أدب الناشئة في مواجهة طغيان عصر الإنترنت

يحتل الكتاب مكانة هامشية عند الجميع، في ظل طغيان عصر الإنترنت، وهذه المشكلة تتفاقم عند فئة الفتيان والفتيات؛ لما توفره هذه التقنية وأجهزتها من إثارة ومتعة وتشويق، مما يثير اهتمامهم ويحظى بجل أوقاتهم. هذا الوضع يتطلب أن تتطور صناعة الكتاب الموجه للفتيان، وأن يتنبه الكُتاب لضرورة تطوير أدواتهم وتقنياتهم، بما فيها من خيال محلق، وأفكار عميقة، وألغاز مثيرة، وعوالم جديدة، وغرائبيات مدهشة، وأن يستلهموا مميزات الأجهزة والألعاب الإلكترونية ويوظفونها في ما يكتبون، للاقتراب من عالم الفتيان، ودخوله من الباب الذي يحبون.
حول هذه الموضوع، تواصلنا مع بعض الفائزين بجائزة كتارا للفتيان والفتيات، للإجابة عن السؤال الآتي: «في ظل المنافسة غير المتكافئة بين الكتب من جهة، والأجهزة والألعاب الإلكترونية والإنترنت من جهة أخرى، ما المطلوب من الأدب الموجه للفتيان والفتيات، ليكون خيارا قويا لهذه الفئة؟»، فكانت هذه المشاركات:

الخيال الخلاق

يقول القاص والروائي التونسي عماد دبوسي .. تعتبر الكتابة للفتيان أصعب بكثير من الكتابة للكبار، إذ أنّها توجّه لفئة حسّاسة، تمرّ بفترة عمريّة حرجة، تسعى فيها للبروز وإثبات الذّات، ولو من خلال التّمرّد على المألوف. وتبحث أيضا عمّا يلبي حاجاتها للمتعة والإثارة، وهذا ما توفّره المنتجات الرّقميّة، ونقصد هنا الألعاب وعالم الإنترنت، لذلك يجد الكتاب نفسه في منافسة غير متكافئة، ما يجعل مهمّة الكاتب في الوصول لهذه الشّريحة العمريّة أكثر صعوبة وأشدّ تعقيدا. وعليه فإنّ الكاتب يحتاج أن يكون ملمّا باهتمامات النّاشئة، عارفا بهمومها ومشاكلها، ومسلّحا بالمعرفة والثّقافة، التي تجعله قادرا على الدّخول إلى عوالمها، متّبعا خطّة تربوية واضحة المعالم، تمكّنه من أن يضمّن منتجه الأدبي مجموعة من القيم، بدون السّقوط في التّوجيه أو النّصح المباشر. ويعتمد كذلك على الخيال الخلّاق في بناء نصّه الأدبي، فيجعله نابضا بالأحداث، ويختار له الشّخصيات التي تشدّ المراهق ويجد فيها نفسه.
ولا يغفل عن توظـــــيف الوسائل الإلكـــترونيّة في البناء القصصي للنّص، والإشارة بذكاء إلى سلبياتها وإيجابياتها. ومن جهة أخرى نحتاج في عالمنا العربي إلى تأسيس منظومة شاملة للنّهوض بأدب الطّفل والنّاشئة، تبدأ من الأسرة، ثمّ المدرسة، من خلال تركيز مناهج تربويّة تولي الكتاب الأهميّة التي يستحق، وصولا إلى تأسيس دور نشر متخصّصة، وبعث مؤسّسات تعنى بهذا الجنس من الأدب.

