أسفرت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة عن عودة جديدة لبنيامين نتنياهو ولكنها عودة منقوصة، فبعد تصويت يوم 2 آذار (مارس) بدا ائتلاف نتنياهو من اليمين المتطرف والأحزاب الدينية والمستوطنين في المقدمة، حيث حصلوا على 58 مقعدا أي بفارق عدد قليل من المقاعد كانت ستعطي نتنياهو غالبية مريحة لتشكيل الحكومة الإسرائيلية التي فشل هو ومنافسه من “أزرق-أبيض” بتشكيلها خلال الجولتين الماضيتين.
والفشل في التوصل إلى حكومة، ائتلاف أو وحدة وطنية يعني المضي مرة رابعة للاحتكام إلى صندوق الاقتراع وهو ما لا يريده نتنياهو أو غانتس. ولدى المعارضة المكونة بالإضافة لكتلة غانتس، وأحزاب اليسار، غيشر- ميريتس والقائمة العربية المشتركة 62 مقعدا، إلا أن تشرذمها وعنصرية غانتس في التعامل مع القائمة المشتركة التي زادت مقاعدها إلى 15 تجعل منظور التعاون بعيدا.
لا أحد يريد جولة رابعة
وتبدو الخريطة السياسية الإسرائيلية متشظية كما كانت من قبل بدون أن تنهي دور نتنياهو الذي عاد وبقوة بفضل قاعدته الانتخابية، ورغم القضايا القانونية التي تلاحقه، ولم يبق على محاكمته إلا أسبوعين. ولكن الواضح أن نتنياهو لا يريد الخروج من اللعبة فيما فقد منافسه غانتس السيطرة على المشهد، فالمنطق الذي قام عليه تحالف “أزرق-أبيض” هو معارضة نتنياهو، الذي أصبحت نزعته الديكتاتورية وفساده خطرا على إسرائيل. وكما قال مسؤول في حزب الليكود “إما حكومة بزعامة نتنياهو أو انتخابات رابعة”. ومن هنا سيحاول زعيم الليكود خلال الأسابيع المقبلة إقناع غانتس لمشاركته في حكومة وحدة وطنية أو تجريده من النواب المتطرفين داخل ائتلافه. وهناك إمكانية لنجاح نتنياهو بجذب زعيم “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان الذي حصل على سبعة مقاعد إلى تشكيل حكومة. وكان ليبرمان قد تخلى عن نتنياهو بسبب خلاف حول الأحزاب الدينية. ولكن ليبرمان لا يريد جولة رابعة من الانتخابات. وبالمقابل يخشى غانتس أن يحمله الناخبون مسؤولية جولة جديدة من الانتخابات لو استمر في رفضه الجلوس مع نتنياهو. ويأمل هذا أن يكون مصير تحالف “أزرق-أبيض” مثل بقية الأحزاب التي خرجت عن الليكود، كما في حالة حزب كاديما الذي أسسه أرييل شارون وهاتونا الذي أنشأته تيسبي ليفني. وحتى لو استطاع نتنياهو الخروج من حسبة المقاعد فهو بحاجة للهروب من المحاكمة القريبة. وكما يرى جوناثان كوك في “ميدل إيست آي” (4/3/2020) فربما واجه معوقات، فبدون غالبية برلمانية لن يستطيع توجيه ضربة للمؤسسة القضائية. ولكن نتنياهو لا يخلو من الحيل، فبدعم من قاعدته يمكنهم خلق أزمة دستورية والهجوم على المحكمة التي ترى فيها أحزاب المستوطنين قيدا على الضم. وفي حالة تحالفه مع غانتس فالثمن سيكون وقوف نتنياهو أمام المحكمة. ويؤشر هذا الوضع إلى معضلة الطرفين، فالمعارضة مع ليبرمان والتي تملك الغالبية لا قواسم مشتركة بينها سوى التخلص من نتنياهو. وأشارت محللة إسرائيلية في موقع “المونتيور” (6/3/2020) إلى أن العملية الانتخابية الأخيرة لم تحل الأزمة. ولن يكون ليبرمان قادرا على تمرير سيناريو التخلص من نتنياهو بدون التعاون مع أفراد المعارضة بمن فيهم القائمة المشتركة.
