كتب الصحافي عبد الحفيظ جعوان على صفحته على “فيسبوك” تعليقا على نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وأثرها على الفلسطينيين قائلا: “في إسرائيل انتصرت صفقة القرن، انتصر المستوطنون، انتصرت العنصرية، انتصر الاحتلال. وفي فلسطين ما زالت فتح وحماس مختلفتين على مكان عقد المجلس الوطني وحصة كل فصيل من منظمة التحرير والمقاعد الوزارية”.
وحقق المعسكر المطالب بتطبيق خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فوزا ساحقا في الانتخابات الإسرائيلية، الأمر الذي يثير قلقا واسعا بين الفلسطينيين بإقدام الحكومة المقبلة، أيا كانت الأحزاب التي تضمها، على ضم أجزاء واسعة من الأراضي، خاصة منطقة شمال البحر الميت والأغوار التي تشكل حوالي 30 في المئة من مساحة الضفة الغربية.
وفي المقابل لم تنعكس هذه النتائج المثيرة للقلق على مواقف القادة الفلسطينيين الذين لم يتقدموا بأي مبادرات سياسية داخلية أو خارجية لتوحيد الصفوف وتوظيف الطاقات لمواجهة الأخطار المقبلة.
وحقق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تقدما ملحوظا في هذه الانتخابات، إذ زاد عدد أعضاء حزبه (الليكود) في البرلمان ثلاثة أعضاء في الوقت الذي توقع فيه البعض تراجع هذا الحزب جراء توجيه ثلاث تهم فساد لزعيمه نتنياهو.
وعزا الكاتب الإسرائيلي تسيفي برئيل، في مقال له في صحيفة “هآرتس” هذا التقدم الذي حققه نتنياهو في الانتخابات إلى مواقفه المتطرفة من الفلسطينيين مشيرا إلى وجود نزوع يميني جارف في المجتمع الإسرائيلي يطالب بضم أراضي الفلسطينيين ومواصلة الاستيطان مع مواصلة القمع.
وقال الكاتب: “الثقافة التي تطورت خلال عقد على الأقل والتي فيها تم صهر أفكار فاشية وعنصرية، دينية وقومية متطرفة، ومسيحانية مجنونة، أوجدت مجتمعا متغطرسا ودولة لم توافق فقط على وضع شخص من المافيا على رأسها، بل هي تحارب أيضا من أجل أن يواصل إدارتها”.
وأضاف: “الشعب المختار لم ينجح في أن ينبت في داخله بديل للقيادة وبديل لنظام عصابات، جزء من البديل الذي تقدم للانتخاب هو جزء يشبه بشكل كبير الليكود”.
وخلص الكاتب إلى أن نتنياهو “قام بدمج إسرائيل جيدا في الشرق الأوسط، الذي فيه الزعماء يحكمون حتى موتهم”. وذهب حد القول ان المجتمعات العربية أفضل من المجتمع الإسرائيلي في هذا المضمار لأن أخرجت احتجاجات ضد هؤلاء الزعماء بينما إسرائيل أعادت تنصيبه.
وأصدر بنيامين نتنياهو، عشية الانتخابات، مجموعة من قرارات البناء في المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية في محاولة لاستقطاب المزيد من الأصوات. أكثر هذه القرارات خطورة هو قرار طرح عطاء لبناء 1077 وحدة سكنية في مستوطنة “جبعات همتوس” في القدس الشرقية وذلك في الرابع والعشرين من شباط (فبراير). وتضمن القرار الشروع الفوري في البناء.
وكان البناء في مستوطنة “جبعات همتوش” قد جمد في السنوات الأخيرة إثر ضغوط دولية، لأنها تفصل بين مدينتي القدس الشرقية وبيت لحم وتعيق أي حل سياسي دولي متفق عليه.
وجرى أيضا اتخاذ قرار ثان في السادس والعشرين من شباط (فبراير) بإقامة 3500 وحدة استيطانية في منطقة “اي 1” إلى الشرق من مدينة القدس، وتفصل المدينة عن المناطق الشرقية مثل أريحا، وتفصل أيضا بين شمال الضفة الغربية ووسطها من جهة وبين جنوبها من جهة أخرى.
واعتبرت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، قبل ترامب، البناء في مستوطنة “اي 1” خطا أحمر ذلك أنها تؤدي إلى الفصل بين القدس الشرقية وباقي أجزاء الضفة الغربية.
وتركزت المعركتان الانتخابيتان السابقتان في إسرائيل حول أمور داخلية في إسرائيل، ولم تكن القضية الفلسطينية من بينها، لكن نتنياهو جلب الموضوع الفلسطيني إلى قلب المعركة الانتخابية الأخيرة بتعهده بالقيام بضم المستوطنات وضم أراض فلسطينية محتلة الأمر الذي لم يختلف معه فيه الحزب المنافس “أزرق أبيض”.
وكانت إدارة ترامب أجلت عرض خطتها السياسية إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، لكن عادت وقدمت المبادرة قبيل هذه الانتخابات في محاولة أخيرة لتشجيع الناخبين على اختيار نتنياهو.