الذكاء السردي

أما الروائية التونسية منيرة الدرعاوي فتقول .. لئن اتّسمت الرّواية عموما بالعديد من السّمات التي تميّزها عن غيرها من الأجناس الأدبيّة، فإنّ رواية الفتيان تتميّز بدورها بأنّها مغامرة سرديّة مثيرة، تكتسب خصوصيّتها من خصوصيّة الفئة التي تستهدفها. فالمتقبّل فيها لاقط ممتاز لكلّ ما يقدّم له من رسائل يستبطنها النصّ من ناحية، ومن ناحية أخرى هو متقبّل يعيش في زمن الطّفرة الإلكترونيّة وتنوّع الوسائط الرّقميّة المرئيّة والمسموعة، التي تستأثر بجميع مدركاته وتوثِقُ شدّهُ إلى تطبيقاتها وألعابها، لذلك يقتضي هذا الجنس من الكتابة للفتيان تكثيفا غير مملّ للأبعاد القيميّة التّربويّة، وذكاء سرديّا يوجّه إدراك اليافع نحو النّموذج الإيجابيّ، بدون مباشرة، قد تكون مزعجة لليافع الميّال بطبعه إلى الجموح والعناد. كما تقتضي لغة سلسة يسيرة الاستيعاب، وتواترا لأحداث ممتعة مشوّقة تستأثر بذهن قارئها المحاط بشتّى أصناف الوسائط الرّقميّة، التي قد يكون شدّها لمداركه أقوى من شدّ القراءة. ومن هنا أرى أوّلا أنّ رواية «اليافع» ما هي إلاّ سير في منحدر حكائيّ زلِقٍ، أو هي عبور لطريق محفوفة جوانبها بشتّى الالتواءات والنّتوءات. وثانيا أنّها سبيل مجدية لمعاضدة الفعل التّربويّ المنوط بعهدة العائلة والمدرسة، تجذيرا للطّفل في بيئته، وتعزيزا لانتمائه، لذلك تبقى الرّواية الموجّهة لليافع أداة ناجعة موزّعة وظائفُها بين المتعة والإفادة.

في هذا العصر الإلكتروني الذي انتشرت فيه الوسائط المتعدّدة من وسائل إعلام وشبكة عنكبوتية ومواقع تواصل اجتماعي، فَقَد الكتاب بريقه الذي كان عليه ولم يعد يشدّ الطّفل خاصة، مثلما كان في السّابق.

ألعاب تعكس المضمون

ويرى الروائي والمسرحي المصري إيهاب فاروق حسني أن الكتاب فقد جاذبيته كمصدر رئيس للتعاطي مع الثقافة، والحصول على المعلومة المباشرة، وتطوير العقل وتنميته، لعدة عوامل أهمها تراجع دور الثقافة بصفة عامة؛ بسبب انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي لها قدرة على جذب الفئات المختلفة من الفتيان، لاسيما الألعاب الإلكترونية، ومنها ما يحتوي على مضمون فيه قدر من العنف والإثارة، قادر على إلهاء الفكر وسلب العقل. ولكي يحاكي الأدب الموجه للأطفال، ما تنطوي عليه الألعاب الإلكترونية والإنترنت من متعة وإثارة وقوة جذب، فلا بد من أن يتم الربط بين الكتاب المقروء والكتاب المرئي. كما أرى المزج بين المحتوى القيمي والمتعة التي توجد فى الألعاب، من خلال ابتكار ألعاب تعكس مضمون الكتاب نفسه. وهذه تجربة تم اللجوء إليها من بعض دور النشر، ولكنها لا تتخطى العشرات من التجارب، التي لا ترقى إلى منافسة عالم الإنترنت، وبالتالي فإن قدرتها على التأثير لا تكاد تذكر، لهذا لا بد من الربط بين الإنترنت الأقوى تأثيرا والكتاب الأقل تأثيرا.

روح اللعب

ويرى القاص والروائي المصري مصطفى الشيمي أنه إذا أردنا لأدب الطفل أن يقف ندا أمام ألعاب الفيديو، فعلينا أن نعيد تصوراتنا عن هذا الأدب، إذ نقدم في عالمنا العربي ـ من باب الوصاية – كتابة للأطفال تقوم على القيم التربوية والتعليمية في المقام الأول، وتغض النظر عن أهمية اللعب، مجرد اللعب، بالنسبة للطفل في استكشافهم لهذا العالم. إن لعبة مشهورة، مثل «وان بيس»، سنجدها في الأصل رواية «مانغا». تحولت إلى مسلسل رسوم متحركة، وآلاف الألعاب. لولا نجاح الرواية المصورة ما وجدت في آلاف الوسائط. علينا أن نسأل: لماذا فازت هذه الكتابة بالطفل؟
يمكن من خلال استعارة تقنيات الألعاب وشبكة الإنترنت، أن نقدم أدبا تفاعليا (القصة اللعبة) يضع الطفل في موقع الفاعل، لا المتلقي، حيث يقوم باتخاذ القرارات المناسبة وبناء عليها تتحدد النهايات والمصائر المختلفة. وُجد هذا اللون في الغرب، ولا أذكر نموذجا عربيا إلا قصة في «كهوف دراجوسان» للكاتب أحمد خالد توفيق، ألا يمكننا أن نغرس قيمنا التربوية بدون أن نستسهل التلقين؟ فعلى أدب الطفل العربي أن يقدم الحكايات بروح اللعب، من خلال اكتشاف اللغة والشكل الفني، وغرائبيات العالم، بدون اللجوء إلى الوعظ. على أدب الطفل العربي أن يؤمن بالطفل أكثر.

