عمان-“القدس العربي”: تماما من البداية راقبت غرفة القرار الأردني وبنهم وشغف تطورات المشهد الانتخابي الإسرائيلي.
الرهان كان مبكرا جدا على “تكهن” سياسي يقول بأن بنيامين نتنياهو سينجح في الانتخابات وسيتولى الأغلبية لكنه لن يستطيع “تشكيل حكومة”.
الأردن وبكل رموزه ومؤسساته يريد اليوم أن يختفي نتنياهو من المشهد الإسرائيلي فهو للتذكير وفي رأي الناشط السياسي والبرلماني محمد الحجوج ذلك الرجل “المدعي” الذي يزرع شجرة في أريحا بخاصرة “الأمن الحدودي الأردني”.
وهو نفسه – والرأي مجددا للحجوج- اليميني المتشدد العدو الذي لا يجد ما يمنعه وقبل الانتخابات بأسبوع فقط من التصريح بأنه “لا يهتم” بموقف الجار الأردني من المجريات ولا حتى بـ”اتفاقية وادي عربة”.
التصريح الأخير أثار جدلا واسعا في عمق مؤسسات القرار الأردنية وصنف باعتباره مولغا في العداء والاستهداف والتجاهل.
هنا تقرر مسبقا أن يظهر رئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز وحصريا على قناة “سي إن إن” الأمريكية لكي يوجه رسالة للناخب الإسرائيلي باسم الأردن كانت فكرتها تقول ضمنيا بأن اتفاقية وادي عربة للسلام بين الجانبين ستصل إلى مستوى متقدم من المخاطر إذا ما نجح نتنياهو واحتفظ بموقفه العلني نفسه.
لاحقا وفي اجتماع سياسي تحدث الرزاز عن وادي عربة باعتبارها “اتفاقية سلام تترنح”.
عشية انتخابات إسرائيل أيضا تواصل الأردن مع من تيسر له من الإدارة الأمريكية وطلب “ضمانات” بأن لا يتخذ نتنياهو المزيد من الخطوات الاحادية التي أعلن عنها تحت ستار صفقة القرن وترتيبات الرئيس دونالد ترامب.
عمليا كانت تلك أقرب بنداء “استغاثة” يخص حصريا اتفاقية وادي عربة وبهدف التأثير قدر الامكان في الناخب الإسرائيلي. وهي استغاثة واجبة بكل بساطة إزاء ما يسميه المعلق السياسي الأعمق في مسألة الصراع العربي الإسرائيلي عدنان أبو عوده بـ”مكر التاريخ” مشيرا لإن هوامش المناورة أمام بلاده في ظل جنوح الشارع الإسرائيلي لليمين وحتى أمام المجموعة العربية منقوص وهامش غير فعال.
شرح أبو عوده لـ”القدس العربي” وجهة نظره في أن اليمين الإسرائيلي مستحكم ولديه برنامج واضح ومخطط له منذ عقود، والإدارة الأمريكية الحالية توفر الفرصة الأفضل لتعزيز مطامح اليمين الانتخابية.
وفي المقابل وبتقدير أبو عوده الجانب العربي منقسم إلى جناحين الأول يحتاج “للمال الأمريكي” ويعتمد عليه وليس سرا أن ذلك يشمل الأردن.
والثاني يحتاج “لحماية الأمريكيين” من نفوذ دول إقليمية كبيرة مثل إيران وتركيا.
المعنى أن نتنياهو وحده يسرح ويمرح في الميدان.
وحسابات عمان في إخفاقه بتشكيل حكومة لم تكن مجرد تمنيات أردنية بقدر ما هي متابعة تفصيلية على أساس مفصل تاريخي بعد إعلان صفقة القرن الأمريكية فكل الملفات الحيوية والاساسية في الأردن محسوبة اليوم على مقدار نتائج وتداعيات الانتخابات الإسرائيلية.
الاحتمالات واردة في ان يتمكن نتنياهو من “خطف ثلاثة أصوات” يحتاجها لكي ينفذ بتشكيل حكومته ويبدأ برنامجه المعادي جدا للمصالح الأردنية حيث تخفق مجددا كل التطمينات التي تتلقاها عمان هنا من مؤسسات العمق الإسرائيلي.
لكن سيناريو “الانتخابات الرابعة” هو الذي تدعمه الحكومة الأردنية عن بعد.
ومن باب الاحتياط وبمجرد إعلان نتائج الانتخابات غربي نهر الأردن بدأت عمان تتحدث مع مؤسسات في واشنطن وعواصم أوروبية تحت بند التحذير من الخطوة التالية وعلى أساس ان اتفاقية “وادي عربة” في حال الخطر وهي تترنح الآن وقد تترنح أكثر أو تسقط لاحقا حصريا إذا طبق نتنياهو ما يعلنه بخصوص “لعبة الحدود” بصفة خاصة.
تستطيع “القدس العربي” أن تؤكد بأن رسائل أردنية محددة في السياق أرسلت للأمريكيين والأوروبيين وتقول إن الأردن لن يقبل “الوصاية الهاشمية” على الأوقاف المسيحية والإسلامية في القدس “منقوصة” وسيواصل دوره في القدس بصرف النظر عن تحرشات نتنياهو في حال ضمانة ذلك.
“الأردن ليس ناطورا” قالها مسؤول أردني بارز لمستشار الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر وكررت على مسامع الأمريكيين مجددا وعلى أساس أن أي “انتقاص” من دور الأردن في مقدسات القدس سيدفع المملكة للانسحاب.
وضمن الرسائل تحذير مباشر في مسألة” الحدود” واحتمالات تلاعب اليمين الإسرائيلي فيها إذا ما نجح بتشكيل حكومة خصوصا وأن نتنياهو أعلنها صراحة بخصوص تجاهله لموقف الأردن ولموقف السلطة الفلسطينية إذا ما تم تفويضه انتخابيا بخطته المعلنة.
وهنا يتحدث الأردن عن “سقوط حتمي” لمنطوق اتفاقية وادي عربة في وجدان الأردنيين في حال الاصرار على ضم الأغوار وشمالي البحر الميت بدون اتفاق سلام جماعي ودولي، وقيل أيضا في الرسائل نفسها إن العبث بملف الحدود وبدون ترتيبات سلام نهائية مجازفة كبرى وليس أقل من “لعب بالنار”.
لذلك وبناء عليه وبمجرد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية لوحظ في العاصمة الأردنية حراك نشط من قبل الدبلوماسيين والسفراء الغربيين وتحت يافطة ضرورة “ترميم” العلاقة المتردية جدا بين عمان وتل أبيب.
وضرورة الحفاظ على استقرار الأردن الداخلي وإيجاد طريقة لتلافي مصير مجهول وغامض لاتفاقية وادي عربة مع الأردن يحسب طوال الوقت بأن المتضرر أكثر من غيره من صفقة القرن وانتخابات إسرائيل هو الخيار الفلسطيني والسلطة.