الناصرة- “القدس العربي”:
تجدد التراشق وتصاعدت التهم المتبادلة بين قادة المعسكرين المتنافسين على الحكم في إسرائيل، وسط تحذيرات من اغتيال سياسي جديد. فيما يتجه رئيس حزب “أزرق- أبيض” بيني غانتس لتشكيل حكومة ضيقة مدعومة من الخارج من قائمة “إسرائيل بيتنا” والقائمة المشتركة.
ونشر عدد من الناشطين في منتديات التواصل الاجتماعي الإسرائيلية تهديدات بقتل غانتس الذي نشرت صورته وهو يرتدي الكوفية الفلسطينية كما فعل ناشطو اليمين مع رئيس الحكومة الراحل إسحاق رابين قبيل قتله عام 1995 بعد عامين من توقيع اتفاق أوسلو.
وجاء في أحد هذه المنشورات: “يجب قتل غانتس في ميدان رابين في وسط تل أبيب وضمه إلى رابين”.
ونشرت ناشطة إسرائيلية عرفت نفسها كـ”معجبة كبيرة بنتنياهو” تغريدة في تويتر جاء فيها: “نهاية غانتس ستكون كنهاية رابين. هذا الأحمق لم يفهم بعد”.
وعلى خلفية هذه التهديدات المتصاعدة قرر ضابط الأمن في الكنيست رفع مستوى الحراسة على غانتس بدءاً من صباح الأحد. وعقب غانتس على ذلك بتوجيه إصبع الاتهام مباشرة لرئيس حكومة الاحتلال رئيس “الليكود” بنيامين نتنياهو، فقال: “بعد أسبوع من انتخابات قاسية مشبعة بالكراهية بشكل غير مسبوق منذ قيام إسرائيل. إن هذه الأجواء المشحونة والتهديدات بالعنف ينبغي أن تقلق كل قائد وطني، ومجددا نرى كوفيات فلسطينية كما حصل مع رابين، ونتنياهو يصمت. تهديدات بالقتل مجددا ونتنياهو يصمت، واعتداءات على متظاهرين ونتنياهو يصمت، أما التحريض فينفلت عقاله في كل مكان ونتنياهو يصمت”.
ارتفاع حدة التراشق في إسرائيل ومخاوف من اغتيال سياسي جديد وتراجع احتمال تشكيل حكومة وحدة وطنية
وتوجه غانتس لنتنياهو مباشرة بالقول: “لن أسمح لك أن تزرع الكراهية وتسبب حربا أهلية أولى، فالأجواء تبعث على القلق”.
نتنياهو مرتبك ومحرض
وكان نتنياهو قد قال في خطاب متلفز بدا فيه مرتبكا ومهتزا، إن المبادرة التي يقودها بيني غانتس كيدية وتضرب أسس الديموقراطية، وإن الجمهور منحه عددا من الأصوات أكثر من أي مرشح آخر لرئاسة حكومة في تاريخ البلاد.
وتابع: “تحت قيادتي تحول الليكود لأكبر حزب إسرائيلي وتغلبنا على خصومنا بالضربة القاضية، وسبق أن قال غانتس قبيل الانتخابات إن الحزب الذي يحصل على مقعد واحد أكثر من بقية الأحزاب يكون مؤهلا لتشكيل الحكومة ونحن فزنا بأكثر من مقعد، أما غانتس فقد كذب على الناخبين وسرق الانتخابات ويحاول المساس بي، ونحن وملايين المواطنين لن نسمح بأن يحدث هذا الأمر”.