الكتاب هو الأبقى

وبالمخالفة يقول القاص والروائي العراقي هيثم بهنام بُردى إن المنافسة حالة إيجابية تصب في صالح الإبداع، وتقوم بتفعيل وتطوير العملية الإبداعية، بيد أن المنافسة التي تعتمد البدهية الخطأ، التي مفادها: أن الجديد يقوض القديم بدون بيّنة أو حجة تسنده، فهذا الأمر ينحرف من مسار الفضاء المتزن إلى فوضى مدمرة تماما، وهذه ليست منافسة، بل هي مناطحة. صارت الشبكة العنكبوتية بكل تفرعاتها (المواقع الإلكترونية، فيسبوك، تويتر، واتساب…..)، جزءا حيويا من حياتنا العملية، وانتشرت الكتب والأفلام المستنبطة من القصص والروايات، بشكل واسع ومنقطع النظير، كل هذا شيء جميل وممتع، ولكن ديمومته مرتبطة بمدى فعالية شاشة الحاسوب، إذ حال إطفاء الجهاز أو انطفائه تزول الحياة التي تتابعها، ولكن الأمر مختلف تماما بين ما تراه على الشاشة، وما تقرأه بين السطور في الكتب، إذ أن مخيلة الطفل والفتى، هي التي تقوم من خلال القراءة المعمقة، بتصوير وإخراج ومشاهدة ما تستشفه ذاكرته، ويراه على شاشة حاسوب ذائقته التي لا تنطفئ، حتى لو قطع القراءة وأعادها، فإن المادة المصورة في رأسه ستعود بكل العنفوان والتدفق والشد والإثارة. وعليه فإن المفاضلة في تقديري كقارئ قديم ومؤلف حاضر، تسندني في قناعتي في ما أراه في معارض الكتب، وفي المكتبات من إقبال كبير من قبل الأطفال والفتيان والفتيات على الكتب المطبوعة ورقيا والمخصصة للأطفال، رغم توفر هذه الكتب في رفوف المكتبة الإلكترونية بصيغ «بي دي أف»، أو كصور ملونة زاهية، والكثير منها قد تم إخراجها كأفلام وبأجمل تصوير وإخراج. ويبقى الكتاب ـ من وجهة نظري – بصيغته الورقية هو المطلوب بإلحاح وكثرة من قبل الصغار والكبار على حد سواء.

استثمار التكنولوجيا

وفي الأخير يرى الروائي التونسي نور الدين بن بوبكر أنه في هذا العصر الإلكتروني الذي انتشرت فيه الوسائط المتعدّدة من وسائل إعلام وشبكة عنكبوتية ومواقع تواصل اجتماعي، فَقَد الكتاب بريقه الذي كان عليه ولم يعد يشدّ الطّفل خاصة، مثلما كان في السّابق. لا أحد ينكر أنّ هذه الوسائط تتميّز بإثارتها ومتعتها التي تبهر الطفل، وتجعله يبتعد شيئا فشيئا عن المطالعة. وأمام هذه المشكلة وجب على القائمين على أدب الفتيان من أدباء وناشرين، أن يعملوا على تجويد هذا القطاع، حتّى يكون خيارا قويّا لهذه الفئة. ولعلّ أبرز الحلول المطروحة حاليا، التوجّه إلى كتابة جدّية تلامس شغاف قلب الطفل اليافع وتحفّزه على القراءة، وإنتاج نصوص مشوّقة تشدّه وتمسّ واقعه المعاش، وتبعث فيه الأمل وتشعره بالأمان. وينبغي أن تكون هذه النصوص ذات إشراقة لغوية، وبأسلوب سلس بعيدٍ عن المباشرتية والدّروس الجّافة التي تثير ملل القارئ، وبها صور رقراقة تغريه وتنهض به. كذلك على الكاتب ألا يكتفي بإشباع رغبات هذا الطفل بخيال بسيط ساذج تجاوزه الزمن من قَبيل الحكايات، التي كانت ترويها الجدّة قُبيل النوم، من خرافات لا علاقة لها بواقع القارئ، ولا تلبّي حاجياته ولا تحفّزه على مواصلة القراءة، بل عليه أن ينتقي معلوماته بعناية شديدة من أجل تنمية قدرات الطفل الفكرية والمعرفية، وأن يطوّر نصوصه، ويستثمر التكنولوجيا الحديثة ليجعلها في خدمة ما يكتب، وليست منافسا لما يكتب، كأن ينشر نصوصه مقروءة عبر الشبكة العنكبوتية ليشدّ القارئ.

٭ كاتب أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية