«العثمانيون» اسم حار بشانه المؤرخون قديمًا وحديثًا سواء في علاقتهم بالعالم الإسلامي الذي ينتمون إليه أو في العالم الأوروبي الذي أظهر لهم العداوة على كافة المستويات العسكرية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية. لقد تطورت الدولة العثمانية من إمارة صغيرة إلى دولة إقليمية كبرى في غضون فترة زمنية قصيرة نسبيًا. وكان حتمًا ان يكون توسعها على حساب القوى السياسية المجاورة : في أوروبا وفي شرق المتوسط على السواء. وفي خمسينيات القرن الرابع عشر حدث تحول جذري في السياسة العثمانية على المستوى العسكري والدبلوماسي عندما اتجهت القوة العثمانية الصاعدة نحو أوروبا لتملأ الفراغ السياسي الناجم عن تدهور القوى البيزنطية والصربية التي كانت تسيطر على أنحاء شرق أوروبا ووسطها. وتداعت الأحداث والحوادث نتيجة هذه الوجهة الجديدة للسياسة العثمانية فكان لابد من الصدام العسكري مع بيزنطة والجمهوريات التجارية الإيطالية فضلا عن بلاد وسط وشرق أوروبا.
وعلى الجانب الآخر كان لابد للروح الصليبية النائمة في أوروبا الغربية ان تصحو من جديد بعد ان مني مشروعها على الأرض العربية بالفشل عندما حرر المسلمون عكا سنة 1292. والدراسة التي قدمتها الباحثة النابهة أميرة محمود خليل نافع بعنوان «العثمانيون وأوروبا»، والصادرة مؤخرًا في القاهرة 2014م. عن دار عين للدراسات والبحوث تعالج جوانب العلاقة بين العثمانيين وأوروبا في نصف قرن من الزمان، وهى (753 – 805هـ / 1352 – 1402م) تلك فترة بناء القوة العثمانية الصاعدة التي قيض لها ان تحل محل القوة البيزنطية إلى الأبد سنة 1453م بعد فتح القسطنطينية، وان تكون اللاعب الرئيسي على المستوى السياسي والعسكري على مدى عدة قرون بعد ذلك. واستطاعت الكاتبة عبر دراستها القيمة الإجادة في عرض تفاصيل هذه الأحداث وتفسيرها بمنهج جمع بين السرد والتحليل يقربنا من حقيقة الماضي التي ما تزال غاية لا تدركها أقلام المؤرخين حتى الان. وهو ما يساعدنا على قراءة أعمق للموقف التركي الحالي من القضايا الإقليمية والدولية، بالاستناد إلى مواقف سابقة لعبت تركيا في بعضها دور المحرّض لانتاج التّدخّل العسكري، ووضْعها في سياقها التّاريخي مع مراعاة طبيعة النّظام الدّولي، والمصلحة القوميّة للدول التي تعتبر المحدّد الرئيس لسياساتها الخارجية بحثاً عن دور جديد لها في المنطقة يناطح الدور الأوربي كاستمرار للتنافس التاريخي بينهما. ولا شك ان التحليل الوافي لطبيعة الموقف التركي من أوروبا اليوم ومن الوضع في المنطقة يمثل إضافة مركزة لمسار التحليلات المتعلقة بتفسير دوافع الموقف التركي إزاء الوضع الراهن، غير ان قراءة الموقف التركي التي تنطلق من متابعة دور تركيا في إطار حلف الناتو، وبملامح الدور التركي الجديد في المنطقة، وبالاستثمارات التركية في منطقة شمال إفريقيا يمكن ان يضاف إليها تصنيف دور تركيا في المنطقة باعتبارها قوة فوق إقليمية؛ تحتفظ لنفسها بهامش متميز عن دور القوى الإقليمية الأخرى في المنطقة .
إذ يمكن في هذا الصدد إلقاء الضوء على رؤية تركيا لدورها الجديد في المنطقة، وهو دور نستطيع ان نسميه بدور القوة «فوق الإقليمية الفاعلة» super regional power وقد قصدت من استخدام هذا المسمى إظهار هامش الاختلاف بين طبيعة وتأثير الدور التركي عن دور القوى الإقليمية التقليدية في المنطقة مثل السعودية ومصر التي تميل للانكفاء النسبي في هذه المرحلة بسبب عوامل داخلية تتعلق بنظام الحكم والأوضاع الداخلية فضلاً عن رؤيتها الذاتية لمجالات دورها الإقليمي وسلم الأولويات الذي يحدد مناطق التحرك (إيران والخليج ولبنان بالنسبة للأولى) والملف الفلسطيني الإسرائيلي ـ وبدرجة أقل السودان بالنسبة للثانية.