وبعد هذه الدعوة للإسرائيليين بالتلميح للخروج لمظاهرات ضد غانتس، حاول نتنياهو الظهور بمظهر الرئيس المسؤول، بزعمه أن رئيس حزب “عوتسماه يهوديت” اليميني المتطرف ايتمار بن غفير، قد اشترط عليه فتح الحرم القدسي الشريف أمام الصلاة لليهود كشرط لانسحابه من الانتخابات ودعوة أنصاره للتصويت لـ”الليكود” لكنه رفض. وأضاف: “رفضت لأن مثل هذا الطلب سيشعل الشرق الأوسط ويثير غضب مليار مسلم في العالم، بينما في المقابل لا خطوط حمراء لدى خصومنا وهم يسعون اليوم لسرقة الانتخابات”.
ولّى حكمه
ورد غانتس على قول نتنياهو إنه “لن يذهب لأي مكان” بالقول إن “الشعب قد قرر وانتهت ثلاث جولات انتخابية متتالية بأغلبية واضحة للأحزاب المناهضة لنتنياهو واستمرار حكمه ومرة تلو المرة قرر الإسرائيليون أن حكم نتنياهو قد ولى”.
وحول خطواته المستقبلية أوضح غانتس أنه “على خلفية حسم الإسرائيليين أمرهم، فقد قرر تشكيل حكومة قوية وثابتة تنكب على معالجة جراح إسرائيل بعد إصابتها بالكراهية والانشقاق وتتيح للجميع التقدم”. وتابع: “سأبذل قصارى جهدي من أجل عدم الانزلاق لانتخابات رابعة بعد جولة انتخابات صعبة جدا”.
يشار إلى أن لجنة الانتخابات المركزية في إسرائيل قد نشرت نتائج رسمية يوم الخميس الماضي، وفيها فاز “الليكود” بالصدارة مع 36 مقعدا، يليه “أزرق- أبيض” برئاسة بيني غانتس مع 33 مقعدا وجاءت القائمة المشتركة في المكان الثالث مع 15 مقعدا، وهو أكبر عدد مقاعد يحققه فلسطينيو الداخل منذ مشاركتهم في انتخابات الكنيست الأولى بعد عام من النكبة.
وحسب النتائج فإن معسكر اليمين برئاسة نتنياهو فاز بـ58 مقعدا فقط، بينما فاز معسكر الأحزاب المعارضة بـ62 مقعدا، لكن نتنياهو يزعم أن معسكره أكبر بعدما شطب نواب المشتركة من حساباته لاعتبارهم “غير شرعيين وداعمين للإرهاب ويؤيدون محاكمة قادة الجيش بمحكمة الجنايات الدولية”.
وعلى خلفية ذلك، هناك من يعتبر أن ما حصل مع نتنياهو في الانتخابات البرلمانية الثالثة التي تجري في غضون عام من ناحية فوز حزبه بأكبر عدد من المقاعد مقابل فشل معسكر اليمين في بلوغ الـ61 من بين 120 مقعدا كي يستطيع تشكيل حكومة ينطبق عليه المثل الشعبي: “العملية الطبية نجحت لكن المريض مات”.
حالة هستيرية
كما كشف نتنياهو أن حزبه طلب من لجنة الانتخابات المركزية سجلاتها ومحاضرها من أجل معاينة النتائج مجددا. وكان رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان من بين المبادرين قبل أيام لصياغة مشروع قانون يقضي بمنع عضو كنيست متهم بتهم جنائية من تشكيل حكومة، وتحديد ولاية كل رئيس وزراء بولايتين فقط، وقد تبنى رئيس “أزرق- أبيض” بيني غانتس هذا الموقف.
ولن يكون بالإمكان تطبيق مشروع القانون هذا إلا بعد أداء نواب البرلمان الإسرائيلي يمين القسم بعد أسبوعين، وهذا يحتاج أيضا لأن يحصل رئيس “أزرق- أبيض” أولا على العدد الأكبر من النواب الذين يوصون أمام رئيس إسرائيل عليه كمرشح لتشكيل حكومة، وهذا يشق الطريق له لتشكيل ما يعرف بـ”اللجنة الناظمة” في الكنيست.
كما يطمح “أزرق- أبيض” لاستبدال رئيس الكنيست الحالي يولي ادلشطاين من “الليكود” بهدف تأمين تمرير المبادرة المذكورة في اللائحة الزمنية المحددة.
وعقّب ليبرمان على خطاب نتنياهو بالقول إن الأخير بدا في حالة هستيرية، وزعم أن “الليكود” هو الذي يجري اتصالات مع بعض مركبات القائمة المشتركة من جهة، ومن جهة أخرى يزاود على منافسيه والمعارضين له. وضمن التراشق الشخصي الحاد بين نتنياهو وليبرمان صديقا الأمس وعدوا اليوم، اتهم ليبرمان نتنياهو بالسعي شخصيا للمساس به وبأبنائه ومحاولة الافتراء عليهم وتلفيق تهم جنائية ضدهم والدعوة لمحاكمتهم.
كل المواطنين
وأكد غانتس أن حزبه لن يسكت هذه المرة، ولن يتيح لـ”المحرضين” ومطلقي التهديدات بالقتل بمواصلة الانفلات من عقابهم بشكل خطير، وتابع: “أنا مصمم على تأسيس حكومة تنظم العلاقات الداخلية بين كل المواطنين، مشددا على أن المأزق السياسي المتجدد يحتاج هذه المرة لقرارات سريعة. بعد الحصول على تكليف من رئاسة الحكومة سأسعى لتركيب حكومة تخدم كل المواطنين”. ومع ذلك رفض غانتس الكشف عن هوية شركائه في الائتلاف الحاكم بقيادته بسبب “الاتصالات الحساسة الجارية مع عدة جهات معنية”.
كرامة وحقوق
في المقابل، تواصل الأحزاب العربية المشاركة في القائمة المشتركة التشاور حول الخطوة التالية، فيما علمت “القدس العربي” أن هناك اتصالات علنية وسرية بين “أزرق- أبيض” وبين بعض قادة المشتركة من أجل تأمين دعمها لحكومة ضيقة محدودة في الوقت، مهمتها التخلص من نتنياهو والتصرف كحكومة طوارئ لمواجهة آثار الانتخابات، علاوة على خطر عدوى الكورونا الآخد بالاستشراء في البلاد.
وقال مصدر مطلع في “المشتركة” لـ”القدس العربي” الأحد، إن هناك قناة مفتوحة بينها وبين “أزرق- أبيض” وغيره من الأحزاب، لكن “المشتركة لن تتقدم دون أن يبادر رئيس أزرق- أبيض بيني غانتس للاتصال برئيسها النائب أيمن عودة ويطلب رسميا توصيتها عليه أمام رئيس إسرائيل، علاوة على إطلاق تصريحات يتراجع فيها عن تصريحات عنصرية سابقة تجاهلت المجتمع العربي الفلسطيني وتحدث فيه عن أغلبية يهودية متبنيا خطاب الليكود اليميني العنصري”.
وتابع: “معادلتنا تجمع الكرامة الوطنية والحقوق الكاملة. طبعا لدينا شروط طويلة لخدمة حقوق مدنية كثيرة للمواطنين العرب منها تحويل ميزانيات متساوية للحكم المحلي العربي وصياغة خطة حكومية لمكافحة العنف والجريمة في الشارع العربي، إضافة إلى إلغاء قانون كامنيتس لهدم المنازل العربية، وتوسيع مسطحات البناء للبلدات العربية وغيرها، علاوة على إعلان يؤيد تسوية الصراع مع الشعب الفلسطيني من خلال تسوية الدولتين”.
في تغريدة جديدة، قالت عضو الكنيست من الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة، في القائمة المشتركة، إنه “بات واضحا الآن بدون أن يتوجه غانتس بشكل رسمي ومباشر وعلني للمشتركة لن يحظى بتوصية عليه على غرار التوصية عليه بعيد الانتخابات الـ22 للكنيست”.