ورغم تأييد الحزب المنافس “أزرق أبيض” لخطة ترامب إلا أن الجمهور الإسرائيلي مال نحو نتنياهو المتهم بالفساد، بسبب ايديولوجية الأخير القائمة على الاستيطان وقمع الفلسطينيين.
وقال رئيس تحرير صحيفة “هآرتس” ألوف بن: “الجمهور الإسرائيلي فضل أحزابا ومعسكرات لديها رسالة أيديولوجية واضحة، وعاقب من خلال صندوق الاقتراع المتذبذبين والذين فضلوا التعتيم”.
وأضاف: “خلافا لجولتي الانتخابات السابقتين، العام الماضي، عندما ركّزت حملة الليكود على مهاجمة الشرطة والنيابة العامة بسبب التحقيقات مع نتنياهو في قضايا فساد، ركزت كتلة اليمين هذه المرة على موقفين واضحين وصافيين في السياسة الخارجية والداخلية: ضم المستوطنات وغور الأردن، بموجب خطة ترامب، وإلغاء استقلالية جهاز القضاء وإخضاعه للمستوى السياسي”.
وأعلن غير مسؤول في حزب نتنياهو مؤخرا عن نيته الشروع في ضم المستوطنات ومساحات واسعة من الضفة الغربية فور تشكيله الحكومة.
لكن هذه التأكيدات لم تحرك الكثير في المستوى السياسي الفلسطيني حيث تسود المعارك الداخلية على أي معارك أخرى.
أولى هذه المعارك هي المعركة بين مراكز القوى في حركة “فتح”. وطفت على السطح، في الآونة الأخيرة، معركة محتدمة بين معسكرين في الحركة، معسكر يقوده مدير جهاز المخابرات العامة اللواء ماجد فرج المقرب من الرئيس محمود عباس، ومعسكر يقوده أمين سر اللجنة المركزية لحركة “فتح” اللواء جبريل رجوب.
ويصطف غالبية قادة حركة “فتح” في أحد هذين المعسكرين.
ويتركز الصراع بين المعسكرين حول النفوذ في مؤسسات السلطة في هذه المرحلة وحول خلافة الرئيس محمود عباس مستقبلا. ويرشح المعسكر الأول نائب رئيس الحركة محمود العالول للخلافة، فيما يرشح المعسكر الثاني عضو اللجنة المركزية للحركة ناصر القدوة.
أما الصراع المركزي الثاني على السلطة الفلسطينية فيدور بين حركة “فتح” التي تقبض على زمام السلطة في الضفة الغربية وحركة “حماس” التي تقبض على زمام السلطة في غزة.
وقدمت روسيا مبادرة جديدة لإعادة إحياء الحوار بين حركتي “فتح” و”حماس” لكن لا تلوح في الأفق أي بوادر جدية لعودة مثل هذا الحوار.
واستضاف وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في الأيام الأخيرة عددا من قادة الفصائل الفلسطينية بينهم حسين الشيخ مساعد الرئيس محمود عباس واسماعيل هنية رئيس حركة “حماس”.
وقال اسماعيل هنية عقب اللقاء إنه عرض على لافروف أربعة خيارات لإنهاء الانقسام وإعادة توحيد السلطة الفلسطينية. وأضاف: “الخيار الأول هو إجراء الانتخابات الفلسطينية في الضفة وغزة، والثاني هو عقد اجتماع وطني خارج رام الله ليتسنى للفصائل المشاركة فيه، والثالث هو عقد اجتماع للأمناء العامين للفصائل، والخيار الرابع هو تشكيل حكومة وحدة وطنية بالاتفاق مع كل الفصائل”.
ورفضت حركة “فتح” هذه الاقتراحات معتبرة انها مناورة.
وقال عزام الأحمد ان الحل يكمن في تطبيق الاتفاقات مشيرا إلى ان حركة “حماس” حالت دون تمكين حكومة الوفاق من القيام بمسؤولياتها في قطاع غزة.
ودعا العديد من الفلسطينيين المسؤولين للقفز عن الخلافات وتوحيد الصفوف لمواجهة التحديات التي يشكلها عودة نتنياهو والإعلان عن عزمه تطبيق خطة ترامب.
وقال العالم الفلسطيني عدنان مجلي المقيم في الولايات المتحدة في تغريدة له: “إن عودة نتنياهو إلى الحكم تحتم علينا الارتقاء إلى حجم التحدي والاستعداد لمرحلة مواجهة يومية صعبة على كل شبر من أرضنا”.
وأضاف: “نتنياهو يعود إلى الحكم لتطبيق برنامجه القائم على ضم الأغوار والمناطق ج وتحويل المدن والقرى في الضفة الغربية إلى معازل وإنهاء القضية الوطنية، وهذا يحتم علينا إعادة بناء جبهتنا الداخلية من خلال إنهاء الانقسام وإعادة بناء منظمة التحرير وإجراء انتخابات عامة لفتح الطريق أمام الشباب للمشاركة السياسية”.
ومضى يقول: “المرحلة المقبلة صعبة وخطيرة وتتطلب أوسع مشاركة شعبيه، وهذا لا يأتي إلا من خلال إنهاء الانقسام وإجراء انتخابات عامة تتيح لشعبنا فرز قيادات مسنودة من عامة الشعب لخوض المواجهة”.