والمثير للاهتمام ان دوائر السياسة الخارجية التركية تتسع لتشمل هذه الملفات جميعها بل وتضيف عليها الاتحاد الأوروبي ومنطقة آسيا الوسطى والقوقاز بالإضافة لأفغانستان والعلاقات التركية الإفريقية.
الأمر الذي يدلل على منطقية التمييز بين الدور التركي في المنطقة وبين غيره من أدوار القوى الإقليمية التقليدية. والمثير ان المتتبع لطبيعة الدور التركي يخلص إلى ان الأمر لا يرتبط بتوافر الموارد المالية بقدر ما يرتبط بالرغبة في تطوير الدور التركي ليفوق ما كان عليه أثناء الدولة العثمانية في أوج صراعها مع أوروبا والذي يمكن استقراؤه عبر الدراسة المدهشة لأميرة نافع. وهنا تجدر الإشارة إلى ان الرؤية التي صاغها أوغلو في كتابه الصادر عام 2003 عن مجالات السياسة الخارجية التركية وقتما كان أستاذاً للعلاقات الدولية لا تقتصر فقط على إحياء النفوذ العثماني التقليدي بقدر ما ترمي إلى البناء على هذا النفوذ حال استعادته وتطويره ليشمل دوائر جديدة. وفي هذا الصدد يمكن الإشارة الى حرص تركيا على عقد قمة افريقية تركية بشكل دوري، يضعها ضمن دائرة محددة من الدول التي قامت بعقد هذه القمة وهي فرنسا والصين والولايات المتحدة.
أما عن أزمات الوطن العربي، فالموقف التركي يتطور منها بشكل سريع بحيث تحتفظ تركيا لنفسها بموقف متمايز عن الموقف الأوروبي رغبة في إسماع صوتها للاتحاد الأوروبي الذي يكتفي بإبقائها واقفة على بابه دون السماح لها بالولوج، وهي رسالة تركية متجددة ترمي إلى إثبات انها قد تستغني عن الاتحاد الأوروبي إذا طالت مدة الانتظار بالرغم من ان المتابع لجذور السياسة الخارجية التركية يدرك ان الانضمام للاتحاد الأوروبي سيظل الهدف التاريخي الذي تسعى انقرة لتحقيقه مهما طال الزمن.
الدراسة تكشف بوعي أو دون وعي عن أهم نقاط التحول في تاريخ الدولة العثمانية مما يساعدنا على استقراء أعمق لتطور العلاقات التركية الأوروبية أو التركية العربية منذ عام 1352م / 753هـ الذي كان بمثابة نقطة تحول فارقة في تاريخ الدولة العثمانية منذ ان عبرت الدولة العثمانية إلى أوروبا وفكر السلاطين العثمانيين في الامتداد بدولتهم من عالم آسيا الصغرى إلى عالم أكثر رحابة في أوروبا، ومن دولة صغيرة ناشئة إلى إمبراطورية واسعة الأطراف وقوة دولية. ومن إمارة التخوم إلى الدولة إلى القوة الإقليمية إلى الإمبراطورية العالمية بعد ضمها الوطن العربي، وهو التطور الذي لم يتحقق على هذا النحو لفواعل إسلامية أخرى. ومع هذا التطور تعددت محاور الجغرافية السياسية التي دارت حولها التفاعلات الدولية التي شاركت فيها الدولة العثمانية بدور أساسي في مواجهة طرف غير مسلم، فهناك التفاعلات حول أراض غير مسلمة (ساحتها أوروبا أساسًا ) وهناك التنافس مع قوى مسيحية دفاعًا عن أراض مسلمة (شمال أفريقيا، آسيا الوسطى والقوقاز)، وهناك ضم مناطق إسلامية أو مد النفوذ إليها على نحو أثار مشكلات ممتدة مع القوى المسيحية المتنافسة حول هذه المناطق (الوطن العربي) وهناك أخيرًا الصراع المسلح مع قوى إسلامية (الصفويين). ولقد تطورت أنماط التفاعلات حول هذه المحاور مع تطور حال الطرف العثماني وحال الأطراف الأوروبية المنافسة وحال المناطق المعنية وذلك عبر عدة مراحل فرعية غلب التفوق العثماني على الأولى منها (القرن الـ 10 هـ / 16م)، ثم برز الضعف والتآكل في مصادر القوة العثمانية في مرحلة تالية امتدت حتى أواخر القرن الــ 18هـ حيث بدأت مرحلة الانهيار والسقوط.
الكتاب رحلة جادة في طريق البحث عن جذور العلاقات بين العثمانيين وأوروبا بعيدًا عن الانحياز الاستشراقي في أوروبا والانحياز العاطفي في العالم الإسلامي.
كاتب مصري
عمرو عبد العزيز منير