قاعدة مزراحي
وعلينا ألا ننسى أن سر قوة نتنياهو في السياسة الإسرائيلية نابعة من قاعدة أتباعه التي تشبه قاعدة الأمريكيين البيض الداعمة لدونالد ترامب ولا يهمهما ما يفعل أو يقول. ففي إسرائيل ومنذ السبعينيات من القرن الماضي عندما جيش مناحيم بيغن اليهود الشرقيين لدفع الليكود إلى قمة السلطة، أصبح اليهود الشرقيون “مزراحي” القاعدة الطبيعية للحزب. وفي ظل نتنياهو بات يقدم نفسه على أنه نصير اليهود الشرقيين والذين عانوا من التهميش والحرمان، لكنهم واصلوا دعمهم له. ويرى ديفيد هالبنفنغر في صحيفة “نيويورك تايمز” (3/3/2020) أن قاعدة الدعم هذه هي التي أنقذت نتنياهو من الغرق. ويقول إن علاقة نتنياهو مع اليهود الذين هاجروا من الشرق الأوسط وشمال افريقيا قد تكون أقوى من علاقة ترامب مع الأمريكيين البيض. ولم تثبط الاتهامات الموجهة له من عزيمة أنصاره بل زادت تمسكهم به، ولهذا تدفقوا أشتاتا وجماعات على صناديق الاقتراع. وعلى طريقة القذافي قال نتنياهو في خطاب له إنه “ذهب من حارة إلى حارة وشارع إلى شارع” بحثا عن الأصوات. واستفاد الليكود من تطرف اليهود الشرقيين وتبنيهم للقومية اليهودية ضد الدول العربية التي أصبحت العدو. وينظر الإسرائيليون التقدميون والليبراليون باستغراب ويتساءلون عن سر الدعم لليكود من هذا القطاع المحروم في المجتمع الإسرائيلي. لكن الكثير من أفراد مزراحي يعتقدون أن الليكود قدم لهم الكثير من المنافع. فمراكز الحزب المحلية تحولت إلى مراكز توظيف لهم كما استفادوا من الميزات التي قدمت لهم بالسكن في مستوطنات الضفة الغربية بأسعار مدعومة ما أسهم في تحسن حياتهم. وبات نتنياهو يقدم نفسه على أنه واحد منهم ويدعم قضاياهم. ورفع ممثليهم إلى مراكز عليا في الحكومة مثل وزيرة الثقافة ميري ريغيف المعروفة بحملتها ضد الفنانين. ويرى البرفيسور من أصل عراقي نسيم مزراخي أن اليهود الشرقيين لا ينظرون لأنفسهم كأقلية و “يشعرون أنهم الشعب اليهودي وبيبي من أجلهم وحاميهم”. كل هذا لا ينفي الطريقة التي عامل المجتمع الإسرائيلي أباءهم وحرمانهم من الوظائف وعيشهم على حافة المجتمع والتمييز بينهم واليهود الغربيين “إشكناز”. ففي الوقت الذي أرسل فيه أبناء هذه الطبقة للجامعات شجع المزراحي للذهاب إلى المراكز المهنية ومدن التطوير. وينتمي نتنياهو إلى اليهود الغربيين لكنه لعب على فكرة الضحية عند هذه الطبقة وهاجم الإعلام والمؤسسة أو “الدولة العميقة” التي يرى اليهود الشرقيون أنها عازمة على حرمانهم من حقوقهم. وأكثر من هذا استطاع نتنياهو ربط منافسه غانتس بالدولة العميقة-اليسار والإعلام والقضاء بشكل أشعر أبناء مزراحي أنه يريد تجريدهم من وضعيتهم.
القائمة المشتركة
كانت الانتخابات الأخيرة قصة اليمين المتطرف وقصة القائمة المشتركة أيضا. وفي هذا السياق يقول باتريك كينغزلي في صحيفة “نيويورك تايمز” (4/3/2020) أن تكتل بنيامين نتنياهو اليميني كسب جزئيا بسبب سياسته المتشددة التي همشت العرب الإسرائيليين وأعاقت صفقة سلام مع الفلسطينيين. وكذلك كسبت القائمة المشتركة التي حققت رقما قياسيا بشكل جعلها ثالث أكبر كتلة في البرلمان وحرمت نتنياهو من تحقيق أغلبية برلمانية تامة. وهناك ترابط بين فوز اليمين والعرب، فقد زاد نتنياهو قاعدته بتمرير قوانين تنفر المواطنين العرب والسعي وراء خطط للشرق الأوسط – مثل “صفقة القرن” للرئيس ترامب -والتي سيتم بموجبها ضم مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، ما دفع الناخبين العرب في إسرائيل الذين كانوا غير مبالين سابقا ليدلوا بأصواتهم. ويعتقد أن ما حققه العرب من مكاسب في صندوق الاقتراع لن يغير الكثير من وضعيتهم في بلد يتحرك بانتظام نحو اليمين. وفي الواقع فإن المكاسب هي سلاح ذو حدين، وتجعل اليمين الإسرائيلي أقوى. واستطاعت القائمة بزعامة رئيسها أيمن عودة جذب أحزاب إسرائيلية يسارية رأت أن نجاحها مضمون بالتعاون مع العرب لا مع كتلة غانتس الذي اصطف مع خطة ترامب للسلام ونفر الناخبين العرب الذين لم يروا فرقا بين تيار الوسط الذي يمثله رئيس هيئة الأركان السابق والليكود. ولهذا السبب حاول نتنياهو قطع الطريق أمام أي تعاون بين الكتلة الثانية والثالثة بنزعه الشرعية عن “أزرق-أبيض” ووصفه القائمة المشتركة بداعمي الإرهاب. وبالنسبة لنتنياهو فالعرب كما قال أمام قادة الأحزاب المتطرفة التي دعمته ليسوا “ضمن المعادلة” وهو ما ينذر بالقادم حول سياساته إن استطاع تشكيل حكومته الخامسة. وهذا يفسر المشاركة الكبيرة للعرب في داخل إسرائيل الذين لم يكونوا يبالون بيوم الانتخابات لأنها لا تغير من حياتهم. ولهذا جاءت المشاركة الكبيرة تعبيرا عن مواطنتهم التي لا يمكن مسحها والخوف من التطهير العرقي، خاصة أن خطة ترامب تتحدث عن تبادل أراضي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مثل منطقة المثلث، وهو ما أثار حنق وغضب العرب.
