات حول إمكانية توليد الفيروس بطريقة الهندسة الوراثية. وعززت الفهم هذا ورقة بحثية لعلماء هنود قالوا إن الفيروس يحمل مكونات من فيروس أتش أي في الذي يسبب الإيدز. ورغم سحب الباحثين الورقة بطريقة طوعية إلا أن الرابط أثار انتباه مواقع مثل “زيرو هيج” والذي زعم أن فيروس كورونا المستجد هو نوع جديد طورته الصين كسلاح. ولم يستبعد توم كوتون السيناتور الجمهوري عن ولاية أركنساس في حديثه مع “فوكس نيوز” إمكانية تسربه من مختبر في ووهان. ومنعت “تويتر” موقع “زيرو هيج” إلا أن منصات التواصل الإجتماعي حافلة بالتكهنات حول أصول الفيروس وأنه مؤامرة أمريكية ضد الصين. ومن نظريات المؤامرة التي انتشرت أن عددا من الجنود الأمريكيين الذين شاركوا في مهرجان الألعاب العسكرية الدولي لعام 2019 هم الذين سربوا الفيروس في سوق الثمار البحرية في ووهان. وحذر جنرال متقاعد في جيش الشعب للتحرير “إلى نوع من الحروب البيولوجية” وإلى بناء نظام دفاعي بيولوجي في الصين. ويقول الباحث إن اندلاع موجة الفيروس في الصين ليست الأولى من نوعها، ففي الفترة ما بين 2002- 2003 شهدت الصين موجة سارز. وزعم باحث علمي روسي أنه كان عبارة عن مزيج من الحصبة والنكاف والذي تطويره في المختبر. واعتبر عدد من الصينيين أنه محاولة أمريكية لاستهدافهم.
وفي أمريكا ربط خبراء الصين بين سارز والحرب البيولوجية الصينية. ولكن سارز لم يكن سلاحا جينيا. وبحسب مركز الولايات المتحدة للسيطرة على الأمراض ومنعها فإن من بين 166 حالة سارز سجلت في أمريكا عام 2005، كانت نسبة 58% منهم بيضاء و32% من أصول أسيوية.

ماذا عن فرص قيام الصين أو الولايات المتحدة لتطوير أسلحة بيولوجية؟

ويتساءل الكاتب عن فرص قيام الصين أو الولايات المتحدة لتطوير أسلحة بيولوجية؟ والتاريخ يخبرنا عن محاولات أمريكية في الحرب العالمية الثانية تطوير عوامل بيولوجية. ولدى هذه الأسلحة مشاكلها فهي لا تترك أثرها بشكل مباشر، وربما أصابت الجيش الذي قام بإطلاقها وهي حساسة للطبيعة والظروف الجوية ولهذا السبب قد تؤدي لتلوث المنطقة لمدة أطول من الوقت المحدد. ومع ذلك ظلت الولايات المتحدة تقوم بتطوير أسلحة بيولوجية في مرحلة ما بعد الحرب. وقاد ماثيو ميسلسون من جامعة هارفارد حملة ناجحة ضد الأسلحة البيولوجية في الستينات من القرن الماضي. وفي عام 1969 تخلصت أمريكا من أسلحتها البيولوجية الخطيرة وساهمت في التفاوض على معاهدة حول الأسلحة البيولوجية والتي منعت انتاج وتخزين وتحميل العوامل البيولوجية. وجاءت الصين لهذا الميدان متأخرة، ذلك أنها كانت هدفا للحروب البيولوجية اليابانية أثناء الحرب العالمية الثانية. ولهذا شعرت الصين أنها مجبرة على بناء منشآت بحث للحروب الدفاعية البيولوجية. وفي عام 1951 افتتحت رئيس الوزراء شو إن لاي أكاديمية العلوم الطبية العسكرية للقيام بأبحاث دفاع بيولوجية. ولأن الصين لم تحصل على السلاح النووي إلا في منتصف الستينات من القرن الماضي فلربما حاولت استكشاف طرق لتطوير الأسلحة البيولوجية كحل وحيد أو