عطايا
وعلينا الملاحظة أن نجاح نتنياهو في الجولة الأخيرة لم يكن ممكنا لولا الهدايا والعطايا التي قدمها ترامب له وكانت “صفقة القرن” هي آخر المنح والتي وعدت كتلته بكل شيء: ضم معظم أراضي الضفة الغربية مما يترك للفلسطينيين قطعا لا يمكن أن تشكل دولة لهم في المستقبل. وبشكل عام يريد الإسرائيليون تجاوز الموضوع الفلسطيني ونسيانه، ولهذا قدم نتنياهو نفسه بأنه الشخص القادر على تحقيق الطموح بسبب علاقته الخاصة مع ترامب والقيام بالضم. ومن هنا اتسمت حملته الانتخابية بكل الحوافز التي يريدها اليمين المتطرف من أجل التدفق على صناديق الاقتراع، وضمت هذه بناء مستوطنات في مناطق فلسطينية مهمة حول القدس الشرقية والتي كانت حتى الآن خطا أحمر للمجتمع الدولي. ومن عوامل نجاحه أنه لعب على ملل الناخب الإسرائيلي من منظور جولة جديدة. وتظل مشكلة غانتس أنه لن يستطيع تشكيل حكومة بدون دعم القائمة المشتركة.
خطر على السلام والقانون
وسواء كان فوز نتنياهو تذكيرا بألعاب الساحر هوديني أو أن طاقيته لا تزال مليئة بالحيل، فمجرد بقائه في داخل اللعبة السياسية الإسرائيلية تذكير بأنه سيواصل لعبته الانقسامية ومهاجمة ناقديه باسم الإجماع الصهيوني وأنه الوحيد القادر على حل مشاكل إسرائيل. وفي النهاية فالانتخابات الإسرائيلية ليست عن الفائز ولكن عن من يستطيع تشكيل الحكومة. وفي مقال كتبته داليا سخيندلين في مجلة “فورين بوليسي” (5/3/2020) قالت فيه إن نتائج الانتخابات الأخيرة وإن لم تكن حاسمة، إلا أن فرص تشكيل حكومة هي أعلى من الذهاب للمرة الرابعة إلى صناديق الاقتراع. وترى أن تشكيل حكومة بـ58 مقعدا إضافة لعدد من المقاعد التي يمكن لنتنياهو جذبها سيمنح الحكومة اليمينية فرصة لمواجهة مشاكل تنتظر منذ عام بما في ذلك العجز بالميزانية. لكن الأولوية لهذه الحكومة ستتركز على أمرين: الضم وتقييد استقلالية المؤسسة القضائية في إسرائيل. ومن ناحية الضم كان نتنياهو يفضل الضم الهادئ أو الزاحف وخلق حقائق على الأرض خلافا لدعوات الكتل اليمينية الداعية منذ 2012 لضم مناطق جيم في الضفة الغربية. وهذا تغير في انتخابات نيسان (أبريل) 2019 عندما وعد اليمين بضم مناطق في الضفة ثم عاد في أيلول (سبتمبر) 2019 ووعد بضم وادي الأردن. وفي بداية العام أعلن ترامب عن خطته التي شرعنت الضم. ولم يعد الأمر مجرد شعارات انتخابية بل هناك مشاريع وقرارات في الكنيست للمضي سريعا في عملية الضم.