كردع استراتيجي. وبحلول 1982 حصلت الصين على ترسانة نووية قوية. وبعد عامين وقعت على معاهدة الحد من السلاح البيولوجي لاعتقادها أن الترسانة النووية أفعل. وفي منتصف الثمانينات من القرن الماضي بدأت الصين تركز على الإصلاح الاقتصادي حيث خف الدعم للأبحاث البيولوجية وتحول عمل المراكز نحو المنتجات المدنية. ورغم توقيع الصين وأمريكا على معاهدة منع السلاح البيولوجي إلا أن علاقة الشك ظلت قائمة. وشكت الحكومات الأمريكية السابقة باحتفاظ الصين بترسانة بيولوجية هجومية قبل توقيع بيجين على المعاهدة. وبحسب مسؤول سابق من وزارة الدفاع فقد طورت الصين واختبرت في التسعينات من القرن الماضي عددا من البرامج الميكروبولوجية المعدية والسامة وطرقا لتحميلها أثناء إطلاق الصواريخ الباليستية. ورغم عدم وجود أدلة تدعم هذه المزاعم إلا أن هناك ما يقترح أن الصين احتفظت وطورت برامج بيولوجية. وبالمقابل شك الشعب الصيني باحتفاظ الولايات المتحدة بأسلحة بيولوجية. وبعد انتشار سارز تخيل الباحثون الصينيون سيناريو تقوم فيه الولايات المتحدة برش بيجين بفيروسات تشبه سارز.
وقال باحث طبي عسكري صيني بارز إن الولايات المتحدة التي طورت عوامل مضادة لغاز الأنثراكس قامت بتحويل فيروس سارز إلى سلاح. وفي عام 2001 رفضت إدارة جورج دبليو بوش مقترحا لتعديل معاهدة الحد من الأسلحة البيولوجية لأنها لا تفي بغرضها.
وقاد الرفض عددا من الصينين للشك بأن أمريكا جددت من جهودها في هذا المجال. وفي عام 2007 نشر باحثون عسكريون صينيون ورقة بحثية اتهموا فيها الولايات المتحدة باستخدام تكنولوجيا جديدة لتطوير عوامل بيولوجية”. ويعتقد أن عدم الثقة وسوء الفهم يدفع الدول لاتخاذ قرارات وأفعال تسهم في زيادة عدم الأمن. ففي أثناء الحرب العالمية الثانية طورت بريطانيا وكندا والولايات المتحدة أسلحة بيولوجية بناء على اعتقاد أن هتلر انتجها مع أنه لم يفعل ذلك. وسواء كانت الأمراض طبيعية أم انتشرت بطريقة مقصودة، من الصعب التأكد من هذا. خاصة أن الكثير من العوامل البيولوجية متوفرة بشكل طبيعي ويمكن انتاجها لأغراض مزدوجة بشكل يجعلها قابلة للتحول إلى سلاح. وفي سياق العلاقات الثنائية الباردة يتم النظر إلى الأمراض المعدية وكأنها هجمات بيولوجية. وشك المؤرخ ألفرد كروسبي من أن الحمى الإسبانية عام 1918 بانها نتاج عوامل بيولوجية ألمانية. وفي عام 2004 اتهمت الحكومة الهندية “باكستان الفاسقة” بإدارة “جهاد إرهابي” من خلال نشر أتش أي في في كشمير. وعندما انتشرت إنفلونزا الطيور في عام 2008 اتهمت وزيرة الصحة الأندونيسية في حينه سيتي سوباري الولايات المتحدة باستخدام عينات من فيروسات لتطوير الأسلحة البيولوجية وعلقت عملية وحدة البحث التابعة للمارينز في جاكرتا. وفي ظل تدهور العلاقات الامريكية-الصينية فإن انتشار مرض كورونا أضعف الجهود الدولية لاحتوائه. ورفضت الصين ولعدة أسابيع عروض المساعدة التي قدمها مركز السيطرة على الأمراض ومنعها في الولايات المتحدة. وبحسب مقال نشر على مدونة مرتبطة بصحيفة “جيفانغ ديلي” فقد شك البعض من أن خبراء المركز الأمريكي ربما جاءوا للقيام بمهمة للتجسس على قدرات الصين البحثية. ونجح باحثان أمريكيان بالإنضمام إلى وفد منظمة الصحة العالمية الذي زار الصين في شباط (فبراير) ولكن الزيارة الميدانية لم تشمل ووهان، مركز انتشار المرض. ويرى الباحث أن زعم انتشار فيروس كورونا باعتباره سلاحا بيولوجيا ليست ضارة فقط، ولكنها بدون أساس علمي. ولاحظ الباحثون أن التشكل في الفيروس بأنه عملية متناسقة مع التطور الطبيعي. وبحسب مجلة “ذا لانسيت” فقد أكد باحثون من عدة دول أن فيروس كورونا المستجد ظهر في الأماكن البرية. ولأن فيروس كورونا أصله حيواني دخل الإنسان فقد توصل العلماء بأنه حيواني المنشأ. ويعتقد العلماء أن الخفافيش هي مكان حضانة الفيروس مع أن البعض شك في كون الثعابين هي مكان تخلقه. ولأن هذه الحيوانات البرية تعتبر مأكولا مطلوبا لدى الصينيين فليس من المستبعد انتقال الفيروس منها للبشر.
ومن هنا يرى العلماء أن انتشار الفيروس هو مثال عن انتقاله من الحيوان للإنسان. ورغم وجود الفيروس في الأشخاص الذين عملوا في الأسواق المبلولة التي تعيش فيها الحيوانات هذه إلا أن معظم الحالات اكتشفت لدى أشخاص لم يزورا الأسواق أبدا، مما يقترح انتقاله في أماكن أخرى أو قبل فترة طويلة.
ويستبعد العلماء انتقال الفيروس من مختبرات حيث فشل الباحثون في اتباع تعاليم منع تلويثه الحياة العامة. وتظل الأدلة بشأن هذه النظرية عرضية. ويشير الداعمون للنظرية إلى أن عملية انتشار الفيروس بدأت في معهد ووهان للفيروسات والذي يتمتع بدرجة كبيرة من الأمان. وأشاروا إلى الدكتورة شي جينغلي الباحثة في المعهد والملقبة بالمرأة الخفاش والتي كانت تقوم بنشاط بملاحقة فيروس كورونا وإثبات أن الخفافيش هي المكان الطبيعي لتخلق الفيروس. ونفت الدكتورة أن يكون المعهد أصل انتشار الفيروس. وقالت “تقوم الطبيعة بعقاب العرق البشري على العادات غير الحضارية”. ورغم اتهام باحثة أخرى بأنها باعت حيوانات في مركز بحثي للسيطرة على الأمراض إلا أن أحدا لم يؤكد هذه الإتهامات أو نفاها. ولكن تظل سلامة المختبرات في الصين قضية رئيسية، خاصة أن مركز السيطرة على الأمراض ومنعها كان مصدرا لتسرب أربع حالات يشك بإصابتها بسارز بما فيها حالة وفاة في بيجين عام 2004. وفي كانون الثاني (يناير) 2020 سجن باحث صيني لمدة 12 عاما لبيعه حيوانات تجارب إلى الأسواق المحلية. ولا شك أن أفعال الحكومة الصينية منحت مصداقية لهذه النظريات. واليوم انتشر الفيروس عالميا تاركا أثارا سياسية واقتصادية حيثما حل. ومن هنا فتحديد منشأ الفيروس سيساعد الخبراء والحكومات على تحديد الإجراءات المضادة والحد ومنع انتشار موجات وباء في المستقبل. وعليه لا يوجد ما يدعم فكرة أن الفيروس هو جزء من سلاح بيولوجي أو أنه تسرب من مختبر أبحاث. ولكن نظريات المؤامرة سممت العلاقات الأمريكية-الصينية وأعمت النظر عن منشأه الحقيقي وهو الحيوانات البرية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية